نفحات من الرحمن الرحيم تغمرنا، ونسائم من الجنة تهب علينا تملأ الأرض بالسكينة، وأرواح تهيم محلقة في ملكوت الله تعالى، وقلوب تشتاق إلى باب الريان تدخل منه إلى الجنة، ونداء يوجهه رب العزة إلى المؤمنين للسمو عما يتثاقل بهم إلى الأرض أو يشدهم إليها، نداء يذكرهم بشهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار،

اتفق العلماء على ضرورة الجد في التماس الأهلة لأهميتها في الدين إذ يرتبط بها توقيت بعض العبادات، ويتأكد ذلك ليلة الثلاثين من الشهر القمري أي بعد غروب شمس اليوم التاسع والعشرين منه، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يحرصون على رؤية الهلال في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد مماته، احتياطاً للصوم وحذراً من الاختلاف واستجابة لقوله صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوماً (رواه مسلم) .

وكان صلى الله عليه وسلم يعتني بهلال شعبان عناية فائقة، فقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين يوماً ثم صام (رواه أبو داود)، ومعنى الحديث أنه كان يجتهد في عد أيام شعبان لأجل ضبط دخول شهر رمضان وللمحافظة على صومه .

والهلال اسم لما يُستهلّ به أي يُعلن ويُجهر به حتى يراه الناس ويعلموه فإذا طلع في السماء ولم يظهر للناس ولم يعرفوه لم يكن هلالاً، والشهر مأخوذ من الشهرة، فإن لم يشتهر بين الناس لم يكن الشهر قد دخل، ورؤية الهلال المطلوبة تعني مشاهدته بالعين مما يدل على عدم قبول تقدير الهلال بالحساب الفلكي أو بحساب المنجمين أو غيرهما لأنها طرق غير شرعية، فلا يُصام إذن إلا برؤية مستفيضة تنتشر بين الناس أو بشهادة عادلة موثوقة وهذا ما عليه جمهور الفقهاء، فقد حصر رسول الله صلى الله عليه وسلم طرق إثبات رمضان في رؤية الهلال وإكمال شعبان ثلاثين في قوله صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته (رواه البخاري) .

ولأهمية مطالع الشهور القمرية ورؤية أهلتها فقد وضع العلماء أسساً وقواعد لذلك منها مثلاً أنهم فرقوا بين الرؤية التي توجب الدخول في العبادة والرؤية التي تفيد الخروج منها .

فتقبل في رؤية هلال شهر رمضان شهادة رجل واحد من المسلمين استدلالاً بما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن أعرابياً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: إني رأيت الهلال، فقال أتشهد أن لا إله إلا الله؟ أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال نعم قال يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غداً (رواه الترمذي)، وبحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله عليه الصلاة والسلام أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه (رواه أبو داود) .

والاعتماد في إثبات أهلة الأشهر القمرية على شهادة الشهود برؤيتها أمام القاضي وذلك لما أجمعت عليه غالبية النصوص الفقهية، وتعتبر هذه الشهادة عند العلماء شهادة حسبة تختص بمجلس القاضي يؤديها المسلم فيه، ولذا يشترط فيها ما يشترط في الشهود من العدالة والبلوغ والحرية وغيرها، وإلا كان الإعلام بالرؤية مجرد رواية وإخبار لا تفيد الوجوب، فإن القاضي إضافة لكونه مخبراً عن الحكم الشرعي فإنه يملك إنفاذه والإلزام به، فإذا قبل القاضي شهادة الشاهد فقد ثبتت الرؤية .

وفي رؤية هلال شهر شوال حيث ينتهي رمضان اتفق العلماء - إلا أبو ثور- على أنه لا تكفي شهادة الواحد بل لا بد من شاهدين عدلين رجلين، والدليل على ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أن عمومة له شهدوا عند النبي صلى الله عليه وسلم على رؤية الهلال فأمر الناس أن يفطروا وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد (رواه أحمد) . وسبب اشتراط الشاهدين على ذلك أنها شهادة على هلال لا يدخل بها في العبادة فلم يقبل فيها إلا ما يقبل في سائر الحقوق من البينات التي يقبلها القاضي، فالأصل أن كل ما فيه إلزام محض من حقوق العباد يشترط فيه شرائط الشهادة، وفي هذه الحالة أيضاً لا بد أن يصدر القاضي حكماً ملزماً بالإفطار .

قاضي قضاة فلسطين

www.kudah.gov.ps