تحمل الآلام والجراح، ونادى حي على الفلاح، وتحول من عبد ضعيف إلى سيد شريف بعد أن أقبل الفجر ولاح الصباح، وذهب جلادوه أدراج الرياح، رزقه الله صوتاً قوياً، حسناً ندياً، يأسر القلوب، والآذان عند كل أذان، وامتد ذكره بين المسلمين حتى آخر الزمان.

كان من السابقين إلى الإسلام، تعلم في مدرسة النبوة أعظم الدروس، واكتسب أجمل الخصال، وجمع بين الأدب والتواضع والتقوى والأمانة وقوة اليقين والشجاعة.

كان القرآن الكريم منهاجه، وسنة نبيه شريعته، اهتدى بهديها ومضى على دربها، فحاز الفلاح في الدنيا والآخرة.

قال ابن كثير: لما شرع الأذان بالمدينة كان بلال هو الذي يؤذن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويتناوب معه ابن أم مكتوم، هذا تارة، وتارة هذا.

ومن الكلمات المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما يحين وقت الصلاة:

أرحنا بها يا بلال، فينهض ويؤذن: حي على الصلاة، حي على الفلاح.

أذان في مكة

في يوم فتح مكة، كان بلال بن رباح وأسامة بن زيد، في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد دخلا معه الكعبة، وصعد بلال فوقها وأذن في الناس:

الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله.

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال صلاة الغداة: حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام منفعة، فإني سمعت الليلة خشف نعلك بين يدي في الجنة.

قال بلال: ما عملت عملا في الإسلام أرجى عندي منفعة من أني لم أتطهر طهورا تاماً في ساعة من ليلٍ أو نهارٍ إلا صليت بذلك الطهور ما كتب الله لي أن أصلي.

في غزوة بدر كان بلال بن رباح رضي الله عنه بجوار علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فلما رأى أمية بن خلف بين صفوف المشركين نادى على رفاقه من المسلمين فانقضوا عليه وفتكوا به.

أراد أمية أن يتخلف عن الحرب، وكان الذي حرضه على الذهاب للحرب هو نفسه الذي طالما حرض على تعذيب بلال. وفي ذلك اليوم ذهب أمية يواجه قدره المحتوم. وهو قدر كل ظالم مستبد.

مرابط في سبيل الله

قال بلال بن رباح لأبي بكر الصديق، يا خليفة رسول الله إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أفضل عمل المؤمن الجهاد في سبيل الله.

فقال له أبو بكر: فما تشاء يا بلال؟

قال: أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت.

قال أبو بكر: ومن يؤذن لنا؟

قال بلال وعيناه تفيضان بالدموع: إني لا أؤذن لأحد بعد رسول الله.

قال أبو بكر: بل ابق وأذن لنا يا بلال.

قال بلال: إن كنت قد أعتقتني لأكون لك فليكن ما تريد، وإن كنت أعتقتني لله فدعني وما أعتقتني له.

قال أبو بكر: بل أعتقتك لله يا بلال.

قال بلال: فذرني أذهب إلى الله عز وجل.

فقال أبو بكر: اذهب.

فخرج بلال مجاهداً.

تعلم بلال بن رباح في مدرسة النبوة ألا يخاف أو يخشى في الحق لومة لائم.

بعد انتصار المسلمين في معركة اليرموك بقيادة خالد بن الوليد (سيف الله المسلول) بلغ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه أعطى البعض مالا كثيرا. وتردد الصحابة في إبلاغ القائد المنتصر برسالة أمير المؤمنين بالتحقيق معه، فقام بلال وتوجه إلى خالد ونزع عنه عمامته وقلنسوته، وسأله عن مصدر هذا المال فقال: إنه مالي.

فأعاد إليه عمامته وقلنسوته، كما أعاد إليه احترامه واعتباره وقال: نسمع ونطيع لولاتنا، ونفخم ونخدم موالينا.

ولما أمر أمير المؤمنين بعزل خالد عن قيادة الجيش طيب خاطره وأشاد بدوره في خدمة الإسلام، فلم يكن عزل خالد عن خطأ أو خطيئة، ولكن لحكمة رآها ثاني الخلفاء الراشدين.

سيدنا وأعتق سيدنا

كان يقول عن نفسه ويردد هذا القول: إنما أنا رجل حبشي كنت بالأمس عبداً ورغم ذلك كان موضع حب النبي صلى الله عليه وسلم واحترام الصحابة، وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول إذا جاء ذكر أبي بكر الصديق: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا.

