المدرسة هي المؤسسة التعليمية ذات المستوى العالي التي يدرس فيها طلاب العلم مواد دراسية معينة ذات مستوى معين على أيدي أساتذة مختصين، واختلف المؤرخون في مبدأ ظهور المدارس، فمنهم من قال إنها ظهرت في القرن الثالث الهجري، ومنهم من أرجع ظهورها إلى القرن الرابع الهجري، ومنهم من اعتبر مدارس نظام الملك التي تعود إلى ما بعد منتصف القرن الخامس الهجري هي أولى المدارس في الإسلام، وبالعودة إلى المصادر العربية نجد ذكراً لمدرسة يعود تاريخها إلى أوائل القرن الثالث الهجري هي المدرسة الحفصية التي أنشأها الإمام أبو حفص الفقيه البخاري في مدينة بخارى، وبقيت تعمل وتستقبل التلاميذ حتى النصف الثاني من القرن الخامس الهجري .
وبعد إنشاء هذه المدرسة نشطت حركة إنشاء المدارس في بخارى وفي بلاد المشرق الإسلامي خاصة في العهد الساماني، ويبدو أن ذلك جاء بتشجيع من أمراء الدولة السامانية، فأقيمت المدارس في بخارى وبلغ ونيسابور وغيرها، ومنها المدرسة التي أقامها الإمام أبو حاتم محمد بن حيّان (354هـ - 965م) في نيسابور عندما حوّل داره إلى مدرسة وحول إليها كتبه التي أوقفها على أهل العلم ورواد المدرسة، إلا أن هذه المدارس كانت ذات طابع شخصي تنفرد بتدريس مذهب واحد وتهتم بعلوم الدين والفقه بالدرجة الأولى .
ويتحدث المقريزي في كتابه المواعظ والاعتبار عن المدارس فيقول إنها محدثة في الإسلام، ولم تكن موجودة زمن الصحابة ولا زمن التابعين وإنما حدث عملها بعد سنة (400هـ - 1009م)، وذكر أن أهل نيسابور أول من بنوا مدرسة في الإسلام فبنيت فيها المدرسة البيهقية .
وشهدت فترة أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الهجري نشاطاً ملحوظاً في استحداث دور العلم وهي المدارس التي كانت تستقبل طلاب العلم، فأنشأ أبو علي بن سوار الكاتب (372هـ - 982م) داراً للكتب في مدينة البصرة كان يتفق على من يقصدها لقراءة النسخ، وكان فيها شيخ يدرس علم الكلام على مذهب المعتزلة . وفي بغداد اتخذ الشريف الرضي نقيب العلويين المتوفى سنة (406هـ) داراً سماها دار العلم فتحها للطلبة وعين من يهيئ لهم كل ما يحتاجون، وأنشئت في مصر دور مشابهة لها كانت مدارس علمية فاشترى العزيز بالله الفاطمي سنة (378هـ - 988م) داراً إلى جانب الجامع الأزهر وجعلها لخمسة وثلاثين من العلماء الذين يعقدون مجالسهم العلمية في المسجد كل جمعة، كما أمر الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله بإنشاء دار سميت دار العلم أو دار الحكمة في مدينة القاهرة وحمل إليها الكتب من كل البلاد، وكان يدخل إليها سائر الناس يقرأون وينسخون ورتّب فيها جماعة من العلماء لتدريس الناس العلوم المختلفة، فكان لها ميزانية خاصة كل عام للإنفاق على حاجاتها من الورق والحبر والأقلام وأجرى على من يعمل فيها الرواتب والأرزاق .
أما الذهبي وابن خلكان فقد اعتبر الوزير السلجوقي نظام الملك هو أول من أحدث المدارس في الإسلام، ويمكن اعتبار هذا الأمر صحيحاً إذا اعتبرنا أنه أول من أنشأ المدارس الرسمية المعروفة بالمدارس النظامية نسبة إليه والتي طبق فيها مبدأ التعليم العام على نطاقٍ واسع، وأمدّ هذه المدارس بكل ما تحتاج إليه من كتب ولوازم وعين لها المدرسين والخدم واهتم بالتلاميذ فهيأ لهم المساكن وأجرى لهم الجرايات، وبدأ بإنشاء نظامية بغداد سنة 457هـ / 1065م، وانتهى من بنائها وافتتحها للتدريس سنة 459هـ / 1067م، وانتشرت المدارس بعد ذلك في بلاد الخلافة العباسية وصار يطلق عليها اسم المدارس النظامية نسبة إلى مؤسسها، فأقام مدرسة في بغداد وأخرى في بلخ ومدرسة في نيسابور ومدرسة بالموصل ومدرسة بهراة ومدرسة بأصبهان ومدرسة بالبصرة ومدرسة بمرو ومدرسة بآمل ومدارس أخرى كثيرة .
