فرانسيس بيكابيا، فنان فرنسي ولد سنة 1879 بباريس، وتوفي في العاصمة الفرنسية سنة ،1953 اعتبر واحداً من أركان التيار الدادي إلى جانب مارسيل دو شامب، وقد عمّم هذا الاتجاه في أمريكا . لكنه سرعان ما ذهب إلى السوريالية ما بين عامي1920 و1930 كان عيناً تغترف ما تراه، ثم تتمثله قبل أن تختزنه في قعر ذلك البئر العميق الذي هو ذاته المنطوية على مرئيات الخارج . فالخارج بالنسبة لهذا المستمع الذكي لحكايات النساء العجائز، في أماسي الشتاء الباردة، هو عالم لا يستطيع الفرد أن يكتشفه وحيداً، ولا بالمصادفة، بل إن عملية الكشف تحتاج إلى حاجة قصدية، تضع تصميماً مسبقاً بالمدى الذي ترغب أن يصل الكشف اليه .

في العام 1949 كتب ريتشارد كالفوكورسي عن فرنسيس بيكابيا قائلاً: إن هذا الفنان قد تجاوز جماعة كوبرا (COBRA) في إدراكه لأسرار التحولات المقبلة التي سوف تستغرق العالم . وفي تلك الفترة بالذات قال الفنان الاسباني الشهير خوان ميرو إن الصورة قد اكتملت عند (بيكابيا) قبل أن أي فنان معاصر، وركّزت الناقدة (ماريان هينز) على الروح الغجرية الحارة والمتحركة عند بيكابيا .

كانت باريس في الفترة من أواسط العشرينات حتى نهاية الثلاثينات من القرن الماضي عالم التحدي والمخاطرة . والفنان الذي لا يقدم أشواكاً تنغرز في أعين النقاد والجمهور يكرّر نفسه، ويعيد رسم الرتابة . من هنا وضع بيكابيا آنذاك نصب عينيه الوصول إلى اللوحة المتحركة قبل أن يعرض الكمّ الهائل من لوحاته المثيرة للشهية .

ربما لأنه أواسط العشرينات انخرط في الوسط الإبداعي الآخر من ممثلين ومسرحيين ومغنين . فقد عمد إلى تأليف العديد من ملصقات الإعلان عن انشطتهم . وهذا الأمر سحبه إلى أن يمارس التحوّل المتحرك على مسطح لوحاته التي كانت تقتصر على الموديل البشري .

وهذه الأعمال سبق وأعلن (بابلو بيكاسو) إعجابه بما تطفح به من مشاعر وأحاسيس، يستطيع المرء أن يمارسها مع ذاته فحسب .

لكن ثمة اختبار خطير دائماً يطرأ على مسيرة الفنان، ففي معرض جماعي أقيم سنة 1920 في إحدى صالات باريس لكل من رمبرانت، رينوار، وسيزان . ركب بيكابيا ملصقاً أثار انتباه النقاد والجمهور، وقيل إنه طغى على المعرض . ذلك أنه كون كتلة دلغانية لرجل بدائي عاري، معلناً بذلك أن هذا العري الطبيعي لأبناء الطبيعة من البشر البدائيين هو الأجمل، أما عندما كلف برسم ملصق القديسة العذراء، فسوف نرى أمامنا رشّة من الحبر الصيني، وهي حالة تبقيع عفوي، كأنها اختبار جشتالتي لمحبي العذراء . ومع بروز الأنظمة الديكتاتورية في كل من إسبانيا وألمانيا وإيطاليا، بدأت اللوحة الساخرة عند فرنسيس بيكابيا تصنع وجوه الحكام . فصارت لوحته محرّمة رسمياً .

بيكابيا لم يبتعد عن الفكر التكعيبي التحليلي . والذي وجد إمكانية هائلة لتطبيقاته على المنظر الخارجي بقدر ما ينطبق على صورة الوجه الذي وصل عند بيكاسو إلى تحوير مدهش يمزج ما بين القناع الافريقي والمنظور الزماني المحبط، الذي يتجاوز قوانين المكان الفيزيائية القاسية .

