مسألة تأجير الأرحام أو الأم البديلة مصطلح حديث وافد إلينا يخترق أخص خصائص الإنسان وهو تكريمه، بل أخص خصائص الأمومة وهي المهنة المميزة لدى المرأة التي احتفظت بها منذ بداية الخليقة، حتى يأتي زمن العجائب العلمية فينزعها منها من أجل مكاسب دنيوية.
ولا شك أن هذه المسألة أثارت جدلا واسعا ورفضا عاما، لأنها تتعلق بكرامة الإنسان عامة وكرامة المرأة والمحافظة عليها بصفة خاصة، كما ترتبط بمقصد مهم من مقاصد الشريعة الإسلامية وهو حفظ النسل.
وإن كان الإسلام يكرم العلم وأهله ويحث على طلبه، إلا أنه يضع له الضوابط الأخلاقية التي تحافظ على الأسرة الإنسانية في مجملها، وعلى الفرد باعتباره خليفة الله على هذه الأرض، ولهذا فإننا نجد أن الإسلام كما أمرنا بالأخذ بالأسباب التي يسرها الله لنا لتحقيق مشيئته في الشفاء فعلينا أن نأخذ بالأسباب ونشرع في العلاج، راضين بقضاء الله في الحالتين.
وقد حرصت الشريعة الإسلامية كل الحرص على ثبوت النسب وصيانته من التدليس والتزييف والضياع، وجعلته حقا خاصا للولد والوالدين قال تعالى: وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً (الفرقان: 54)، وقال صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحَجَرُ. ولهذا نادى العلماء بضرورة وضع إطار من الضوابط والأخلاقيات في الإخصاب الطبي، ولعل أهم فتوى حول هذا الموضوع هي التي صدرت في الدورة الثامنة للمجمع الفقهي بمكة المكرمة والتي جاء فيها:
يجوز تلقيح الزوجة صناعيا داخليا بماء زوجها حتى يتم الحمل.
التلقيح الذي يتم خارجيا في إناء ببذرتي الزوجة والزوج ثم يعاد إلى رحم الزوجة هو أسلوب مقبول مبدئيا في ذاته بالنظر الشرعي، ولكنه غير سليم تماما من موجبات الشك فيما يستلزمه ويحيط به من ملابسات فلا ينبغي أن يلجأ إليه إلا في حالات الضرورة القصوى وبعد أن تتوافر الشروط التالية:
أن يتم التلقيح من مني الزوج.
أن يتم ذلك في حياة الزوج وليس بعد مماته.
أن يكون الطبيب من المسلمين المؤتمنين.
أن يتم ذلك بموافقة الزوجين.
أما بالنسبة للفتوى الخاصة بالأم البديلة الرحم المستأجر فقد صدرت في ندوة الإنجاب في ضوء الإسلام وفحواها أن يكون حراما إذا كان في الأمر طرف ثالث سواء كان منيا أم بويضة أم جنينا أم رحما وهذا معناه تحريم هذه الصورة تحريما قاطعا، لأنها تتضمن إدخال نطفة رجل في رحم امرأة لا تربطه بها علاقة زوجية شرعية، وعلى هذا يمنع التبرع أو الاتجار بالبويضات أو الخلايا المنوية، فالمتطوعة بالحمل أجنبية عن الزوجين مصدري البذرتين، فتدخل هذه الأساليب في معنى الزنى، دون أدنى شك حيث إنها تؤدي إلى اختلاط الأنساب، قال تعالى: إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه (الإنسان: 2).
والأمشاج: هي الأخلاط، وهذا يدل على اشتراك صاحبة البويضة في تكوين الجنين، ولكن مع ذلك فاللقيحة لا تسمى جنينا فعلا إلا بعد تصورها في مرحلة تالية في رحم الأم، وقد دل على أن هذه اللقيحة ليست ولدا قوله تعالى: يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً (الحج: 5).
إن هذه الوسيلة فضلا عن كونها ذريعة إلى اختلاط الأنساب نتيجة الازدواج في التكوين والنشأة والخلقة فإنها وسيلة أيضا إلى الشر والفساد وكل ما يؤدي إلى الضرر أو الحرام فهو حرام، فعادة الشارع ألا يترك المفسدة حتى تقع ثم يعالجها بل يحتاط في سد المنافذ إليها. ولا يقال عن ذلك من باب الضرورات التي تبيح المحظورات، لأن من ضابط الضرورة خوف الهلاك أو الضرر الشديد على إحدى الضروريات للنفس أو للغير يقينا أو ظنا إن لم يوجد ما يدفع به الهلاك أو الضرر الشديد، ومن ضوابطها أن تكون متفقة مع مقاصد الشارع، وأن تكون مستندة إلى قواعد شرعية، وألا يترتب على إزالتها إلحاق مثلها بالغير الضرر لا يزال بالضرر وأن تقدر بقدرها، والأهم ألا يخالف المضطر مبادئ الإسلام في تحريمه للزنى وحرصه على ثبوت النسب وعدم اختلاط الأنساب والأصل في الإسلام: دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.
إن عقد تأجير الرحم يؤدي إلى الفساد من وجوه:
جعل المرأة ممتهنة ومبتذلة بعرضها رحمها للبيع أو الهبة.
الاعتداء على أمومتها وأحقيتها في ضم الوليد بعد أن تغذى منها وحملته وهناً على وهن.
حينما تكون المستأجرة متزوجة وعندما يجامعها زوجها فيختلط ماؤه مع ماء غيره وذلك محرم قطعاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد غيره.
قد تكون المستأجرة بل يجب أن تكون في حالة تبويض كما جزم الأطباء بذلك، فماذا لو لم يتم تلقيح بويضتها مع نطفة زوجها أثناء حملها بالبويضة المخصبة؟ وهل تمنع من معاشرة زوجها الأصلي حتى تضع حملها المستأجر؟!
هل الطفل بعد ولادته سيكتب باسم أمه صاحبة البويضة الملقحة أم باسم صاحبة الرحم التي حملته حتى ولادته؟
ماذا لو كانت الأم البديلة أماً أو أختاً لصاحبة البويضة الملقحة؟
ماذا لو تمسكت صاحبة الرحم بالرضيع باعتباره ابنها أو لو رفضت صاحبة البويضة استلامه، إذ هو ولد مشوه؟
ماذا لو قامت صاحبة الرحم بتأجير رحمها لأكثر من أسرة ثم حدث مستقبلا تزاوج بين أبناء هذه الأسر؟
وأخيراً ماذا لو كانت الأم البديلة غير متزوجة ثم ظهر عليها الحمل أليس في ذلك تعريض لها للقذف وإشاعة الفاحشة في المجتمع؟ إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (النور: 19).