يقصد بلال بن رباح.

في إحدى المرات قال أبو ذر الغفاري لبلال بن رباح: يا ابن السوداء.

فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك غضب وقال له: إنك امرؤ فيك جاهلية.

فنهض أبو ذر، ونام على الأرض وطلب من بلال أن يطأ خده بقدميه، اعتذارا عن زلة لسانه.

وكان بلال بن رباح كعهده دائما كريما متواضعا متسامحا متساميا، قال الشعبي: ذهب بلال بن رباح رضي الله عنه مع أخيه إلى أهل بيت في اليمن خاطبا وقال لرب البيت: أنا بلال وهذا أخي، عبدان من الحبشة، كنا ضالين فهدانا الله، وكنا عبدين فأعتقنا الله، إن تزوجانا فالحمد لله، وإن تمنعانا فالله أكبر.

وفي رواية أخرى قال عن أخيه: إن شئتم فزوجوه، وإن شئتم غير ذلك فهذا شأنكم.

فقالوا: من تكون أخاه زوجناه.

أحد.. أحد

كان بلال عبدا في بني جمح، يرعى الغنم والإبل، فقد سيده أمية بن خلف عقله وطاش صوابه عندما علم بدخوله في الدين الجديد، سامه سوء العذاب حيث ألقاه على الرمال في صحراء مكة ووضع على صدره صخرة كبيرة، وكان بلال يردد في صبر وإيمان: أحد أحد.

ربطوه بالحبال، وجروه وعذبوه، وهو يردد الكلمات نفسها: أحد أحد.

قال له أمية: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعود لعبادة اللات والعزى. وكان بلال يرد ويردد أحد أحد.

لم يتحمل معظم العبيد وطأة العذاب الشديد، وخافوا من التهديد والوعيد لكنه صمد، وصبر واحتسب وظل يردد أحد أحد.

كان ورقة بن نوفل يمر على هذا المشهد الأليم فيقول: أحد أحد يا بلال.

ويتوجه إلى أمية بن خلف ويقول: أقسم بالله، لأن قتلتموه ويشير إلى بلال لأتخذنه حنانا.

ورق قلب أبي بكر الصديق للعبد المسكين؟ وقال لأمية: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ وسأله:

حتى متى؟ قال أمية:

أنت الذي أفسدته فأنقذه مما ترى.

قال أبو بكر: عندي غلام أجلد منه، على دينك، أتقبل أن أعطيكه به؟

قال: لقد قبلت.

قال: هو لك.

وأخذه أبو بكر الصديق وأعتقه.

سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الدعوة: من اتبعك؟ قال حر وعبد (أبو بكر الصديق وبلال بن رباح).

سابق الحبشة

أدرك بلال بفطرته السليمة أن الإسلام هو الدين الحق، الذي لا يفرق بين سيد قرشي وعبد حبشي.

أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، والإمام ابن ماجة في سننه، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أنه قال: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمار وأمه سمية، وصهيب وبلال والمقداد رضي الله عنهم.

بلال بن رباح الحبشي (توفي حوالي 20ه 641م) يكنى بأبي عبد الله وأبي عمرو، مؤذن الرسول وخازن على بيت مال المسلمين، وأحد السابقين إلى الإسلام. وفي الحديث النبوي الشريف: بلال سابق الحبشة. كان نحيفا طويلا كثيف الشعر خفيف العارضين، شديد سواد البشرة، شهد الغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم.

روى عنه الإمام البخاري في الجامع الصحيح 44 حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

عندما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه آخى بين بلال بن رباح وبين أبي عبيدة بن الجراح.

مات بالشام ودفن على أرجح الآراء في دمشق في خلافة عمر عن بضع وستين سنة.

وتقول أغلب الروايات إن بلال بن رباح توقف عن الأذان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان بلال إذا وصل في الأذان عند أشهد أن محمدا رسول الله بكى وتعثرت الكلمات على لسانه، وكانت المرة الأخيرة التي أذن فيها عندما زار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بلاد الشام، حيث توسل إليه المسلمون أن يطلب من بلال الأذان.

ودعاه أمير المؤمنين لأن يؤذن وأذن بلال فبكى وبكى المسلمون وكان أكثرهم بكاء أمير المؤمنين.