إن لكل من قصيدتي التفعيلة والنثر خصوصيتهما، حيث إن قصيدة التفعيلة تعتمد على الإيقاع الخارجي، على اعتبارها متطورة عن قصيدة العمود، وإن راحت تتخلى عن وحدة القافية، والروي، بل وتخرج عن وحدة البيت، من خلال كسره، والتوجه إلى تأسيس العمارة النصية، أو العمارة المتوزعة إلى مجرد مقاطع، تقلّ أو تزيد، إذ نجد قصيدة التفعيلة معتمدة على جملة أدوات منها: التفعيلة الواحدة، كبديل عن البحر الخليلي المتعارف عليه، أو حتى التنويع بين أكثر من بحر، وهو ما يجعلنا أمام إيقاع خارجي، بل إطار محدد للتفاعل مع المفردة الموائمة للإيقاع، ما يقلص حرية الناص للوهلة الأولى، وإن كانت التجربة الشعرية كفيلة بأن تعينه في تجاوز مثل هذه السطوة - تدريجياً - حيث لم يعد الالتزام بالتفعيلة عقبة كأداء، بالنسبة إلى أي صاحب موهبة شعرية .
قصيدة النثر بدورها من أصعب الأشكال الشعرية الإبداعية، وإن كنا نجد أن انتهاك عوالم هذه القصيدة يتم على نحو مستمر، من قبل خاملي الموهبة، أو حتى من قبل كثيرين من عديميها، وقد استطاع تعدد فضاء قصيدة النثر، وتراوحها بين: النص النثري - التقليدي - المشابه لهندسة قصيدة التفعيلة، والقصيدة الشفهية، وقصيدة الرؤيا، والنص المفتوح، والملحمي - وهي في الأغلب تكتب على نحو أفقي - مغاير، وإن كانت قصيدة الومضة، أو الفلاش أو اللوحة، أو الحالة، أو السونيتا لها بناؤها الخاص، على اعتبار أنها تشكل من مجموعة من المفردات، أن يشكل تعدد فضاء هذه القصيدة إثراء لها، وللشعرية على نحو عام .
من يتابع قصيدتي التفعيلة والنثر - الآن - يجد أن هناك قصيدة ظلت في حدود إنجازها التقليدي، وباتت تكرر الدورة التي عاناها رحمها الأول، من دون أن تستطيع تقديم أي جديد، وإن كانت بعض نصوصها تعد الارتباط إلى الحدث الجديد، تعبيراً عن حالة حداثية، من دون أي تطور يتم، سواء أكان ذلك على صعيد اللغة، أو الصورة، أو الإيقاع، وما أكثر قصائد التفعيلة التي ما إن نسمعها، حتى نستذكر البنى الإيقاعية لنصوص سابقة عليها، بل إن الكثير من أدواتها إنما هو مستنسخ من أدوات قصائد سابقة، حيث لا ابتكار فيها، ولا دهشة، ولا جماليات تجسر بينها ومتلقيها، وإن كان عزاء مثل هذه النصوص أن هناك من يطرب لها، من دون أن يدرك أن القصيدة ليست أداة إطراب، فحسب، ولا هي وسيلة لإحياء نصوص سابقة، أو إعادة كتابتها، وإن كانت طزاجة الحدث، هي الخيط الوحيد الذي يتم الاشتغال عليه، إلا أن الشعر، لم يكن طوال تاريخه، مجرد أداة لتوثيق اللحظة، لاسيما في هذه الفترة التي نجد فيها، وعلى مستوى كوني، أن وسائل الاتصال، قد وصلت ما بعد لحظتها الحداثية، من خلال أعظم ثورة في نطاقها، ومن هنا، فإن أي تعويل على الشعر ليكون بديلاً عن التاريخ، أو الأرشفة، إنما هو رهان خاسر، وإخراج للشعر عن سياقه الإبداعي .
