يوضح المفكر والداعية الدكتور زغلول النجار رئيس لجنة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر أهمية هذا الكتاب تأمّلات في كتاب الله فيقول: نظراً لاهتمامي بكتاب الله أردتُ أن أسهم بدور في تبسيط قراءته بوضع عدد من المقدّمات أو التأمّلات لسوره انطلاقاً من إيماني بأن ألفاظ القرآن الكريم دالة على معانيه دلالة مأخوذة من دلالات اللغة العربية ولذلك فأغلب الآيات القرآنية لا تحتاج إلى التفسير احتياجاً حقيقياً وإن اتضح ذلك بشكل جلي جداً في الإشارات الكونية وهي في مجموعها تُمثّل سُدس مجموع آيات القرآن الكريم .

يضيف الدكتور زغلول النجار: لقد تعهد ربنا تبارك وتعالى بحفظ القرآن الكريم حفظاً مطلقاً فقال عز من قائل: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (الحجر: 9) والسبب في هذا العهد الإلهي المطلق هو أن الإنسان لا يستطيع أن يحيا على هذه الأرض حياة سوية، ولا أن يحقق رسالته في هذه الحياة الدنيا بنجاح دون هداية ربانية، خاصة في الأمور التي يعلم ربنا تبارك وتعالى بعلمه المحيط أن الإنسان عاجز عجزاً كاملاً عن الوصول فيها إلى أي تصورات صحيحة، وذلك من مثل قضايا: العقيدة، والعبادة والأخلاق، والمعاملات التي تشكل ركائز الدين .

وهذه الهداية الإلهية علمها ربنا تبارك وتعالى لأبينا آدم عليه السلام لحظة خلقه، ثم أوحاها إلى مائة وعشرين ألفاً من أنبيائه، الذين اصطفى منهم ثلاثمائة وبضعة عشر رسولا، أرسلهم إلى مختلف بقاع الأرض على فترات من الزمن كي يجدد بهم هذه الهداية الربانية التي أكملها وأتمها في وحيه الخاتم القرآن الكريم، ولذلك تعهد بحفظه تعهداً مطلقاً فظل محفوظاً بحفظ الله على مدى أكثر من أربعة عشر قرنا، وسيبقى كذلك إلى ما شاء الله تعالى لأن سلسلة النبوات والرسالات قد تمت ببعثة النبي والرسول الخاتم سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فكان لابد من حفظ رسالته حتى يتحقق العدل الإلهي الموصوف بقول ربنا تبارك وتعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (الإسراء: 15) .

تحدي الإنس والجن

أوضح د . زغلول النجار أن ربنا تبارك وتعالى تحدى كلاً من الإنس والجن مجتمعين متظاهرين أن يأتوا بمثل هذا القرآن فقال عز من قائل: قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (الإسراء: 88) .

ولا يزال هذا التحدي قائماً دون أن يتقدم أحد فيقول إنه استطاع أن يكتب شيئاً من مثل القرآن الكريم . كما سخر ربنا تبارك وتعالى ممن ادعى من المشركين أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي كتب القرآن الكريم، وهو النبي الأمي الذي لم يكن يعرف القراءة والكتابة، وفي ذلك يقول الله تبارك وتعالى: أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين . فإن لم يستجيبوا لكم فأعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (هود: 13 - 14) .

وتحدى الله تعالى العرب على ما كانوا عليه من علم بأسرار العربية وأسباب الفصاحة والبلاغة وحسن البيان أن يأتوا بسورة واحدة من مثل سور القرآن الكريم فيقول: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (البقرة: 23) .

ولا يزال هذا التحدي قائماً دون أن يستطيع عاقل مجابهته على الرغم من مضي أكثر من أربعة عشر قرناً على مجيء الوحي بالتنزيل، وقد عجزت القدرات البشرية ولا تزال عاجزة عن أن تداني كتاب الله في روعة بيانه، وجمال نظمه، وشمول علمه، أو في كمال صفاته، ودقة دلالاته، وصدق أنبائه، وسمو معانيه، وعدالة تشريعه، أو في مكارم الأخلاق التي يدعو إليها، وضوابط السلوك التي وضعها لتطابق المصالح الخاصة والعامة لكل من الأفراد والمجتمعات، أو في صحة العقائد التي رسّخها والعبادات التي شرعها أو في كل من الحقائق التاريخية والإشارات العلمية التي جاء بها، أو في نهجه وصياغته وتمام إحاطته بطبائع النفس البشرية ودقة استعراضه لمسيرة البشرية، من لدن أبينا آدم عليه السلام إلى بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين عليه وعليهم أجمعين أفضل الصلاة وأذكى التسليم، وجاء في كل ذلك بنماذج منتقاة كدروس للبشرية في مجال تحقيق سنة الله بإهلاك الضالين من الكفار والمشركين والطغاة الباغين، والمفسدين في الأرض من جهة، ونجاة المؤمنين بالله الموحدين لذاته، والمنزهين لجلاله (عن الشريك والشبيه والمنازع والصاحبة والولد وعن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله) والمجاهدين من أجل حسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها وإقامة شرع الله وعدله فيها من جهة أخرى .

كيف نقرأ القرآن؟

ويتساءل د . زغلول النجار: كيف يجب أن نقرأ القرآن؟ ويجيب بقوله: يجب أن نقرأ القرآن الكريم ونحن موقنون الحقائق التالية:

أنه كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله وحفظه بعهده في لغة وحيه نفسها (اللغة العربية) وحفظه على مدى يزيد على أربعة عشر قرنا، وتعهد بهذا الحفظ الإلهي تعهداً مطلقاً حتى يبقى القرآن الكريم شاهداً على جميع الخلق إلى قيام الساعة بأنه كلام الله الخالق، وشاهداً بالنبوة وبالرسالة للنبي الخاتم الذي تلقاه، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى مخاطباً خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وسلم: ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (النحل: 89) .