إن المدينة والبشر والعلاقات تحوّلت عند بيكابيا إلى تشابك هائل وتداخل إيجابي فعال، حول المسطح التصويري إلى شبكة مرئيات لا تهدأ . بل تتحرك وتوزع بالتالي نظر المتلقي على كافة أركان المساحة التصويرية .

لقد شهد العام 1913 وخلال اقامة بيكابيا في نيويورك في أمريكا، أعمق تفسير لمسألة المساحة والحركة في المدينة المملوءة بالبشر وبالمهاجرين . لذلك رسم خطوطه (الفيرتكالية) لتخلق توازناً شيقاً بين العمودي والأفقي، في ما يغيب البشر الذي فضل أن يبقيهم مسحوقين تحت وطأة الحركة والعلاقة وضخامة المدينة .

لم يرسم الناس الراقصين بألوان مفرحة، بل رسم الفوضى في الفرح الكاذب عند هؤلاء المتعبين، ومع اشتعال أوروبا بالحرب العالمية الأولى اضطرّ للعودة ثانية إلى عالم المحترف المغلق . وبدأ يرسم النماذج الجامدة، وكأن لوحته التكعيبية رسمت من أجل الإعلان عن كونها صورة فحسب، ثم يهرب ما بين 1916-1917 نحو (ليوناردو دافينشي) الرسام والمخترع، ليرسم آلات تدار بالطاقة الشمسية ومصابيح تختزن نور الشمس وتطلقه ليلاً، لكنه سوف يرسم أيضاً معادلات رقمية مهداة إلى الشاعر، تريستيان تزارا، مؤسس الحركة الدادائية .

منذ العام 1923 بدأ فرانسيس بيكابيا يعود إلى اللغة التعبيرية المباشرة في الرسم، وحين رسم مروّض الحيوانات قال النقاد إن بيكابيا بدأ الآن يضع رأسه فوق كتفيه لكي ينطلق بمرحلة خلاقة جديدة .

إن هذه المرحلة التي تنبأ بها النقاد كانت مرحلة رمزية، ركزت على عالم مسحور بالأقنعة والأوشام والإشارات، وربما هذه المرحلة هي التي أوصلته إلى حافة السوريالية، أن إحدى لوحاته التي درست بعناية هي لوحة (سان سيباستيان) وهو قديس من الباسك أعدم رمياً بالسهام . وفي اللوحة وضع مداخلات شتى حتى كاد يغيب النص التصويري لكنه لم يوجد أي قدسية لعملية الاستشهاد . كما رسم عالم (سادوم) ممتلئة بالاشارات والاوشام، ما بين 1937 و1938 تحوّلت الوجوه إلى خطوط والصور مرسومة ببعدين، وهي ذات بناء تكعيبي خارجي . لكن بلاغتها الإنشائية تصل إلى حدود الفصاحة السوريالية .

وتبلورت ابتداءً من العام 1945 حتى وفاته سنة 1953 لوحته المبنية على الخط، اللون، الفراغ، والرمز . وهي لوحة تحول فيها الإنسان بجسده إلى مجموعة من الأزياح ذات الفاعلية التأليفية . بيد أن المساحات اللونية التي تفصح عن ذاتها وعن وجودها الحي، هي التي تؤكد أهمية المساحة، ليس بوصفها قوة فاصلة بين فراغين بل بوصفها الامتلاء المكاني الذي يجبر الزمان على أن يتلبسها ويسكنها .

وعندما زار مدينة (بفالو) الامريكية واندهش بشلالات (نياغارا) سنة ،1947 وجد مقاربة بين قوة سقوط المياه . والحفر على الوجه البشري من خلال ما يتركُه الزمان على هذا الوجه .

إن لوحة البلاعنوان التي اشتغل عليها بيكابيا قبل وفاته بسنوات هي استحضار مكثف لكل مراحل حياته . لذلك اعتبرها (خوان ميرو) مدخلاً لكل الحركة الاختصارية التي انتشرت بعده .

فرانس بيكابيا كان مختبراً بشخصية فنان، وكان مفكراً صامتاً لكنه يعتبر نفسه أكثر الناس ثرثرة مع ذاته . وربما فجر هذا الضجيج الداخلي عنده كل هذه التحولات .