واحدة من أجمل القصص التي يمتزج فيها العلم بالإعجاز الخارق . . بالإبهار، إنها قصة بلقيس التي حيرت الإنس والجن وعالم العفاريت . . الملكة التي أنقذها وقومها من الضلالة ذلك الطائر الضعيف . . الهدهد . .

الذي كشفها وقومها وأول من انبهر بعرشها ووصفه كما حكى القرآن الكريم ولها عرش عظيم . .

يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر الراحل، إن بلقيس كانت تتصرف في أمور مملكتها من دون أن يعترض عليها معترض أو ينافسها منافس وبين يديها جميع الأشياء التي تحتاجها لتصريف شؤون مملكتها والمحافظة على قوتها واستقرارها، وفضلاً عن ذلك لها عرش عظيم أي لها سرير ملك فخم يدل على غناها وترفها ورقي مملكتها في الصناعة وغيرها .

تنسب الملكة بلقيس إلى الهدهاد بن شرحبيل من بني يعفر وهناك اختلاف كبير بين المراجع التاريخية في تحديد اسم ونسب هذه الملكة الحِمْيَرية اليمانية، كما أنه لا يوجد تأريخ لسنة ولادتها ووفاتها .

كانت بلقيس سليلة حسب ونسب، فأبوها كان ملكاً، وقد ورثت الملك بولاية منه، لأنه على ما يبدو لم يرزق بأبناء بنين . لكن أشراف وعلية قومها استنكروا توليها العرش وقابلوا هذا الأمر بالازدراء والاستياء، فكيف تتولى زمام الأمور في مملكة مترامية الأطراف مثل مملكتهم امرأة؟ أليس منهم رجل رشيد؟ وكان لهذا التشتت بين قوم بلقيس أصداء خارج حدود مملكتها، فقد أثار الطمع في قلوب الطامحين للاستيلاء على مملكة سبأ، ومنهم الملك عمرو بن أبرهة الملقب بذي الأذعار . الذي استنفر جنده وتوجه ناحية مملكة سبأ للاستيلاء عليها وقد علمت بلقيس، بما في نفس ذي الأذعار فخشيت على نفسها، واستخفت في ثياب أعرابي ولاذت بالفرار . وعادت بلقيس بعد أن عم الفساد أرجاء مملكتها فقررت التخلص من ذي الأذعار، فدخلت عليه ذات يوم في قصره وظلت تسقيه الخمر وهو يظن أنها تسامره وعندما بلغ الخمر منه مبلغه، استلت سكيناً وذبحته به . .

إلا أن روايات أخرى تشير إلى أن بلقيس أرسلت إلى ذي الأذعار وطلبت منه أن يتزوجها بغية الانتقام منه، وعندما دخلت عليه فعلت فعلتها .

عقل راجح

وبلقيس هي أول ملكة اتخذت من سبأ مقراً لحكمها . . وقيل إنه ما كان لها هذا الشأن العظيم لولا اتصافها برجاحة العقل وسعة الحكمة وغزارة الفهم . فحسن التفكير وحزم التدبير أسعفاها في كثير من المواقف العصيبة والمحن الشديدة التي تعرضت لها هي ومملكتها، وكما في قصتها مع الملك ذي الأذعار الذي كان يضمر الشر لها ولمملكتها، ولكن دهاءها وحنكتها خلصاها من براثن ذي الأذعار وخلص قومها من فساده وطغيانه وجبروته .

كما أنها عرفت بحسن المشاورة إلى جانب البراعة في المناورة، فهي لم تكن كبقية الملوك متسلطة في أحكامها، متزمتة لآرائها، لا تقبل النقاش أو المجادلة، بل كانت كما أجرى الله على لسانها قالت أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون وذلك على الرغم من أنه كان بمقدورها أن تكتفي برأيها وهي الملكة العظيمة صاحبة الملك المهيب . فهي ببصيرتها النيرة كانت ترى أبعد من مصلحة الفرد، فهمها كان في ما يحقق مصلحة الجماعة .

وقد كان قوم بلقيس يعبدون الأجرام السماوية والشمس على وجه الخصوص، وكانوا يتقربون إليها بالقرابين، ويسجدون لها من دون الله، وهذا ما لفت انتباه الهدهد الذي كان بعثه سليمان عليه السلام ليبحث عن مورد للماء .

نقل العرش

وقد شغل عرش بلقيس الكثير من الناس قديماً وحديثاً على السواء خاصة بعد أن طلب نبي الله سليمان من يأتيه بعرشها . . قبل أن تأتيه وقومها يعلنون إسلامهم ورجوعهم عن الغي والضلالة والدخول في دين الله موحدين عابدين له وحده لا شريك له . . قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي . قال المفسرون: إن المقصود بقوله . . قال الذي عنده علم من الكتاب وهو آصف كاتب سليمان كما قال ابن عباس، وكذا روى محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان أنه آصف بن برخياء . وكان صديقاً يعلم الاسم الأعظم .

