شرع صلاح الدين فوراً في بناء قلعة حصينة على جبل المقطّم، وهي القلعة التي عرفت باسم قلعة الجبل . وتتضح عبقرية صلاح الدين في اختيار المكان الاستراتيجي الممتاز لتلك القلعة، فهي تقع على أبرز صخور جبل المقطّم عند القاهرة بحيث تهيمن على القاهرة هيمنة كاملة وتشرف عليها إشرافاً تاماً، مما يمكنها من صد أي عدوان داخلي أو خارجي يقع عليها . وقد وضع صلاح الدين تصميم القلعة بحيث تكون البئر الخاصة بها داخل أسوارها، ليضمن لمن بداخل القلعة مورداً ثابتاً من المياه في حالة تعرضها لحصار طويل . ووصف ابن عبد الظاهر هذه البئر بأنها: من عجائب الأبنية تدور بالبقر من أعلاها فتنقل الماء من نقالة في وسطها، وتدور أبقار في وسطها تنقل الماء من أسفلها، ولها طريق إلى الماء ينزل البقر إلى معينها في مجاز، وجميع ذلك حجر منحوت ليس فيه بناء، وقيل: إن أرضها كانت تسمى أرض بركة الفيل وماؤها عذب . ثم أحاط صلاح الدين قلعته بخندق عميق، وقد شاهد الرحالة ابن جبير القلعة والخندق عندما زار مصر سنة ،1183 ووصف القلعة بأنها حصن حصين المنعة ووصف الخندق بأنه ينقر بالمعاول نقراً في الصخر، عجباً من العجائب الباقية الآثار وقال: إن المسخرين في تلك الأعمال إنما هم من أسارى الروم، وربما قصد بالروم الصليبيين .

سور القاهرة

ولم يكتفِ صلاح الدين بذلك، وإنما شرع في بناء سور ضخم حول القاهرة ، واستعمل في بنائه الحجر الجيري المأخوذ من الأهرام، وقيل: إن بهاء الدين قراقوش الذي وكّل إليه الأشراف على بناء القلعة والسور هدم بعض الأهرام الصغيرة في منطقة الجيزة لاستغلال أحجارها في تنفيذ مشاريعه، ولكن يغلب الظن أنه جمع الأحجار المتساقطة في منطقة الأهرام واستغلها في بناء السور . وقد استمر بهاء الدين قراقوش في تلك الأعمال التحصينية حتى أتمها بعد سنوات طويلة، وكان آخر ما قام به بناء حائط كبير خارج القاهرة على طريق الإسكندرية الصحراوي، بقصد حماية العاصمة من أي هجوم صليبي يأتي عن طريق الإسكندرية . على أن بهاء الدين قراقوش راعى في تصميم هذا الحائط أن يضم نحواً من أربعين قنطرة، مما أتاح فرصة لاستغلال الماء المحجوز أمام الحائط في ري أراضي الجيزة . وقال الرحالة ابن جبير: إن صلاح الدين بنى الحائط والقناطر إعداداً لحادثة تطرأ من عدو يدهم جهة ثغر (الإسكندرية) عند فيض النيل وانغمار الأرض به، وامتناع سلوك العساكر بسببه، فأعد ذلك مسلكاً في كل وقت إن احتيج إلى ذلك .

فشل المشروع الصليبي للهجوم على مصر، فآثر صلاح الدين أن يتجه هو إلى الشام ليهاجم مملكة بيت المقدس في الوقت الذي كان جيش تلك المملكة موجوداً في شمال الشام، ليشارك فيليب الإلزاسي في هجماته الفاشلة على حماه وحارم .

وكانت حركة صلاح الدين خاطفة سريعة، ليكسب الوقت قبل عودة الجيوش الصليبية من الشمال، فغادر العريش لينقضَّ في أواخر نوفمبر سنة 1177 على المراكز الصليبية على شاطئ فلسطين الجنوبي مثل الداروم وغزة . ولما وجد أن الداوية في غزة استعدوا لهجومه وحصّنوا قلعتهم، اتجه بسرعة نحو عسقلان . ولم يلبث أن تحرّج موقف مملكة بيت المقدس الصليبية بشكل واضح، إذ لم يكن فيها عندئذٍ إلا خمسمائة فارس . وفي الوقت الذي شغل المسلمون بالغنائم وانبسطوا وساحوا في الأرض آمنين مطمئنين، استطاع بلدوين الرابع أن يشق طريقه إلى خارج عسقلان بعد أن تأكد من ابتعاد صلاح الدين .

موقعة تل الصافية

اجتمعت حول ملك بيت المقدس فلول الصليبيين وحاميات المدن الصليبية القريبة، وباغتوا قوات صلاح الدين . ولم تلبث أن حلّت الهزيمة بالمسلمين عند تل الصافية، واستطاع صلاح الدين نفسه النجاة بصعوبة وعاد إلى مصر في حالة سيئة، فوصل القاهرة في 8 ديسمبر سنة 1177 وحلف ألا تضرب له نوبة حتى يكسر الفرنج .

ولا شك في أن انتصار الصليبيين في موقعة تل الصافية دعم مركزهم وأعاد الثقة إلى نفوسهم . ومن ذلك ما يرويه ابن الأثير من هجوم الصليبيين على إقليم حماه ثم على منطقة شيزر في صيف سنة ،1178 حيث نهبوا وخربوا القرى وأحرقوا وأسروا وقتلوا .

أما في الجنوب، فقد شرع بلدوين الرابع في تحصين مملكته ضد أي هجوم منتظر عن طريق دمشق، فشيّد قلعة جديدة قرب بانياس عند بيت يعقوب، وهي القلعة التي صار اسمها جسر بنات يعقوب، والتي تقع على الطريق بين طبريا وصفد من ناحية، ودمشق من ناحية أخرى . وقد بدأ في تشييد ذلك الحصن في أكتوبر/تشرين الأول سنة ،1178 ووصف أبو شامة عرض حائطه بأنه زاد على عشر أذرع وقطعت له عظام الحجارة كل قص منها من سبعة أذرع إلى ما فوقها وما دونها، وعدّتها تزيد على عشرين ألف حجر . وقد تخوف أمراء صلاح الدين من بناء ذلك الحصن وذكروا له أنه متى أحكم ذلك الحصن تحكم من الثغر الإسلامي الوهن .