نظم الإسلام العلاقة بين الزوجين في شكل حقوق وواجبات ووضع لها أسسا ثابتة تحميها من المشكلات العاصفة والخلافات التي قد تنتهي أحيانا بالطلاق، وتكون النتيجة خراب العديد من البيوت وتشريد الأبناء.
وحتى تستقيم العلاقة بين الزوجين منح الإسلام الزوج حق التأديب الذي يمارسه في حالة النشوز، فإذا خرجت الزوجة عن طاعة زوجها كأن تمتنع عن حقوقه الشرعية أو خرجت بدون إذن منه أو تركت حقوق الله تعالى فإن الزوج حينئذ من حقه تأديبها. ويبين الإسلام كيف يكون ذلك فيقول الحق سبحانه وتعالى: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا.
لكن بعض الزوجات ينكرن هذا الحق للزوج ويعتبرن ذلك تعديا على كرامتهن وحقوقهن وكذلك فإن كثيرا من الأزواج لا يمارسون هذا الحق كما بينه وفصله القرآن الكريم، فيبدأ الزوج بالهجر القاسي أو الضرب المبرح ويتصور أنه بذلك يؤدب زوجته.
في البداية يوضح الدكتور محمد رأفت عثمان أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة الأزهر أنه ينبغي على الزوجين أن يقضيا وقتا في دراسة وضعهما ومعرفة الأسباب التي تزعج الزوج والأسباب التي تؤلم الزوجة، ويتفقان على تجنب كل واحد منهما ما يؤلم الطرف الآخر، ويقول: لكن إذا ما بدأت الخلافات الزوجية تدب بينهما وبدأت الزوجة تضيع حقوق زوجها فقد قال المولى عز وجل: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعضٍ وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا.
وهذه الآية قسمت النساء إلى نوعين: الصالحات وهن لسن في حاجة إلى التأديب فقد بلغن بصلاحهن وخضوعهن لله مرتبة سامية، ويطعن أزواجهن، والنوع الثاني من النساء هو من يخاف نشوزهن وانحرافهن عن الصراط المستقيم فهن في حاجة إلى تهذيب وتأديب.
ويضيف: والوسيلة الأولى هي أن يعظها فيخوفها مثلا من عدم رضا الله عنها مبينا حقه عليها وما أوجبه الله عليها من طاعتها لزوجها وبأن الضرر سيلحقها بسقوط نفقتها ولا يضربها في البدء.
ويشير د. محمد رأفت عثمان إلى أنه لا يجوز للزوج أن ينتقل من مرحلة إلى أخرى بعد لحظات من استخدامها بل إن كل مرحلة يجب أن تأخذ وقتا يمكن فيه للزوجة مراجعة نفسها فتعود إلى رشدها لأنها في أغلب الأحوال تكون حريصة على استمرار حياتها الزوجية وإن كانت تعتريها بعض حالات الاضطراب الفكري والسلوكي لأسباب طبيعية خارجة عن إرادتها فإنها بزوال تلك الأسباب تعود إلى رشدها وتفكيرها السليم وسرعان ما تكتشف الخطأ وتعمل جاهدة على تخطي العقبات والمشكلات.
الهجر المباح
ويتفق معه الشيخ علي أبو الحسن رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقا في أن الأهم من التأديب هو كيفية هذا التأديب وعدم التسرع في الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي الهجر في المضجع، ويقول: للأسف الكثير من الرجال لا يفهمون الهجر الشرعي الذي حثنا وأرشدنا إليه الإسلام في حالة نشوز الزوجة، فالهجر لا يكون في كل شيء لأنه لا يجوز للزوج أن يهجر زوجته في الكلام أكثر من ثلاثة أيام لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين حرمة ذلك فقال: لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث فما بالك بالزوجة، والهجر يكون في المضاجع بعزل فراش الزوجين وترك معاشرتها لقوله تعالى: واهجروهن في المضاجع من الهجران والبعد، والهجر في المضاجع هو أن ينام الزوج إلى جوار زوجته ويوليها ظهره ولا يجامعها، وهذا الهجر غايته عند العلماء شهر كما فعل صلى الله عليه وسلم حين أسر لحفصة أمرا فأفشته إلى عائشة وتظاهرا عليه.
ويرى الشيخ أبو الحسن أن تشريع عقوبة الهجر من أبلغ الحكم القرآنية وأنجعها في الخصومة الزوجية.
