عرفت قريش في تاريخها العريق، قبل الإسلام وبعده، أنها كانت موئل الشرف ثراء مادياً وثقافياً وروحياً، وشجاعة وفروسية ونزالاً وقتالاً ومروءة وشهامة . وسبب ذلك كما يقول الباحثون، أنها كانت وسطاً بين الحضارة والبداوة، وأنها كانت تنزل في جوار الكعبة وفي أرباض مكة وبطاحها، عاصمة الحجاز الشريف ومهبط الوحي وبيت الحجيج . وهذا ما أتاح لأهل قريش النزول إلى أسواقها للتزود بالأدب والشعر والحكمة وبذل النفس والمال، حفاظاً على شرفها وقداستها وطهارة أهلها .

ويقول أحد الباحثين الغربيين: إن العرب عامة وقريش خاصة، كان من دأبهم حفظ السير ورواية الأحاديث، والتنقيب عن الأخبار والطوايا، لأن الاستطلاع من طبيعة سكان البوادي والصحارى . ولأن سلامتهم في حياتهم ومعاشهم، إنما كانت تتوقف على خبر يعلمونه في أوانه، وقبل نزول النازلة بهم، جراء طارئ فاتتهم الحيطة له، وقد حافظ أبناء القبائل العربية على ولعهم بالمأثور من السير والأخبار، حفظاً للأمن والسلامة، وصيانة النفس والمجتمع من الأخطار . ولهذا، كانت غيرتهم شديدة على تراث الآباء والأجداد، تفاخراً بالنسب العريق، وتصويباً للعلاقات بين أهل المجتمعات وتميزاً عنهم في كرامة العلم وكرامة العيش .

ولعل بروز قريش في الشؤون المادية والروحية والاستراتيجية، قبيل الإسلام وبعده، إنما ينمّ عن ذلك الولع الأصيل في الطبيعة العربية باستقصاء العلوم والأفكار والأخبار والسير، حتى باتت مكة المكرمة ومعها البيت العتيق، موئل الثقافة العربية والإسلامية، بل مثابة الجزيرة العربية كلها، تسهر على شؤون الناس وتحتضن همومهم وعلمهم وأفكارهم وتصون أرضهم وأعراضهم .

البطون العشر

ومن الشأن العلمي والروحي، إلى الشأن السياسي والإداري، عرف العرب عامة وقريش خاصة أنموذج أول إدارة وطنية في مكة المكرمة، وذلك حين أسسوا دار الندوة بجوار البيت العتيق، يراجعون فيها شؤونهم وشجونهم في الحياة العامة والخاصة . وهذا ما أكسبهم خبرة عظيمة في أمور السياسة والنظم الحكومية، حيث لا يستخف بها من ينفذ إلى بواطنها . وهي إذ لا تبلغ أن تكون فلسفة مشروحة ومذاهب مفصلة على مثال النظم العصرية، غير أنها لا تنزل إلى الفوضى ولا إلى الغريزة الهمجية، التي كانت تهيمن على عقول أهل المجتمعات القديمة التي كانت بجوارهم في تلك العصور .

وكان يوشك مجلسهم في دار الندوة، أن يجتمع فيه الفقير إلى جانب الغني، وأن يحفل برؤساء كل بطن في القبيلة، وأن يكون الأمر شورى بينهم . وكان من زكانة الحكم عندهم، أنهم فهموا مناط الرئاسة القرشية التي يدين بها حجاج البيت الحرام وقصاد مكة من الحضر والبادية، وهي تتصل بشؤون الناس المادية والروحية والثقافية .

وقد استطاع القرشيون أن يختاروا لأنفسهم ومجتمعهم نظاماً يوفق بين حياتهم المادية والروحية، ويواكب أيضاً تحولاتهم التاريخية في الأطوار الاجتماعية وقد وفقوا في اهتدائهم إلى تقسيم المراسم على بطونهم وزعمائهم ورجالهم، حسب أقدارهم ومزاياهم، فكان أن انتهت إدارتهم إلى عشر بطون هم: هاشم وأمية ونوفل وعبد الدار وأسد وتيم ومخزوم وعدي وجمح وسهم . فكانت لهاشم سقاية الحجيج، وكانت لأمية راية الحرب، وكانت لنوفل الرفادة (وهي إعانة الحجاج المنقطعين بالمال) وكانت لعبد الدار السدانة والحجابة واللواء، وكانت لبني أسد المشورة وكانت لبني تميم الديات والمغارم، وكانت لبني مخزوم القبة (وهي مجتمع الجيش والأعنة وقيادة الفرسان) .

أعرق بيوت مخزوم

والواقع أن هذه الوظائف الموزعة على بطون قريش، لم يكن لها شأن واحد في جميع الأحوال، ولم تكن أيضاً خليقة بأن تتعاقب مع الزمن، غير ثلاث متفرقات، وهي السلطة الروحية لهاشم وعبدالدار، والسلطة السياسية لأمية، والسلطة العسكرية لمخزوم . وفي هذا البطن الأخير لبني مخزوم، نشأ خالد بن الوليد أحد ابطال الفتوح، فكانت نشأته في أعرق بيوتها وأعلاها وأشرفها وأغناها . إذ لم يكن من ابوته أو عمومته، إلاّ الرئيس ابن الرئيس، على حدّ ما يقول الباحثون والمؤرخون وكتاب السير العربية والإسلامية، فكانت مكانته بين القادة والأبطال والفرسان، لا تعلوها مكانة أحد من الأبطال . وكان جدّه المغيرة بن عبدالله من الأبطال الفرسان المعدودين، حيث كان الرجل من بني مخزوم، يؤثر أن ينسب إليه، فيسمى المغيري تشرفاً بنسبه .

وأما والده الوليد بن المغيرة، فكان يلقب بالعدل، لأنه كان يكسو الكعبة وحده سنة كاملة، ثم تعقبه قريش كلها فتكسوها العام القابل . ومن أعمامه أيضاً الفاكه بن المغيرة، وكان من أكرم العرب وأجودهم في زمانه . وقد اتخذ بيتاً للضيافة، أمه الغرباء قبل الأقرباء، فعد بين العرب مكرم الضيفان .

كذلك كان عمه هشام قائد مخزوم في حرب الفجار، وعندما وافته منيته أرخت قريش بوفاته كما تؤرخ بالأحداث العظام، ولم تقم سوقاً بمكة ثلاثاً لحزنها الشديد عليه . أما عمه أبو حذيفة فكان أحد الأربعة الذين أخذوا بأطراف الرداء الذي حملوا فيه الحجر الأسود إلى موضعه من الكعبة المشرفة كما أشار عليهم النبي صلى الله عليه وسلم قبل الدعوة، وكان عمه الآخر أبو أمية بن المغيرة الملقب بزاد الركب يكفي أصحابه في السفر مؤونتهم . فهؤلاء جميعاً كانوا أهل القبة، لأنهم كانوا في ثروتهم وعدتهم وبأسهم قبة العرب والمسلمين .