والتعبير القرآني تبيانا لكل شيء يعني كل شيء من أمر الدين بركائزه الأربع الأساسية: العقيدة، العبادة، الأخلاق، والمعاملات . ولو شاء الله تعالى أن يجعل القرآن الكريم تبياناً لكل شيء من أمر الدنيا أيضاً لكان القرآن الكريم مجلدات عديدة لا يمكن للفرد الواحد أن يتمه قراءة في عمره كله، فضلاً عن حفظ نصه والعمل به . ودليلنا على ذلك أن الله تعالى لم يخبرنا في القرآن الكريم عن جميع أنبيائه ورسله وهم جمع غفير، واختار من قصصهم خمساً وعشرين فقط حتى تكون مدارسة قصصهم فرصة لتلقي العظة والعبرة .

أنه هو الكتاب السماوي الوحيد الذي تعهد ربنا تبارك وتعالى بحفظه في نفس لغة وحيه نفسها على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية وحتى القرن الحالي (وهو القرن الهجري الخامس عشر) وسوف يظل محفوظاً من الله تعالى إلى ما شاء الله لأن الوعد الذي قطعه ربنا تبارك وتعالى على ذاته العليا بحفظ هذا الكتاب الكريم هو وعد مطلق، ولم يطلق لرسالة سابقة أبدا، وذلك لأن حفظ الرسالات السابقة كلها قد ترك لأتباعها فضيعوها، وهذه آيات القرآن الكريم تشهد على ذلك كقول ربنا وتعالى اسمه: أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون (البقرة: 75) .

أنه كتاب معجز لأنه كلام الله الخالق البارئ المصور، فهو ليس بالشعر ولا بالنثر ولكنه نمط فريد من الصياغة العربية لم تعرفه العرب من قبل، وعجزوا عن الإتيان بشيء من مثله وهم في قمم من الفصاحة والبلاغة وحسن البيان . والإعجاز في القرآن الكريم ليس مقصورا على نظمه كما يدعي البعض فما من زاوية من الزوايا ينظر منها إنسان محايد إلى هذا الكتاب العزيز إلا ويجد منها جانباً من جوانب الإعجاز الذي يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، وفي ذلك يقول ربنا تبارك وتعالى: وما كان هذا القرآن أن يُفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين . أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (يونس 37 - 38) .

أنه الكتاب الوحيد المتضمن لدين الله الذي لا يرتضي ربنا تبارك وتعالى من عباده دينا سواه وذلك لأن الدين هو بيان من الله تعالى للإنسان في القضايا التي يعلم ربنا بعلمه المحيط أن الإنسان يعجز عجزاً كاملاً عن وضع أي ضوابط صحيحة لنفسه فيها وذلك من مثل قضايا العقيدة، الأخلاق، العبادة، المعاملات، وهي ركائز الدين وفي ذلك يقول تعالى: يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبينا (النساء: 174) .

أنه الكتاب الوحيد الذي تكاملت فيه جميع الرسالات السماوية انطلاقاً من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله (تعالى) قد بعث لهداية البشرية مائة وعشرين ألف نبي، وأنه اصطفى من هذا العدد الكبير من الأنبياء ثلاثمائة وبضعة عشر رسولا، وأن رسالات هؤلاء الرسل جميعاً كانت الإسلام ولكن أتباعها ضيّعوها وحرّفوا ما بقي من ذكراها .

تدارس كتاب الله

واستطرد د . زغلول النجار قائلا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجهنا إلى كيفية تدارس القرآن الكريم وذلك بعدد كبير من وصاياه التي منها: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعربوا القرآن واتبعوا غرائبه، وغرائبه فرائضه وحدوده رواه البيهقي . . وإعرابه يُقصد به معرفة معانيه، والتماس غرائبه أي معرفة ما غمض من معانيه على قارئه .

وعنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قرأ القرآن فلم يُعربه وُكل به ملك يكتب له كما أُنزل بكل حرف عشر حسنات، فإن أعرب بعضه وُكل به ملكان يكتبان له بكل حرف عشرين حسنة، فإن أعربه وُكل به أربعة ملائكة يكتبون له بكل حرف سبعين حسنة .

ويؤكد د . زغلول النجار أنه على هذا الفضل العظيم لتلاوة القرآن الكريم والاستماع إليه يبقى تدبر معاني آياته ومدارستها والالتزام بما فيها من أوامر الله واجتناب ما فيها من نواهيه، والدعوة إلى هذا الخير بين الناس بالكلمة الطيبة والحُجّة الواضحة والمنطق السوي، يبقى لذلك من الأجر ما يفوق أجر التلاوة، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُوصي بتدبر معاني القرآن الكريم عند التلاوة وكان صلوات الله وسلامه عليه يتوقف عند كل آية، فكان إذا مرّ بآية رحمة سأل الله من فضله وإذا مرّ بآية عذاب استجار بالله وتعوّذ من عذابه وإذا مرّ بآية فيها تنزيه لله تعالى سبّح .

من هنا كان حرص السلف الصالح على كتاب الله حفظاً وفهماً ومدارسة وتدبراً وتطبيقاً عملياً في الحياة، فعن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قال: حدّثنا الذين كانوا يُقرئوننا القرآن الكريم أنهم كانوا يستقرئون من النبي وكانوا إذا تعلّموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العلم، فتعلّمنا القرآن والعمل جميعاً .