ضرب غير مبرح
الدكتور محمد نبيل غنايم أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية دار العلوم جامعة القاهرة يؤكد أنه لا يجوز للأزواج اللجوء إلى العنف مع زوجاتهم كوسيلة لعلاج النشوز دون اتباع الوسائل الأخرى ويقول: في حالة حدوث النشوز من المرأة يأتي الضرب في المرتبة الثالثة للإصلاح فإذا لم يفلح الوعظ والهجر فقد يصلحها الضرب في إطاره الشرعي، فضرب الزوجات ليس مباحا على إطلاقه وليس مرفوضا على إطلاقه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تضربوا إماء الله فجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذئرت النساء على أزواجهن، فرخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين من أزواجهن ليس أولئك بخياركم.
وينبه د. غنايم إلى ضرورة وضع ضرب الزوجات في إطاره الشرعي، فالضرب ليس الوسيلة الأولى لعلاج نشوز الزوجة ولا يعني الإيذاء البدني، بل هو مجرد تعبير عن رفض الزوج لسلوك زوجته ولابد أن يسبقه النصح والإرشاد والتوجيه ثم الهجر في المضاجع.
ويقول: الضرب المباح هو عقوبة بدنية ليس القصد منها مجرد إيقاع الألم في بدن المرأة الناشز أو إعطاء الرجل فرصة للانتقام ممن ترفعت عليه وأبغضته ولكن محاولة لإنقاذ كيان الأسرة من التهدم وخلاصا للبيت من التصدع الذي يواجهه خاصة أن بعض الزوجات الناشزات يكن متبلدات الأحاسيس لا يقدرن نتيجة نشوزهن وقد يحدث الضرب لهن صدمة تفيق الزوجة من كبرها وتعاليها.
النصيحة الهادئة
الدكتورة عزة كريم أستاذ علم الاجتماع في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر تؤكد أن الحلول الإسلامية لنشوز الزوجة وعصيانها أكثر واقعية من الحلول التي جاءت بها الأنظمة الاجتماعية الأخرى، فالإسلام جاء بحلول واقعية ومثالية من شأنها أن تحقق الاستقرار الأسري والاجتماعي، وما يحدث من شكوى من الأزواج أو الزوجات يكون نتيجة تجاوز الحدود الشرعية وعدم الالتزام بما جاء به الإسلام.
وتضيف: لكن حينما يبدأ الزوج في علاج نشوز زوجته ويبدأ بوعظها فمن الأفضل أن يكون هذا الأمر فيما بينهما بحيث يوجهها إلى الخطأ الذي ترتكبه في حقه أو في حق الأسرة ولكن في شكل نصيحة هادئة لا يعرف بها أحد غيرهما لأن الزوجة مهما بلغت درجة الخلاف بينها وبين زوجها يظل في النهاية هو الأقرب إليها فلا تجد غضاضة في أن تتنازل عن كرامتها معه إذا لزم الأمر فإذا ما امتد الخلاف بينهما إلى الآخرين وزجرها أمامهم سينقلب الموقف عندها إلى عند ومكابرة وترفض الخضوع للزوج.
أما الدكتور محمد عبد الرحمن حمودة أستاذ الطب النفسي في جامعة الأزهر فيؤكد أن الهجر والضرب من الوسائل الإصلاحية الجيدة ولكنها ذات حدين ويقول: الزوجة التي يهجرها زوجها تشك في صميم أنوثتها ما يؤلمها ألما نفسيا يجعلها تراجع نفسها مرات عديدة خاصة إذا كانت محبة لزوجها، لكن يجب ألا يكون في هذا الهجر قسوة لأن ذلك يدمر العلاقة بينهما وقد يصل بالزوجة إلى درجة كراهية زوجها، فالزوج الذي يلجأ إلى هذا الأسلوب يجب أن يكتفي بالهجر في المضجع فقط لا أن يهينها بالكلام ويسمعها أنه يستطيع الحياة معها دون أن يقترب منها لأن ذلك يجرح مشاعرها.
كما ينبه د. حمودة إلى أن الضرب والهجر يجب أن يلجأ إليهما الزوج كآخر الحلول لأن اعتياد الزوج على ضرب زوجته أو هجرها بسبب أو بدون سبب وفي أحوال لا تستحق ذلك يفقد الزوجة الإحساس بضخامة الأمر، فالزوجة التي يهددها زوجها دائما بالطلاق تتعود الأمر حتى وإن وقع فعلا، وكذلك الأمر بالنسبة للهجر أو الضرب فالزوجة التي يهجرها زوجها لأتفه الأسباب لن تجدي معها هذه الوسيلة بمرور الوقت.