القاهرة «الخليج»:

يتألق شارع المعز لدين الله الفاطمي في ليل القاهرة مثل لؤلؤة عتيقة، فاتحاً ذراعيه للزائرين من كل سحنة ولون، بعدما أعادت عمليات التطوير الأخيرة للشارع تألقه القديم، ليتحول من جديد إلى مقصد للسائحين، والباحثين عن نزهة سريعة في التاريخ.

يضم الشارع وحده على امتداده الرهيف، ما يزيد على مئة أثر إسلامي، تعكس ملامح حياة المصريين في مختلف العصور، وتعرض لكثير من أعمال السلب إبان ثورة يناير، قبل أن يستعيد جزءاً كبيراً من عافيته بعد تنفيذ عمليات تطوير شاملة لما يضمه من آثار عبر مشروع التطوير الحضاري للقاهرة التاريخية.

وتضمن المشروع تطوير وترميم المباني المحيطة بآثار الشارع، لمساعدة الأهالي على الحفاظ على الطابع التاريخي للمنطقة‏ وذلك على مرحلتين، شملت الأولى باب الفتوح والآثار المحيطة به، انتهاء إلى مجموعة قلاوون، فأعيد رصف الشارع في تلك المنطقة بالجرانيت والبازلت، وتغيير شبكة المرافق بالكامل، فيما تضمنت الثانية المسافة من مجموعة قلاوون وحتى باب زويلة مروراً بالغورية، ومن باب النصر حتى المشهد الحسيني.

شملت عملية تطوير شارع المعز إضاءته بطريقة فنية باستخدام أحدث التكنولوجيا، وطلبت الحكومة من أصحاب عدد كبير من المحال التجارية الموجودة بالشارع، تغيير نشاطهم، بما يتماشى مع الطبيعة الأثرية للمكان، وهو ما لعب دوراً في عودة هذه المحال إلى نشاطها القديم، في صناعة وبيع العديد من الحرف اليدوية التقليدية القديمة.

يرجع تاريخ إنشاء هذا الشارع العتيق إلى العصر الفاطمي، وأطلق عليه من قبل اسم شارع بين القصرين‏، الذي دارت فيه العديد من وقائع رواية نجيب محفوظ الشهيرة، وظل الشارع لقرون من الزمان شاهداً على العديد من الاحتفالات المصرية الكبرى، وفي مقدمتها الاحتفال بكسوة الكعبة المشرفة، إذ كان «المحمل» يعبر منه باتجاه باب النصر على حدود القاهرة، ومنه إلى الأراضي المقدسة.
ويعد شارع المعز بمثابة متحف مفتوح لمختلف فنون العمارة الإسلامية، إذ تتنوع ما بين المساجد والأسبلة والبوابات التاريخية التي كانت تنتشر بطول سور القاهرة القديم لحماية العاصمة، مثل أبواب الفتوح وزويلة والنصر، إضافة إلى عدد كبير من المساجد التاريخية على رأسها مساجد الحاكم بأمر الله، وسليمان أغا السلحدار، والجامع الأقمر.
ويضم شارع المعز عشرات من المباني والبيوت الأثرية القديمة، من بينها قصر الأمير بشتاك، ومدرسة ومسجد السلطان الكامل، وسبيل محمد علي الذي يتصدر حارة النحاسين.
وظل الشارع يحظى بمكانة متميزة لدى المصريين على مر العصور، فمنع المماليك سير الدواب فيه بما فيها الخيول، وأصدروا فيما بعد قانوناً يحتم على أصحاب المحال إنارتها بالقناديل طوال الليل، وأن يكون لدى كل صاحب محل «زير» مملوء بالماء، لمكافحة الحرائق، وخصصوا للشارع عمالاً لجمع القمامة وحراساً للأمن.