وسار نور الدين زنكي على طريق مماثل من حيث الاهتمام بإنشاء المدارس في بلاد الشام، فقرب إليها العلماء وعمل على نشر التعليم وبنى المدارس النورية الكبرى في دمشق سنة 563هـ / 1168م التي زارها الرحالة ابن جبير فأعجب بها وكتب عنها فقال: (من أحسن مدارس الدنيا مظهراً مدرسة نور الدين، رحمه الله، وهي قصرهن القصور الأنيقة ينصب فيها الماء في شاذوران وسط نهر عظيم، ثم يمتد الماء في ساقية مستطيلة إلى أن يقع في صهريج كبير وسط الدار، فتحتار الأبصار في حسن ذلك المنظر . وتشتمل المدرسة على ساحات وقاعات للمحاضرات وغرف للمدرسين واستراحتهم وبيت خاص يسكنه رئيس المدرسين ومساكن للطلبة وخدم للمدرسة وغرفة مطبخ وقاعة للطعام ومخازن وكل ما يلزم المدرسة وروادها) .
ومن المدارس المشهورة المدرسة المستنصرية التي بناها الخليفة العباسي المستنصر بالله في بغداد في القرن السابع الهجري الثالث عشر الميلادي . . وهي من أحسن المدارس في العالم الإسلامي وجعل فيها إيواناً لكل مذهب من المذاهب السنية الأربعة وجراية لكل طالب مقدارها دينار من الذهب مع كل ما يلزمه من مأوى وطعام وشراب، وكانت ملحقة بالمدرسة مكتبة كبيرة تحوي كتباً تشتمل على مختلف التخصصات العلمية والأدبية، كما كان ملحقاً بها مستشفى فيه طبيب خاص بطلاب المدرسة ومعلميها وموظفيها . ويشير ابن كثير إلى أن بناء المدرسة اكتمل سنة 936هـ / 1233م، ووقفت على المذاهب الأربعة من كل طائقة اثنان وستون فقيهاً وأربعة معيدين ومدرس لكل مذهب وشيخ حديث وقارئان وعشرة مستمعين وشيخ طب وعشرة من المسلمين يشتغلون بعلم الطب، ومكتب للأيتام وقدر للجميع من الخبز واللحم والحلوى والنفقة ما فيه كفاية وافرة لكل واحد .
وخطا صلاح الدين الأيوبي خطوات كبيرة في نفس الاتجاه فكان يقوم ببناء المدارس التي تدرس الفقه على المذاهب السنية، فبنى في القاهرة مدارس لأهل السنة وكذلك بنى مدارس في دمشق والقدس وغيرها من مدن الشام ومصر، وبذلك انتشر بناء المدارس في ولايات ومدن العالم الإسلامي حتى أصبحت محجاً لطلاب العلم من كافة أرجاء العالم، فذكر المقريزي أنه كان في مدينة القاهرة ثلاث وستون مدرسة، كما أشار ابن جبير إلى أن عدد مدارس بغداد في القرن السادس الهجري/ الثاني عشرالميلادي ثلاثون مدرسة .
أما مدينة دمشق فاشتملت على عدد كبير من المدارس، فيذكر أنه يوجد فيها ثلاث وستون مدرسة للفقيه الشافعي واثنان وخمسون مدرسة للفقه الحنفي وأربع مدارس للفقه المالكي وإحدى عشرة مدرسة للفقه الحنبلي، إضافة إلى مدارس الطب والرباطات والفنادق والزوايا والجوامع، حيث كانت تلحق بها مدارس يتعلم فيها الطلاب العلم .