المرابحة نوع من البيوع، تعامل به المسلمون من قديم، وتكفلت كتب الفقه ببيان صوره وشروطه، وهي في اللغة مصدر من الربح .
وفي الاصطلاح عرفها الفقهاء بالعديد من التعريفات، كلها تدور حول معنى واحد هو البيع بمثل الثمن الأول وزيادة متفق عليها بين البائع والمشتري . أي أن المشتري بدلاً من أن يساوم على الثمن حتى يصل إلى السعر الذي يرضاه، يساوم فقط على ربح البائع فوق الثمن أو فوق ما قامت عليه به السلعة . وهو يأتمن البائع في تحديد مقدار ما قامت عليه به السلعة، وحواره ومساومته تقتصر على مقدار الربح، هل هو 5% أم 6% أم 4% مثلاً .
والقول المعتمد في الفقه الإسلامي أن المرابحة مشروعة، وعليها من الكتاب الكريم والإجماع والمعقول أدلة منها:
1 قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) ووجه الدلالة أن المرابحة نوع من البيع، فهي داخلة في عموم الآية الكريمة .
2 قوله تعالى: (فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) ووجه الدلالة أن المرابحة ابتغاء للفضل من البيع، فكانت مشروعة .
3 الإجماع . حيث إن الناس توارثوا هذه البيوع في سائر العصور من غير نكير، وذلك إجماع على جوازها .
4 أما المعقول: فإن بيع المرابحة بيع اجتمعت فيه شرائط الجواز، من حيث الثمن وغيره، فالثمن في بيع المرابحة معلوم، كما أنه في بيع المساومة معلوم، إذ لا فرق بين قوله: بعتك هذا الشيء بمائة وعشرة، وبين قوله: بعتك بمائة وربح قدره 10%، فكلا الثمنين مائة وعشرة، وإن اختلفت العبارتان، كما أنه لا فرق بين قوله: بعتك هذا الشيء بتسعين، وبين قوله: بعتك إياه بمائة إلا عشرة فكلا الثمنين تسعون، وإن اختلفت العبارتان، فكان مشروعاً .
شروط وصور
المرابحة نوع من البيع، ولذا فإن أركانها وشروطها هي أركان البيع وشروطه، وتتميز المرابحة ببعض الشروط الخاصة بها يمكننا إجمالها في:
1 لابد في المرابحة من معرفة الثمن الأول الذي اشتريت به السلعة، ومعرفة الربح في المجلس .
2 ألا يكون الثمن في العقد الأول مقابلاً بجنسه من أموال الربا، حيث إن الزيادة هنا ستكون ربا وليست ربحاً .
3 أن يكون العقد الأول صحيحاً، فإن كان فاسداً لم يجز بيع المرابحة .
وصور المرابحة مردها إلى العرف، فحيث يتعارف الناس على دلالة اللفظ المستخدم، فينبغي أن يكون ذلك هو المعتبر . وقد ذكر الإمام النووي أن لبيع المرابحة عبارات أكثرها دورانا على الألسنة ثلاث:
الأولى: أن يقول بعتك بما اشتريت وربح كذا . الثانية: أن يقول بعتك بما قام عليَّ وربح كذا .
الثالثة: أن يقول بعتك برأس المال وربح كذا .
فإذا قال البائع العبارة الأولى لم يدخل إلا الثمن الذي اشترى به دون ما تكبده من نفقات . أما العبارة الثانية فيدخل فيها الثمن وما تكبد من نفقات . والثالثة تحتمل أن تكون مثل الأولى، وتحتمل أن تكون مثل الثانية . ونعود فنكرر أن العرف هو الحكم الحقيقي على دلالة هذه الألفاظ، وقد يتغير هذا العرف من زمان إلى زمان ومن قطر إلى قطر .
المرابحة في البنوك الإسلامية
ذاعت شهرة بيع المرابحة، منذ أن قامت البنوك الإسلامية باستخدامه، والصورة المنتشرة لبيع المرابحة في المصارف الإسلامية هي صيغة المرابحة للآمر بالشراء، وتعني أن يتقدم العميل إلى المصرف طالباً منه شراء السلعة المطلوبة، بالوصف الذي يحدده العميل، وعلى أساس الوعد منه بشراء تلك السلعة فعلاً مرابحة بالنسبة التي يتفقان عليها، ويدفع الثمن مقسطاً حسب إمكاناته .
وبتعبير آخر أن يتقدم راغب في شراء سلعة لا يملك ثمنها نقداً والبائع لا يبيعها له إلى أجل، لعدم مزاولته للبيوع المؤجلة، أو لعدم معرفته بالمشتري، فيشتريها المصرف بثمن نقدي، ويبيعها إلى عميله بثمن مؤجل أعلى .
ويلاحظ هنا أن بيع المرابحة للآمر بالشراء والذي تجريه البنوك الإسلامية يختلف في أطرافه عن بيع المرابحة العادي الذي تحدثنا عنه، فبيع المرابحة العادي ثنائي الأطراف، أي له طرفان فقط هما البائع والمشتري . أما بيع المرابحة للآمر بالشراء ففيه ثلاثة أطراف . الأول هو الآمر بالشراء والثاني المصرف الإسلامي والذي يعد بتوفير السلعة وبيعها للآمر بالشراء عند امتلاكها والطرف الثالث هو بائع السلعة .
وعليه فإن بيع المرابحة يتكون من أكثر من تصرف، فهو يتكون من:
1 وعد بالشراء من العميل للمصرف، ووعد من المصرف للعميل، وتوقع المصارف مع عملائها على ما يسمى وعداً بالشراء .
2 يشتري المصرف السلعة من البائع، ويوقع على عقد بين المصرف والبائع .
3 عقد بيع بين الآمر بالشراء والمصرف بعد تملك المصرف للسلعة الموصوفة بناء على طلب العميل .
ويمثل بيع المرابحة النسبة الأكبر من تعاملات معظم المصارف الإسلامية، حيث إنه وسيلة سهلة مأمونة لتشغيل أموال المودعين، وتحقيق الأرباح التي توزع عليهم، بيد أن دوره في تحقيق رسالة البنوك الإسلامية محدود إلى أبعد الحدود، وعلى البنوك الإسلامية ألا تعطي بيع المرابحة هذا القدر من الاهتمام، وعليها أن تتوجه نحو المضاربات والمشاركات التي تسهم في تنمية المجتمعات وتحقيق نهضتها، فهذا هو ما قامت البنوك الإسلامية من أجل تحقيقه . والله ولي التوفيق .
* مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر