فتح المسلمون عنوة مدينة (جبلة) سنة 638م بقيادة عبادة بن الصامت، ثم خُرّبت وجلا عنها أهلها وحول مسرحها إلى قلعة، أعاد معاوية بن أبي سفيان بناءها وبنى فيها حصناً جديداً خارج حصنها الروماني القديم، وفي عام 777م توفي إبراهيم بن الأدهم المتصوف الذي ذاع صيته لدى المؤرخين القدامى ونظمت عنه ملاحم شعرية وقصائد وروايات كتبت بلغات عديدة تقدم لنا لمحات عن حياته وتعاليمه وتشير إلى أنه عربي الأصل من قبيلة بني عجل، وكان والده أدهم إنساناً عادياً تزوج بنت السلطان في أفغانستان وأنجب ولده إبراهيم، توفي أدهم عندما كان إبراهيم صغيراً فورث عرش الملك عن أبيه، وعندما أصبح فتى يافعاً جاءته رؤيا في المنام (خلقت لحياة الزهد والدعاء للخير، ولم تخلق لحياة الترف والرفاهية).

ثلاث مراحل

ولد إبراهيم بن الأدهم في مدينة (بلخ) في أفغانستان وتوفي حوالي (770م) ودفن في مدينة جبلة أو نقلت رفاته إليها كما تقول مصادر أخرى، وقد يكون من المناسب هنا ذكر مقولة مشهورة له (ما تمنيت العيش إلا في بلاد الشام حاملاً تعاليم ديني متنقلاً من هضبة إلى هضبة، ومن جبل إلى جبل)، وقد بني في ما بعد جامع السلطان إبراهيم المسمى باسمه، على ثلاث مراحل وعلى مدى ثلاثة عصور، المرحلة الأولى بدأت في السنين التي تلت وفاته مباشرة (778) ميلادي ببناء غرفة فيها ضريح إبراهيم بن الأدهم وكان ذلك في العصر السلجوقي، وفي العصر المملوكي تم بناء المسجد والبركة والبلاط والبوابة، وأنهي بناؤه في العصر العثماني بإنشاء أربع قباب رئيسية له في حرم الجامع وقبة صغيرة وجميعها تاريخية، بالإضافة إلى ترميم الواجهات وتجديدها وتجديد النوافذ والأقواس على الواجهات وتجديد المنارة.

وفي عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد أعيد بناء مئذنته بعد أن هدمتها صاعقة، وكذلك أعيد ترميم المسجد، وأضافت مؤسسة الإسكان العسكرية قبتين صغيرتين، وأعادت ما هدم منه أو زال عبر العصور ليعود كما كان في السابق، وقامت وزارة الأوقاف بعملية ترميم تشمل عزل الأسطح، بالإضافة إلى تجديد المنارة لتأخذ شكل المئذنة العثمانية الأسطوانية، وأقامت فيه مدرسة شرعية.

ويقع جامع السلطان إبراهيم في الشمال الشرقي من المدينة القديمة وسط جبلة حالياً في منطقة الصليب العقارية وله ثلاثة مداخل.

تناسق فريد

ويصف الباحث الأثري جمال حيدر الجامع بأنه من أروع المساجد فخامة على الساحل السوري، وهو بناء ضخم فيه من الانسجام والتناسق الفريد ما يجعله يستحق أن يكون في المرتبة الأولى للعمارة الإسلامية، ويتسم تصميمه بطابع العمارة المملوكية، مع تأثيرات سورية وفارسية، وتذكرنا التفاصيل المعمارية فيه كالزخارف وعناصر العمارة وتفصيلاتها بمساجد القاهرة، إذ إن إقامة الأضرحة المساجدية تقليد مصري قديم تطور في العهد المملوكي، حيث يتحول الضريح شيئاً فشيئاً إلى مجمع مساجدي يضم مسجداً ضخماً وروضة ومدفناً يضاف إليها سبل وخانقاه وحمام، وفي هذا المسجد يمتد ضريح إبراهيم بن الأدهم في حجرة مربعة تقع في الزاوية الجنوبية الشرقية من المسجد وهو مزار يقصده الزوار للتبرك به.

وتشير الدراسات إلى أنه كانت تعقد فيه حلقات الصوفية والمنشدين ويتلى فيه القرآن الكريم، وإلى يمين المدفن لوحة تاريخية منقوشة ومزينة بمقياس 62*26سم تحمل بيتين من الشعر يقولان:

قد نال إبراهيم من ربه

ما ناله أدهم من قبله

والناس تأتي لأبوابه

ويطعمون الطعام على حبه

وإلى الشمال من ضريح إبراهيم بن الأدهم يوجد ضريح أصغر يضم إبراهيم بن بشار صاحب إبراهيم بن الأدهم.

إن هذا الجامع أثر معماري أصيل قاوم عوامل الزمن، وتبلغ مساحته حوالي 400 م2 وهو مبني من الحجر الرملي، ويتكون من حرم للصلاة، مؤلف من ثلاثة إيوانات، تعلوه سبع قباب حجرية محمولة على عقود وأكتاف داعمة، والإيوان الجنوبي يحوي المحراب، ويجاور المحراب من اليمين منبر رخامي بديع، له باب تعلوه ضمن إطار الآية الكريمة: وذكر المؤمنين أما مئذنة الجامع فتقع في الجهة الغربية منه، وتوجد داخل الجامع مجموعة من اللوحات تؤرخ لإنشاء المقام والرواق والبلاط والإصلاحات المتعاقبة التي أجريت فيه، ويتبع للجامع حمام يقع في الزاوية الجنوبية الغربية منه، يطلق عليه اسم حمام السلطان إبراهيم.