يطلعنا المؤلف د. علي معطي في كتابه تاريخ النقود العربية والاسلامية الصادر عن دار نشر المنهل اللبناني ببيروت بأنه حين بدأ الإنسان بتوسيع نشاطه بعد مرحلتي الجمع والقنص والاكتفاء الذاتي برز التخصّص في الإنتاج، وتقسيم العمل بين الأفراد والجماعات، فانفصل الرعي عن الزراعة، واستقلّ الصيد عن صناعة الأسلحة وغيرها، فنشأت الحاجة إلى تبادل المنافع والخدمات، وإلى مقايضة سلع بسلع أخرى. غير أن عملية المقايضة هذه كانت تعترضها صعوبات كثيرة. مما استدعى الناس للبحث عن وسيلة أخرى للبيع والشراء، فتمّ التعارف والاتفاق على اتخاذ سلعة معينة، تُقاس بها قيم البضائع والأشياء والموجودات. وقد تعددت السلع التي استخدمت كنقود بتعدد الشعوب والجماعات. فهناك شعوب كالإغريق استعملت جلد الماشية وخاصة جلد البقر وعظامها وروثها، واستعمل أهل سيلان الأفيال، واستخدم الهنود التبغ، كما استخدم الصينيون المدى والسكاكين والمحار والأصداف المميزة، إضافة إلى الشاي المجفّف الذي استخدم في التيبت أيضاً إلى عهد قريب، وكانت المعادن أكثر انتشاراً بين الناس، وأكثر استعمالاً لتحديد قيم الأشياء والسلع، لأنها لا تتعرض للتلف أو للفساد أو للتعفّن، ويمكن تقسيمها وتفتيتها، ونقلها وحملها بسهولة.
وكان العرب يمارسون نظام تبادل السلع بأوزان المعادن الثمينة كالذهب والفضّة، كأن يدفع المشتري قيراطاً من الذهب مقابل سلعة معينة، وكان هذا النظام، الذي استمر استخدامه في الأسواق حتى العصور الإسلامية، يأتي بالدرجة الثانية بعد المقايضة ويستعمله العرب في البيع والشراء داخل البلاد وخارجها، وتروي الأخبار أن العرب في العهد السومري كانوا يستعملون الذّهب والفضّة في تقدير قيم البضائع، وفي العهد البابلي كان العرب يستخدمون في التجارة، فضلاً عن القمح والشعير، سبائك الذّهب والفضّة وسيلة للتبادل. ولم يغيّر العرب، في العهد الروماني، كثيراً من نظامهم النقدي، بل استمروا يتعاملون في معظم صفقاتهم التجارية بنظام أوزان المعادن الثمينة.
وإلى جانب العرب كانت شعوب أخرى تتخذ من سبائك الذهب والفضة عملة لها. ولكن هذه السبائك لم تكن على درجة عالية من السهولة والمرونة في الاستخدام، لأنها تحتاج كل مرّة إلى وزنها وتقسيمها وتحديد عيارها. ولهذا أخذت النقود الذهبية والفضية التي تسكّها الدول تحلّ شيئاً فشيئاً مكانها.
ومما ساعد على انتشار هذه النقود، وعلى اتساع استخدامها، المزايا التي يتمتع بها معدنا الذهب والفضة، والتي تتمثّل بأنهما يقبلان الطرق والتشكيل بالوزن والحجم المناسبين، وأنهما لا يتعرضان للتلف والهلاك بالصدأ مع مرور الزمن، وأنهما يحملان جاذبية وجمالاً، يشدّان الناس للإقبال عليهما، وإلى غير ذلك من المزايا التي رفعت معدنيّ الذهب والفضة على عرش النظام النقدي حتى أواسط النصف الثاني من القرن العشرين.
وكون النقد هو أداة تبادل بين مال ومال، وبين مال وجهد، وبين جهد وجهد، قام المؤلف بإبراز ما استخدمه العرب خاصة والمسلمون عامة من نقود في تاريخهم الطويل، إن في تعاملهم مع بعضهم بعضاً، وإن في تعاملهم مع غيرهم من الأمم والشعوب. فيشير معطي إلى أنه لم يكن للعرب في العصر الجاهلي سكّة خاصة بهم، ولا نقود تحمل اسمهم ولكن عندما كانوا يتصلون بالأمم المجاورة عن طريق التجارة، كانوا يرجعون إلى بلادهم حاملين معهم دنانير بيزنطية من بلاد الشام ومصر، ودراهم فارسية من العراق، وقطع فضية غير مضروبة ولا منقوشة، يمانيّة ومغربيّة. وكانوا يعبرون عن الذهب بالعين، وعن الفضة بالورق. وكانت تنقش على الدّراهم الفضية صورة معبد النار آتش كاه على وجه، وصورة كسرى واسمه فيها مكتوب بالفارسية على الوجه الآخر. وتنقش على الدنانير الذهبية صورة الملك واسم الذي ضُربت في أيامه مكتوبة بالرّومية على وجه، وصورة الصليب على الوجه الآخر.
أما عن نظرة الإسلام إلى النقود فأشار المؤلف إلى أن الإسلام لم يفرض لمبادلة السلع أو لمبادلة الجهود والمنافع شيئاً معيناً تجري المبادلة على أساسه، بل أطلق الحرية للإنسان بأن يجري المبادلة بأي شيء يراه، ما دام التراضي موجوداً بين الناس في هذه المبادلة. فأباح الإسلام للإنسان أن يشتري قمحاً بشاة، وشاة بسلاح، وسلاحاً بثياب، كما أباح أن يتزوج رجل امرأة بتعليمها القرآن، وأن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يومياً، وأن يشتغل عند شخص يوماً بمقدار معين من اللحم. أما في مجال مبادلة سلعة ما بوحدة معينة من النقد فقد أرشد الإسلام الناس إلى هذه الوحدة النقدية وعيّنها لهم. ويفهم من بعض أحكام الشرع، أن النقد الذي أوجبه الإسلام، هو الذهب والفضة، وعلى الرغم من أن الرسول لم يسك نقوداً خاصة بالدولة التي أنشأها في المدينة، على صفة معينة، إلا أنه عيّن جنس المادة التي يجب أن تضرب منها هذه النقود. ومن الثابت أن النبيّ جعل الذهب والفضة نقداً، سواء أكان مضروباً أم غير مضروب، فقد تكون قطعة الذهب أو الفضة بمقدار الجوزة أو البيضة وبحجميهما، فيتعامل بها الناس. وفي عهد أبي بكر الصديق، الذي خلف النبي صلى الله عليه وسلم في حكم الدولة الإسلامية الناشئة، ظلت الدنانير الرومية والدراهم الفارسية أساساً لمعاملات المسلمين في شبه الجزيرة العربية. فلم يدخل الخليفة الأول على هذه النقود أي تغيير، لا في مصادرها، ولا في أوزانها، ولا في نقوشها، كما أنه لم يقم بسكّ أي نقود إسلامية خالصة. وتجمع المصادر على أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان هو أول من أبطل النقود المضروبة على الطرازين الساساني والبيزنطي، وضرب غيرها، ويُروى أنه ضرب الدراهم الفضية على الطراز الاسلامي الدنانير الذهبية على نفس الطراز في سنة 75 هجرية. وهكذا يتابع المؤلف رصد النقود الإسلامية في ظل الخلفاء العباسيين وصولاً إلى العهد العثماني منتهياً بالنقود اللبنانية في عهدي الانتداب والاستقلال، ثم بإطلالة موجزة على سائر النقود العربية التي صدرت بعد سقوط الدولة العثمانية.