كثر النقاش والجدل وكثرت التأويلات لمعاني الحروف المقطعة، حيث لا يوجد عندنا بيان في القرآن، أو السنَّة المشرفة يكشف الغطاء عن طبيعة هذه الحروف، ويحدد المراد منها، فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم سوى بيان أنها حروف قرآنية، ولهذا جعل تلاوتها شعيرة إسلامية يُتَعَبَّدُ بها، ويُثَابُ تاليها أو قارئها عَشْرَ حسناتٍ على قراءة كل حرف، فكل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم هو بيان ثواب قراءة القرآن، ومنه هذه الأحرف المقطعة التي شرفها الله لكونها جزءاً من كتابه . قال صلى الله عليه وسلم: من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولامٌ حرفٌ، وميم حرف . وقال صلى الله عليه وسلم: إن هذا القرآن مأدبة الله في أرضه، فتعلموا مأدبته ما استطعتم فاقرؤوه، فإن الله يأجركم بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول: الم حرف، ولكن ألف ولام وميم ثلاثون حسنة .
وقد ذهب المفسرون والصوفية، وأهل الطوائف، وحديثاً المستشرقون مذاهب شتى في تأويل معاني الحروف المقطعة . وكل التفسيرات (حتى عند من يجعل علمها عند الله) تدور حول نظرية الرمز فالحروف رُموزٌ لها دلالاتٌ . والخلاف إلى أي شيء ترمز؟ وعلى أيِّ شيءٍ تَدُلُّ؟
ونلخص جُمْلةً من التَّفْسيرات التي تتفاوت في القوة والضعف، وسوف نتناول هذه التفسيرات بصيغة السؤال .
أسماء الله وصفاته
** هل الحروف المقطعة رموز لأسماء الله تعالى، وأفعاله، وصفاته؟
- أطلقت العرب بعض الحروف على أسماء الأعلام، مثل لام سمَّوا به والد حارثة بن لام الطائي، وأطلقوا حرف ق على جبلٍ معروف . ولعل من فسَّروا الحروف بأنها أسماء استأنسوا بهذا الاستعمال العربي .
وممن ذهب إلى هذا الرأي سعيد بن جبير، وهو ينسبه إلى حبر الأمة عبد الله بن عباس، وحاصله أن الحروف المقطعة اختصارات، وأصلها كلمات تامَّة تدل على أسماء الله عز وجل وصفاته العَليَّة، ووفق هذا التأويل فالألف في الحروف المقطعة إشارة إلى أحد: أو أول، أو أزلي، واللام إشارة إلى لطيف والميم إشارة إلى مَلِك أو مجيد، وفي (كهيعص): (كافٍ، هادٍ، أمينٍ، عالِمٍ، صَادِقٍ)، أو الكاف من الملك، والهاء من الله، والياء والعين من العزيز، والصاد من المصور .
وقيل: إن هذه حروف مقطعة إذا جمعت دلت على بعض أسماء الله الحسنى، مثل الر، وحم، ون، تكون لفظ الرحمن . وقيل: إن هذه الحروف ترمز إلى معانٍ إلهية، أو تبين مراد الله تعالى، فمثلاً: الم تعني: أنا الله أعلم، والمر تعني: أنا الله أعلم وأرى، والمص تعني: أنا الله أعْلم وأفصِّل .
ويذهب بعض المؤولين منهم إلى أن فواتح السور ذوات الحروف المركبة (وليست المفردة مثل ص وق) إنما هي أسماء لله، ونسبوا إلى الإمام علي استعمالاً شاذاً أنه كان يقول: يا: كهيعص ويا: حم عسق . ونداء الحروف عندهم حقيقي إذا كانت الحروف رموزاً لأسماء الله وصفاته، ومجازي بمعنى يا مُنْزل كهيعص، وهذا كلام لا ينسجم مع أساليب البيان العربي، وخصائص تركيب الجمل في اللغة، وليس له إسنادٌ من نصوص الشرع الثابتة .
وفي السياق القرآني لا يُستَساغ لغة أن نجعل الحروف المقطعة منادى، ثم نربطها بما بعدها من آيات مثل أن نقول: (يا الم ذلك الكتاب لا ريب فيه) في أول سورة البقرة . والعارفون بأساليب العربية يعدون هذا الكلام مضطرباً لا معنى له، ويشبه أن يكون أعجمياً، وحاشا لبيان القرآن أن يكون مضطرباً أو ركيكاً، أو فاسد المعنى .
وقد ردّ القاضي عبد الجبار هذا القول من الناحية العقلية، فقال: . . .ليس جعلها أسماء لله تعالى أولى من جعلها أسماء لبعض رسله من الملائكة أو الأنبياء . فالاسم إنما يصير اسماً للمسمّى بواسطة الوضع والاصطلاح، وذلك مفتور هنا .
