القاهرة: «الخليج»
«رأيت الدموع في عيني أبي وهو يذكر قريتنا في الجنوب، ورأيتها في عيني أمي، وهي تحكي لنا الحكايات، حكت لنا أمي عن أرض تمتلكها في القرية أرض كبيرة، فدادين، لكنها كانت تقول إننا اقتلعنا، وإن الزمن الذي يمر سيجعل أرضنا وإرثنا وأهلنا أنفسهم ينسوننا».
لم تكن تلك البداية التي أرّخ لها «بهاء طاهر» لسيرته الذاتية، التي جاءت تحت عنوان «السيرة في المنفى» وصدرت عن دار بردية للنشر والتوزيع، ودار مصر العربية للنشر، ويبدو فيها بهاء طاهر وكأنه شخص منقطع الجذور، يحاول دائماً العودة إلى تلك الجذور، مستذكراً الدرس الأول الذي علمته له أمه: «أجل يا ولدي الأرض تنسى صاحبها إذا هجرها».
لكنه حاول العودة إلى مسقط رأسه في مدينة الأقصر، بعد عودته من جنيف، منتصف التسعينيات، ليستقر مع زوجته الأجنبية في شقة بالزمالك، كانت علاقته بالأقصر علاقة مهرجانات، واستطاع ـ بعد مفاوضات مع أقاربه ـ أن يحصل على قطعة أرض، تبرع بها لإقامة قصر ثقافة يحمل اسمه في الأقصر.
يعــود بهـــاء طاهـــر إلى منـــتصف السبعينيات من القرن الماضي عندما كانت هناك حملة لتطهير الثقافة من الشيوعيين، ومن ضمن تلك الأدوات الثقافية كانت «الإذاعة»، حيث كان بهاء طاهر يعمل في «البرنامج الثاني»، وتم طرده من العمل، يقول: «لم أكن أعرف أني شيوعي إلا عن طريق هذا القرار»، و«كان يمكن أن يصبح الأمر مجرد قرار عليّ تقبله لو أني شيوعي بالفعل لكني بعدها سألت نفسي: هل أنا شيوعي؟ ثم قلت لنفسي: لعلهم يعرفونني أكثر مما أعرف نفسي».
من هنا بدأت رحلة المنفى، التي استغرقت ربع قرن، استقر به الحال في جنيف مترجماً للعربية في الأمم المتحدة، وطوال هذه الفترة لم يستطع أن يكتب قصة عن عصفور القفص، الكتابة تستخرج بواطن الروح وهنا يقول: «أنتظر أموراً أخرى لا أعرفها لكني أفعل، رجل يجلس وراء مكتب، أو على أريكة، يقلب بين قنوات التلفزيون، يتصفح كتباً قديمة، يبتسم هذه الابتسامة الراضية، نعم ابتسامة راضية، الزمن يمنحنا تلك الابتسامة الراضية كلما مضى، ومضت تتزاحم ذكرياتنا».
يتحدث بهاء طاهر عن رواياته وقصصه قائلاً: «كل شخوص رواياتي وقصصي يعيشون معي، لم يمت منهم أحد بعد، نفنى وتبقى آثار شخوص حكاياتنا كعلامات أصيلة على أن كائناً ما عاش ها هنا منذ زمن، بعضهم يأتي ليحتسي الشاي، جالساً أمامي وجهاً لوجه، داخل الشرفة، نتطلع إلى الشوارع المزدحمة بالحكايات، الناس تسير كأنها تحمل فوق أكتافها هذه الحكايات، يبحثون عن الذكريات المفقودة».
يسأل بها طاهر نفسه: «هل تركت الغربة بمحض إرادتي وعدت بهذا الكم من الحنين؟ أم أن الغربة لاتزال تسكنني وتستوطن أفكاري، بل ومصيري نفسه؟»، يعود بهاء طاهر بذاكرته نحو تداعيات الغربة البعيدة، نحو مباهجها وانكساراتها وعثراتها ليقر بأنه لايزال في غربة، وهو في مصر، ومع ذلك لا يستطيع أن يتكشف آثار الغربة في نفسه أو في كتاباته، فتجربته في الغربة عامرة بالأسى، ولا يستطيع أن يوازن فيما بين الأسى والمعرفة التي اكتسبها في الغربة.
يقول: أعرف أنني انتزعت كانتزاع الزرع من الغيطان عندما غادرت مصر، غادرتها وارتحلت بين أكثر من دولة قضيت قرابة العشر سنوات ما بين باريس وروما ونيروبي وغيرها، كانت لديّ تجارب أغزر وأوضح، وتلاق بمجتمعات وناس جدد، وحياة متباينة، متقلبة كثيراً، لكن يبدو أن الثمن كان باهظاً، فقد كنت طائراً يسافر عن غير صلة بين السماوات، ولم يجد له وطناً كموطنه الذي غادره.