وما دمنا تحدثنا، عن خطل رؤية بعض من يكتبون قصيدة التفعيلة، وهو ما يلاحظ على نحو أوضح لدى من يكتب قصيدة العمود، التي باتت منذ وقت طويل مرهقة بحدثيتها، خارج إطار أداء مهمتها الفنية - وهنا فإن الحديث عن التجارب السائدة وعن القاعدة لا عن الاستثناء - فإن الحال لا يتغير البتة، ونحن نتحدث عن قصيدة النثر، لأن مجرد الكتابة، ضمن إطار مصطلح قصيدة النثر لا يخول الناص تأشيرة التزكية، أو المرور، ليقدم على أنه ينتج نصاً جديداً، يحقق الشرط الإبداعي، لاسيما أننا نشهد كثرة النصوص النثرية المتهافتة التي تقدم على نحو يومي، وهي-في المحصلة ليست إلا مجرد مراكمة نثرية - لدرجة أنها قد تفتقد صفتي السرد والشعر، وهو ما ينم عن خسارة أصحاب مثل هذه النصوص، الذين يراهنون على عنصر الغموض - أحياناً - كأحد توصيفات القصيدة الجديدة، أو من خلال الرهان على هندسة النص التي لا تشفع له، ما لم يكن ناتجاً عن مهارة، وخبرة، ورؤيا، وما لم يحقق المعادلة الشعرية المطلوبة من قصيدة النثر، باعتبار هذه القصيدة أمام مسؤولية أكبر، وأمام تحد أكبر، لتوكيد شعريتها .
وإذا كانت قصيدة التفعيلة، قد استطاعت اكتشاف جماليات كثيرة، على صعيد بث الروح في اللغة، أو إعادة تركيب الصورة، أو تحقيق إنجازات لا حصر لها على صعيد العمارة النصية، وإيجاد علاقات جديدة بين المفردة والمفردة، وقبل كل ذلك، إنتاج إيقاعات جديدة، ما استفز شاعر قصيدة العمود، في حالات عديدة، ليستفيد من مثل هذه التقنيات، وكي تبث روح الجدة فيها، بل لتحمل مفاتيح الخروج من أسرها، بعد أن غدت مكبلة بعدد من القيود التي بدا - وإلى وقت طويل - أن لا إمكان لكسرها، وتجاوزها . فإن قصيدة النثر التي تعد توأم هذه القصيدة، انطلاقاً من قرب الموعد الزمني لولادة كليهما، بل إنه يمكن التأكيد أن التوجه إلى عالم قصيدة النثر، كان الإطار النظري لرواد قصيدة النثر، الذين تأثروا بالنماذج العالمية لثورة قصيدة النثر، ما يدعو للحديث - هنا - عن توأمة هاتين القصيدتين .
إن قصيدة التفعيلة - كوريث لقصيدة العمود - تعتمد على الإيقاع الخارجي، وهو يشكل هارموني هذه القصيدة، الذي تعتمد عليه، خلال تواشجها مع متلقيها، وهي تمارس فعل الصدمة معه، كما تفعله قصيدة العمود، وكما تفتقر إلى ذلك قصيدة النثر، الأمر الذي يجعل هذه القصيدة - أي النثر - مضطرة إلى امتلاك شعريتها الفارقة، حتى تستطيع تسجيل حضورها، مادامت مفتقرة للإيقاع الخارجي الذي تعودت عليه الأذن، بيد أنها استطاعت اكتشاف إيقاعها الخاص من خلال حفرها العميق على شعريتها، وهي تحقق كيمياء اللغة والصورة والبناء، في معادلة فريدة، جعلتها تستمر خلال عقود من عمرها، على أيدي أجيال متعاقبة، بل إنها لاتفتأ تنفتح على أمداء، وآفاق جديدة، حيث إن لديها قابلية ابتكار عدد لا متناه من الأشكال، كما أن كل قصيدة لا تشبه الأخرى، بل إن كل قصيدة - في حال تحقق شروط الإبداع في هذا العالم - تقدم شروطها الخاصة، ما يجعلها عصية على الاستنساخ، وإن كانت النماذج المستنسخة منها، لا تصمد تحت مجهر الشعرية، بل سرعان ما ينكشف زيفها، وتلفيقها الفني، ما يجعلنا نسقط نسبة جد عالية، من الركام اليومي المكتوب .
إن استفادة قصيدة التفعيلة، من أنموذج قصيدة النثر، على اعتبار أننا أمام شكلين شعريين، من خلال علاقتهما بحرية النص أو الناص، تتجلى على نحو دائم، من خلال الركائز التي تعتمد عليها قصيدة النثر، ما يقدمها على أنها متجددة، ولعلنا نجد الكثير من المفردات المهملة، الهامشية، البسيطة التي كانت قصيدة العمود، ومن ثم قصيدة التفعيلة، تأنفانها، تتسرب الآن، إلى هذه الأخيرة - بشكل خاص - ما يؤكد أنه ليس هناك من مفردة مسبقة الشعرية، مقابل أخرى تفتقدها، وهو ما أمضى بالشعرية الجديد لتنبت على أرض بوار، كان محظوراً عليها الوصول إليها .