بيروت - إلياس سحّاب:
في شهر سبتمبر/أيلول من العام ،1993 أي قبل نحو عشرين عاماً، رحل عن هذه الدنيا أصغر العناقيد الكبيرة للموسيقى العربية، في النصف الثاني من القرن العشرين بليغ حمدي .
والحقيقة أن هذا الفنان كان ظاهرة فنية في حياته، وما زال يشكل ظاهرة فنية، حتى بعد عقدين من رحيله: أول مرة لدى مجايليه من الموسيقيين، والآن لدى أبناء الجيل الجديد من الموسيقيين العرب .
في حياته، شكل ظاهرة فنية في بدايات ظهوره اللامعة والمبكرة، وبعد ذلك في غزارة تدفقه اللحني بشكل ملأ الدنيا وشغل الناس في حينه . لم يكن فقط من أصغر من بدأ التلحين لكوكب الشرق أم كلثوم، حين ظهرت أغنيته الأولى لها "حب أيه" ليلة الخميس الأول من الشهر الأول من شهر ديسمبر/كانون الأول ،1960 عندما كان قد أكمل الثلاثين من عمره . وكان ظهور لحنه الكلثومي الأول هذا موافقاً لليلة ظهور لحن زكريا أحمد الأخير لأم كلثوم "الهوى غلاب" .
وأثارت أغنيته يومها عاصفة من الإعجاب، لصغر سنه، ولأنه لم تكن لديه تجارب تلحينية سوى تجارب أولى مع فايدة كامل وفايزة أحمد وعبدالحليم حافظ . لكننا بعد هدوء عاصفة اللحن الأول لأم كلثوم، عدنا فاكتشفنا أن صغر سنه في بداية التعاون لم يكن حدثاً فريداً، بل كان تكراراً لبداية رياض السنباطي مع أم كلثوم، الذي كان أيضاً في الثلاثين من عمره، حيث حصل اللقاء الأول في عام ،1936 فيما السنباطي مولود في عام .1906
"حب أيه" لم تكن لقاء يتيماً لبليغ حمدي مع أم كلثوم، بل كانت مقدمة تحوله إلى ملحن موسمي دائم جديد لديها (بعد عصر تفرد السنباطي)، متساوياً في ذلك مع أستاذه محمد عبدالوهاب، الذي تحول هو الآخر منذ "أنت عمري"، إلى ملحن موسمي جديد لأم كلثوم، في السنوات العشر الأخيرة من حياتها الفنية .
بليغ حمدي كان شديد اللمعان وعلى غزارة هائلة في إنتاجه الفني مع عدد من الأصوات الكبيرة الأخرى، التي تسيدت الساحة الفنية في ستينات وسبعينات القرن العشرين، مثل عبدالحليم حافظ، خاصة في فترات كسل كمال الطويل ومحمد الموجي ومحمد عبدالوهاب، وشادية وفايزة أحمد ووردة ونجاة الصغيرة ومحمد رشدي . حتى أنني كتبت مقالاً قديماً نشر في تلك الفترة عن الغزارة والتدفق واللمعان في ألحان بليغ حمدي، أقول إنك إذا استمعت إلى لحن ناجح ولم تعرف اسم ملحنه، فإنك أصبحت ميالاً إلى نسبته لبليغ حمدي .
والحقيقة أن هذه الظاهرة نفسها تتكرر الآن مع الجيل الجديد من الملحنين ولكن هذه المرة بسبب جهلهم بمعظم أعمال الجيل الماضي من عمالقة القرن العشرين مثل محمد القصبجي ومحمد عبدالوهاب وكمال الطويل ومحمد الموجي ومحمود الشريف وسواهم . فينسبون كل لحن ناجح قديم إلى بليغ حمدي، سواء كان له فعلاً، أو لم يكن، مثل ألحان محمد عبدالوهاب الثلاثة الشهيرة "في يوم وليلة"، و"لولا الملامة" (غناء وردة)، و"نبتدي منين الحكاية"(غناء عبدالحليم حافظ) .
إن هذه الظاهرة ذات طبيعة إيجابية وأخرى سلبية في تاريخ بليغ حمدي . فهي تدل إيجابياً على أنه كان يتمتع بين أبناء جيله من الملحنين، بغزارة لحنية يحسده عليها كبارهم وصغارهم، لكنه في الحقيقة لم يكن يلحن دائماً على المستوى نفسه من رفعة المستوى الفني الراقي . فكان كثيراً ما يتدفع بشيء من تهور الشباب وراء غزارته من جهة، ونفسه الشعبي المميز، من جهة ثانية، فيقدم أعمالاً كانت في فترتها الأخيرة أشبه ما تفتح الطريق أمام أبناء الجيل الجديد بأن يختاروا السهولة بدل الصعوبة في فترة تكوّن شخصياتهم الفنية وفترة إنتاجهم، مهملين أن الإقلال والتروي في الإنتاج كثيراً ما يكون دليل التأني والبحث عن مزيد من النضج ورفعة المستوى الفني .
لكننا إذا خرجنا من إطار هذه الظاهرة، يمكننا القول إن بليغ حمدي سيسجل اسمه في تاريخ الموسيقى العربية في القرن العشرين، أنه آخر الأسماء اللامعة في النصف الثاني من القرن العشرين، زامل أبناء جيله ونافسهم بغزارته، إذ قال لي الموسيقار محمد الموجي عندما سألته عن ظاهرة الغزارة اللحنية لدى بليغ حمدي "الراجل ده دماغه مليانة مزيكة، بس مستعجل قوي" .