وقال قتادة: كان مؤمناً من الإنس واسمه آصف، وقوله: قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك أي ارفع بصرك وانظر، مد بصرك مما تقدر عليه، فإنك لا يكل بصرك إلا وهو حاضر عندك، وقال وهب بن منبه: امدد بصرك فلا يبلغ مداه حتى آتيك به، فذكروا أنه أمره أن ينظر نحو اليمن التي فيها هذا العرش المطلوب ثم قام فتوضأ ودعا الله تعالى . قال مجاهد: قال يا ذا الجلال والإكرام . وقال الزهري قال: يا إلهنا وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت ائتني بعرشها . قال: فتمثل بين يديه .

وتوقف الكثيرون أمام موضوع نقل العرش، وقال البعض لم يكن إلا ضرباً من ضروب السحر، فكيف يتمكن مخلوق من إحضار عرش ملكة سبأ في ذلك العصر من على بعد آلاف الكيلومترات في جزء من ثانية أي قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه؟

الطاقة والمادة

جاء في موسوعة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة تعليقاً على هذا: ولكن العلم الحديث يخبرنا بأن هذا لا يتحتم أن يكون سحراً! فحدوثه ممكن من الناحية العلمية أو على الأقل من الناحية النظرية بالنسبة لمقدرتنا في القرن العشرين . . فالطاقة والمادة صورتان مختلفتان لشيء واحد . . وتحول المادة إلى طاقة والطاقة إلى مادة أمر ممكن علمياً وعملياً فالمادة والطاقة قرينان، ولا يعطل حدوث هذا التحول على نطاق واسع إلا صعوبة حدوثه والتحكم فيه تحت الظروف والإمكانات العلمية والعملية الحالية، ولا شك أن التوصل إلى الطرق العلمية والوسائل العملية المناسبة لتحويل الطاقة إلى مادة والمادة إلى طاقة في سهولة ويسر يستدعي تقدماً علمياً وفنياً هائلاً . فإذا تمكن الإنسان في يوم من الأيام من التحويل السهل الميسور بين المادة والطاقة فسوف ينتج عن ذلك تغيرات جذرية بل وثورات ضخمة في نمط الحياة اليومي وأحد الأسباب أن الطاقة ممكن إرسالها بسرعة الضوء على موجات ميكرونية إلى أي مكان نريد، ثم نعود فنحولها إلى مادة! وبذلك نستطيع أن نرسل أي جهاز أو حتى منزلاً بكامله إلى أي بقعة نختارها على الأرض أو حتى على القمر أو المريخ في خلال ثوان أو دقائق معدودة . والصعوبة الأساسية التي يراها الفيزيائيون لتحقيق هذا الحلم هي في ترتيب جزئيات أو ذرات المادة في الصورة الأصلية تماماً . وهناك صعوبة أخرى مهمة يعاني منها العلم الآن وهي كفاءة والتقاط الموجات الكهرومغناطيسية الحالية التي لا تزيد على 60% وذلك لتبدد أكثرها في الجو .

بالنسبة إلى نقل عرش الملكة بلقيس، فالتفسير المنطقي لما قام به الذي عنده علم من الكتاب أنه قام أولاً بتحويل عرش ملكة سبأ إلى نوع من الطاقة ليس من الضروري أن يكون في صورة طاقة حرارية مثل الطاقة التي نحصل عليها من المفاعلات الذرية الحالية ذات الكفاءة المنخفضة، ولكن طاقة تشبه الطاقة الكهربائية أو الضوئية يمكن إرسالها بواسطة الموجات الكهرومغناطيسية . والخطوة الثانية هي أنه قام بإرسال هذه الطاقة من سبأ إلى ملك سليمان، ولأن سرعة انتشار الموجات الكهرومغناطيسية هي سرعة انتشار الضوء نفسها أي 300000 كم ثانية فزمن وصولها عند سليمان ثلاثة آلاف كيلومتر . . والخطوة الثالثة والأخيرة أنه حول هذه الطاقة عند وصولها إلى مادة مرة أخرى في الصورة نفسها التي كانت عليها أي أن كل جزيء وكل ذرة رجعت إلى مكانها الأول! . لقد نجح في تحويل عرش بلقيس إلى طاقة ثم إرساله مسافة آلاف الكيلومترات ثم إعادة تحويله إلى صورته الأصلية من مادة تماماً كما كان في أقل من ثانية، أو حتى في عدة ثوان إذا اعتبرنا عرض الجني الأول الذي أبدى استعداده لإحضار العرش قبل أن يقوم سليمان عليه السلام من كرسيه . فمستوى معرفة وقدرة أي من الأول والثاني لأرفع بكثير من مستوى المعرفة والقدرة الفنية والعلمية التي وصل إليها إنسان القرن العشرين .