يرى هادي العلوي ان السلفي والمستشرق ينتميان الى معسكر واحد، وان العلماني الليبرالي لايختلف عن السلفي في تفاهمه مع الاستشراق الا من حيث اللغة، حيث ينتمي الليبرالي والسلفي الى تركيب سوسيولوجي واحد هو الايديولوجية المتصالحة مع الايديولوجيا الامبريالية، ويرى ان حسين مروة كان صاحب اول واطول صراع مع الاستشراق وان لم يصل الى حد القطيعة التي انجزها الليبرالي ادوارد سعيد في كتابه الاستشراق ويتحسر ان هذه القطيعة كان على الماركسيين العرب انجازها دون الليبراليين المنتمين عضويا الى الغرب.
ثم يعود ليقول ان ادوارد سعيد اخفق في الوصول الى هدفه الكبير ويرجع ذلك الى رسوخ التقاليد الاستشراقية في الوعي الثقافي العربي وهو لايزال وعيا يدفع باتجاه الغربة ويتميز بنزوع كوزموبوليتي (كوني) نحو الغرب وللاستشراق هيبته في صدور المثقفين العرب يصعب انتزاعها بكتاب مهما بلغت مصداقيته، وان الكتاب كان ذا دائرة ضيقة بسبب اقتصاره على دراسة الاستشراق من خلال غرارات-حسب تعبيره- المستشرقين كمتخصص في تاريخ الشرق وعدم تحرره من منهجية علم التاريخ الغربي القائم على العرقية الاورومركزية، في حين ان ماركس وانجلز هما فيلسوفان خارجيان بالتمام بمعنى انهما مثلا الغرار الذي يمكن لمؤرخ اممي ان يتناول به تاريخ الحضارات والشعوب بمنهج علمي نزيه ( الفكر العربي الاسلامي وضرورة التجديد المنهجي).
إذن فالاسلامي (السلفي حسب تسمية العلوي) والليبرالي حتى العلماني يتفقان مع الاستشراق في خدمة الايديولوجية الامبريالية، والاختلاف في مجرد اللغة فقط.. هذا حكم يطلقه العلوي هكذا مرسلا دون اية ايضاحات او امثلة، والسؤال الذي يمكن طرحه ما القواسم المشتركة بين الفكر الاسلامي والليبرالي من حيث التكوين البنيوي او من حيث الدور او الوظيفة الاجتماعية والسياسية؟!
الم يطلع هادي العلوي على الفكر الاسلامي المنجز في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين بكل طيفه الواسع من اكثر المساهمات تقليدية الى اكثرها مجاراة للغة العصر بعد هضم المعارف الحديثة؟ نريد مثالا واحدا فقط عن الاتفاق المتوهم بين الاسلامي والليبرالي والاستشراقي في خدمة الامبريالية الغربية.
لقد كان الفكر الاسلامي ولا يزال خط الدفاع الاول امام غزو الغرب الفكري والثقافي، وقد كان ولا يزال الضامن الوحيد للحفاظ على الهوية الاسلامية وحتى العربية، فمنذ ان وقف رجال الأزهر في وجه خيل نابليون الى يومنا هذا لم يترك الاسلاميون ثغرة واحدة يدلف منها الغرب بنزوعه الامبريالي، وقد كان للفكر الاسلامي مساهمات مهمة ومبدعة في وضع تصورات لعلم معرفة اسلامي (الابستمولوجيا) ولعلم تاريخ اسلامي ولعلم اقتصاد اسلامي ولتعليم ومناهج اسلامية بعيدة تماما عن الهيمنة العلمية الاوروبومركزية بعدها عن الهيمنة الايديولوجية الماركسية، وبالفعل فقد انجز ادوارد سعيد ما احب ان اسميه بفضيحة الاستشراق بكتابه المهم لا سيما انه بواقع تركيبه الثقافي واقامته في الغرب وامتلاكه للغات الاجنبية كان اقدر على الاطلاع على كل مفاصل وملامح اللعبة الاستشراقية، ولكن من قال ان ادوارد سعيد كان خاضعا لهيمنة العلم الاوروبومركزي وهو صاحب كتاب (الثقافة والامبريالية) الذي يصفع تماما هذا الادعاء؟ ومن قال ان المفكرين الاسلاميين من ابي الأعلى المودودي وابي الحسن الندوي ومحمد قطب وعماد الدين خليل وسعيد رمضان البوطي وآخر رجلين لا يزالان من الاحياء بارك الله في عمريهما لم ينجزوا قطيعة على مستوى عال من الجدارة والاصالة والجرأة مع العلم الغربي؟ اما اعتبار العلوي لماركس وانجلز مفكرين اصليين وحيدين صاحبي منهج علمي نزيه فلا يمثل نوعا من (الاصولية المغالية) المنحازة لرجلين من البشر للزمن ان يتجاوز فكرهما كما تجاوز افكار الآخرين؟ وهل المنهج العلمي النزيه الذي بشر بنهاية العالم على الطريقة الشيوعية مما يصلح أن يتفاخر به حتى الآن؟