رموز لأسماء الرسول
** هل الحروف المقطعة رموز لأسماء الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته؟
- ادّعى عدد من المؤولين أن هذه الحروف ترمز إلى اسم النبي صلى الله عليه وسلم، أو صفة من صفاته، فحرف الميم من الم يرمز إلى اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ونقل الإمام النيسابوري في كتابه تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان عن أهل التصوّف في تفسير قوله تعالى (حم عسق) الشورى: حاء: حبُّه، وميم: محبو محمد، وعين: عشقه، وقاف: قربه إلى سيده . . . . ونقل القرطبي عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: طه: يا حبيبي .
وممّن ركب جناح الغلو في ذلك الشيخ محمد بن صالح المعروف بابن ملّوكة التُّونسيِّ، فقَدْ ذهب كما ينقل الإمام ابن عاشور في التحرير والتنوير إلى أن كل الحروف المقطعة في أوائل السُّور إنما هي رموز لأسماء النبي صلى الله عليه وسلم، وكتب في ذلك رسالة قال فيها: كل حرفٍ من حروف الهجاء في فواتح السور مَكْنِيٌّ به عن طائفة من أسمائه الكريمة صلى الله عليه وسلم، وأوصافه الخاصَّة، فالألف مكني به عن جملة أسمائه المفتتحة بالألف ك: أحمد وأبي القاسم، واللام مكني بها عن صفاته مثل: لُبِّ الوجود، والميم مكني بها عن محمد ونحوه مثل: مُبَشِّر، ومنذر، فكلها منادى بحرف نداء مقدر بدليل ظهور ذلك الحرف في يس، وهذا الكلام لا يستقيم مع أصول العلم الموثق، وهو أشبهُ بالمواجيد، والتحليقات التي ليس لها أساس معتبر في نصوص الشريعة الصحيحة التي تلقاها العلماء بالقبول .
نظام الأرقام
** هل الحروف المقطعة ترمز إلى قيمة عددية؟
- فسِّرت الحروف المقطعة في القديم والحديث على أنها تدل على قيمة عددية مثل الرموز الجبرية . كل حرف له قيمة عددية . وهناك من يربط هذه الحروف بنظام العدد المسمَّى بحساب الجُمَّل المعروف أبجدهوَّز . وهو قريب من نظام الأرقام الروماني الذي يستعمل حروفاً أبجدية بدل الأرقام الحسابية . ومن هؤلاء أبو العالية، اعتماداً على رواية ذكرها ابن إسحاق في سيرته عن جابر بن عبد الله بن رئاب قال: جاء أبو ياسر بن أخطب، وحُيَيُّ بن أخطب، وكعب بن الأشرف (وهم من زعماء اليهود في المدينة)، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن: الم، وقالوا: هذا أجل هذه الأمة (أي المسلمين) من السنين، إحدى وسبعون سنة . فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم: ص والمر فقالوا: اشتبه علينا الأمر فلا ندري أبالقليل نأخذ أم بالكثير؟
** هل الحروف المقطعة رموز لأسماء الملائكة والأنبياء؟
- بعض الروايات التي تنسب إلى ابن عباس تفسر الحروف المقطعة على أنها إشارة إلى أسماء بعض الملائكة ف: الم الألف منه تدل على اسم الله، واللام تدل على اسم جبريل، والميم تدل على اسم محمدٍ . قال الإمام ابن عربي في كتابه (الفتوحات المكية): اعلم أن جميع الحروف المقطعة أوائل السور ملائكة، وقد اجتمعتُ بهم في بعض الوقائع . وما منهم ملكٌ إلا وأفادني علماً لم يكن عندي فهمٌ فيه وهم من جملة أشياخي من الملائكة، فإذا نطق القارئ بهذه الحروف كان مثل ندائهم فيجيبونه لأنه ثمة رقائق ممتدة من ذواتهم إلى أسمائهم، فإذا قال القارئ (الم) مثلاً، قال هؤلاء الثلاثة من الملائكة: ما تقول؟، فيقول القارئ ما بعد هذه الحروف . فيقولون له: صدقت إن كان خيراً، ويقولون: هذا مؤمن نطق بحقٍ وأخبر بحقٍ . فيستغفرون له! وهكذا القول في (المص) ونحوها . وهم أربعة عشر ملكاً آخرهم (ن) . وهي لا شك أقوال مرسلة لا يقوم عليها دليل من الكتاب والسنة، وقد اهتدى في تمحيص بعض معانيها من هداه الله وخبط فيها الكثيرون خبط عشواء .