ثمة أمر مثير للاندهاش في نمط التفكير البشري، سواء في مستواه الفلسفي أو في مستواه العلمي، وهو احتياج هذا التفكير إلى مفهوم اللاشيء، ليستقيم فهمه للوجود وتفسيره لبنيته وحراك تكوينه . وأقصد اللاشيء بمختلف تسمياته وتباين مدلولاته:
فالفيزياء الكوسمولوجية، المشدودة إلى نمط التأمل الفلسفي، احتاجت إلى فرضية الفراغ لتأسيس فهمها وتفسيرها لكيفية كينونة الوجود . وهذا واضح في النظريتين الديموقريطية، والأبيقورية اللتين قالتا بالذرة والحركة لتفسير الكون، حيث احتاجت إلى فرضية الفراغ لتفسير إمكان حركة الذرات لتشكل الأشياء .
ورغم حرص الفيزياء الحديثة والمعاصرة على القطع مع مفاهيم وتمثلات الكوسمولوجيا القديمة، فإنها لم تقطع مع تلك المقولة المفاهيمية (الفراغ)، هذا رغم اعترافها بعدم إمكان إنجاز الفراغ بمقاييس المختبر العلمي . حيث يؤكد العلم الفيزيائي اليوم استحالة إنشاء فراغ تام، أي تكوين حيز مفرغ من كل جزئيات الهواء . وكل ما في الإمكان علميا هو إنشاء فراغ نسبي، يتم الاعتراف بوجوده إذا ما كان ضغطه أقل من 3،101 كيلو باسكال، ورغم استحالة تكوين فراغ فيزيائي في مختبر التجربة، لم تتخل الفيزياء عن مفهوم الفراغ في تفسيرها لبنية الوجود، وإن بدلت مدلول تلك المقولة من معنى العدم إلى حالة من الطاقة . ولهذا التبديل الدلالي صيرورة معرفية وتاريخية طويلة: فبعد استحضار غاسندي في القرن السابع عشر للنظرية الذرية، كان لا بد أيضا من استحضار فرضية الفراغ لإمكان الحركة . لكن لما تطورت النظرية الذرية تمت الحاجة إلى القول بموجودية الفراغ ليس فقط خارج الذرة، بل داخلها أيضا، لتفسير حركة مكوناتها، فمع اكتشاف طومسون للإلكترون كان لابد من فرض وجود فاصل فراغي بينه وبين النواة لتصور إمكان حركته . غير أن هذا الفراغ لم يكن مجرد مجال هامشي يقدم كطرح نظري لاستقامة التفسير الذري لبنية الكون، بل صار هذا الفراغ هو المساحة الأوسع في كيان الذرة ومن ثم كيان الوجود كله . إذ بالحساب الرياضي للمسافة الفاصلة بين النواة والإلكترون صار الفراغ يشغل أكثر من تسعين في المائة من بنية الكون .
صحيح أن الفراغ بمدلوله الكوانتي لا يعني اليوم فراغاً عدمياً، بل هو مشحون بالطاقة، لذا لا يتصور الفراغ في الفيزياء المعاصرة عدماً، ولا مكانا خالياً، فإذا كانت الحركة مؤشراً على الزمان، فلا يعني هذا أن عملية النشوء الكوني كانت إنشاء للمادة في خلاء مكاني، بل الزمان والمكان وفق فيزياء اينشتاين متلازمين، أي أنهما معاً يشكلان كينونة ال زمكان .
وكما احتاجت الفلسفة في القديم إلى فرض وجود الفراغ لبناء تفسيرها الكوسمولوجي، وكما احتاجت الفيزياء إلى مقولة الفراغ لتفسير بنية الذرة، احتاجت الرياضيات إلى رقم صفر للدلالة على انعدام الكم، فابتدعت هذا الرقم الذي صنفته ضمن الأعداد الصحيحة رغم أنه يبدو للوهلة الأولى لا قيمة له . إذ ما الحاجة إلى ابتداع رقم رياضي للدلالة على لاشيء؟
لقد استشعر الهنود الاحتياج للدلالة على الخواء رياضياً، فاستخدموا لفظ سونيا للتعبير عنه . غير أنه بمجرد استثمار الرياضيات العربية لمفهوم الفراغ رياضياً، وترميزه برقم صفر (0)، واستدخاله ضمن بنية النظام العشري، تغير وجه الرياضيات، حيث تحررت من إعاقة منهجية كانت حتمية، ولا سبيل إلى تخطيها، فصارت بفضل الصفر قادرة على ترسيم الأعداد الكبيرة وإنجاز العمليات الجبرية الكبرى . فكان الصفر ولا يزال أفضل رقم رياضي من حيث أداؤه الوظيفي في تسهيل الإجرائية الحسابية، لكن لماذا هذا الاحتياج الدائم الذي يلازم التفكير بمختلف أنماطه الفلسفية والفيزيائية والرياضية - إلى اللاشيء ليستقيم فهمه للوجود وتفسير بنيته وحراك تكوينه؟
لا نقول إن هذه الألفاظ (الفراغ، العدم، اللاشيء، الصفر) المستعملة في البحث الفلسفي والعلمي ترد بمدلول واحد متماثل، بل نكرر القول إن ثمة فارقاً دلالياً مهماً بين المفهوم الفيزيائي للفراغ والمفهوم الفلسفي للعدم . ويكفي للدلالة على ذلك، التأمل في التعبير التالي:
يصح القول فيزيائياً إن الفراغ موجود، بينما سيكون من الإيغال في النقائض والوقوع في مزلق المفارقة القول بوجود العدم . غير أن هذا لا يمنع من تقريب هذه المفاهيم (الفراغ، الصفر، اللاشيء، العدم) والتأمل فيها بوصفها متقاربة في نظامها الدلالي، ومتقاربة أيضا في الوظيفة التي تسديها للتفكير، في حقل الفلسفة، والفيزياء والرياضيات .
Tayebbouazza@yahoo .fr