رغم ذلك أتاحت له تجربة السفر من مصر خبرة جاوزت فكرة الرحيل نفسها، حيث لم تقتصر التجربة على كونها تجربة عمل ليس أكثر، بل بلغ تأثيرها حد أنها اختلطت مع كتابته، فتداخلت البيئات، فمن الصعيد بتفاصيله الملهمة وحكايات أمه عنه، ثم القاهرة بتأثيراتها الطبقية والفكرية على المجتمع، إلى الرؤية الشاملة، التي تخص الإنسان في عمومه.
عاش بهاء طاهر طبيعة الصراع بين الشرق والغرب من أكثر من زاوية، لعل أهمها زاوية الإنسان في حد ذاته، الإنسان متجرداً، في الغربة أدرك أن مأساة الإنسان الشرقي لا تختلف كثيراً عن مأساة الإنسان الغربي، كلاهما له طابع الإنسان الحزين، في الغربة شهد العنصرية سافرة بغير أقنعة زائفة، لعل هذه أكثر ملامح التشابه بين الغرب والشرق، عنصرية وتعصب بلا حدود، إنها طبيعة الإنسان.
عندما غادر بهاء طاهر مصر ترك خلفه أشياء كثيرة: صدق وجموح وبراءة، ووجوه كأنها منقوشة على حجارة معبد، اقتلع من جذوره، لكن هناك أشياء لا يستطيع تركها، منها الذكريات والحكايات، من تلك الحكايات ما كانت تتحدث به أمه عن قرية الكرنك بالأقصر، والأب المتخرج في دار العلوم في عشرينيات القرن الماضي، وكان ينتقل من مكان لآخر، كمدرس للغة العربية، وكان كثيراً ما راوده الحلم في العودة إلى وطنه الأصلي، ولما مات انقطع حلمه، مات وكان الابن بهاء في السنوات الأولى من الدراسة الجامعية.
قبل أن يرحل من مصر كان قد أصدر مجموعته القصصية «الخطوبة» عام 1972، وقد استقبلت بحفاوة نقدية بالغة، وكانت أول قصة ينشرها بعنوان «المظاهرة» عام 1964 كتب عنها يوسف إدريس مقدمة قصيرة في مجلة «الكاتب»، ولايزال بهاء طاهر يحتفظ بهذا العدد فهو يعتبره بمثابة ميلاده الأدبي الحقيقي.
كتب يوسف إدريس وقتها: «هذه قصة جديدة لكاتب جديد، وإذا كان الناس قد عرفوا بهاء طاهر مخرجاً دقيقاً ممتازاً في البرنامج الثاني بالإذاعة ومسرحياته، فبهاء طاهر هنا إنسان مختلف، استطاع أن يدلف إلى قصر القصة المسحور، وأن يعثر في سراديبه المظلمة على الخيط الأساسي لصناعة القصة، وهي مسألة مهمة وخطيرة، فالإنسان لا يعثر على نفسه أو على الخيط الأساسي لقصته هكذا بسهولة، ومن أول ضربة أو قصة، إن ما أعجبني في هذا العمل إنه بهاء طاهري، إلى درجة كبيرة، وإذا استطاع الإنسان أن يكون نفسه الحقيقية، تماماً في أي عمل، يزاوله، فإنه بهذه الاستطاعة يكون قد وصل إلى مرتبة الفن، وأصبح كل ما يمسه ويكتبه كالأسطورة الإغريقية المشهورة، ذهباً فنياً، وإني أقدم هذه القصة لقراء «الكاتب» فإنما أقدمها أولاً لكتّاب القصة».
بدأ بهاء طاهر سيرته بتلك الجملة: «عصفور يقف على شرفتي» ثم يستعرض بعض التفاصيل الخاصة به حين يستيقظ من نومه، ليقرأ، فالقراءة انقطاع عن العالم، لنعيش في عالم موازٍ، نستمد أعمارنا وخيالاتنا، وننقح الذاكرة عبر القراءة، لكن الحياة تسير على وتيرة رتيبة.
ويختتم تلك السيرة بالحديث عن يده التي تهتز وهو يعد لنفسه كوباً من الشاي، وعن أمه التي دفنت في مسقط رأسها كما أرادت، وتنتهي سطور الرحلة بخطاب موجه إلى الأم: «أمي سأستيقظ مبكراً، سأصلي، سأفتح التلفاز، سأقلب في قنواته، سأتمشى ببطء، إلى المطبخ، سأجهز لنفسي كوباً من الشاي، وسأعود لأجلس على الأريكة، إما سأقلب في التلفاز وإما سأقرأ في جريدة أو كتاب.
أمي.. العصفور لم يزل واقفاً على الشرفة».