انتفض الأزهر ضد دعاة تزوير الدين وتحريف أحكامه تحت ستار التجديد والتطوير، وأكد مسؤوليته الدينية تجاه قضايا الإسلام والمسلمين، وحذر من محاولات التطاول على الثوابت الدينية تحت شعار التجديد، وأوضح من خلال حشد كبير لعلمائه ومفكريه، برئاسة شيخه د . أحد الطيب، ضرورة التفرقة بين الجهود المخلصة التي يبذلها علماء الإسلام في كل مكان لتجديد الخطاب الديني . . وتلك الدعوات الباطلة التي تحاول المساس بالثوابت الدينية، وتشويه حقائق الإسلام نتيجة الجهل بالدين وعدم الوعي الصحيح بما جاء به من هدات للناس صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان .
أكد الأزهر من خلال مؤتمره التحضيري للمؤتمر العالمي الذي قرر عقده سنوياً لتجديد الفكر والعلوم الإسلامية الذي شاركت فيه نخبة من كبار العلماء والمفكرين والمثقفين والكتاب والإعلاميين، وضع خطوط فاصلة بين التجديد الذي هو لازمة من لوازم دين الإسلام، نبه عليها النبي- صلى الله عليه وسلّم- في قوله: "إن الله يَبعَثُ لهذه الأُمةِ على رأس كل مائةِ سنةٍ مَن يُجددُ لها دِينَها" . . وما يحاول البعض ترويجه من أفكار هدامة باسم التجديد وتنقية التراث من دون وعي بالفرق بين النافع وغير النافع للعصر . . مؤكداً أن التجديد الديني الصحيح لا يعني الإلغاء ولا التبديل ولا التبديد، ولا المساس بالثوابت والمسلمات، ولا إهدار ما بذله المجتهدون عبر القرون، فاجتهادهم يمثل ثروة فكرية معرفية لا يجب تجاهلها . . فالتجديد الرشيد هو ما يتآخى فيه العقل والنقل، ويتفاعل مع المتطلّبات المجتمعية والدولية .
في البداية أكد شيخ الأزهر، د . أحمد الطيب، أن تجديد الفكر الديني أو تجديد الخطاب الديني الذي يدور على ألسنة الكثيرين وأقلامهم في الآونة الأخيرة، يزداد غموضاً وإبهاماً والتباساً من كثرة ما تناولته وسائل الإعلام، بغير إدراك كاف لمفهوم التجديد، وتحديد ما هو الخطاب الذي يراد له التجديد، مشيراً إلى أن الخطاب الديني المتطرف لم يكن وحده أصل الأزمات التي عانى العالم العربي أمنياً وسياسياً في الآونة الأخيرة، كما أنه لم يكن في مقدمة التحديات التي وقفت عائقاً أمام نهضته وتقدمه .
حرية لا مثيل لها
وأشار شيخ الأزهر إلى أن التخبط في الحديث عن تجديد الخطاب الديني قد بلغ مداه عن طريق بعض الأصوات المنكرة التي تنادي بإلغاء الخطاب الديني جملة وتفصيلاً، وفي مقابلها انطلقت أصوات لا تفهم من تجديد الخطاب الديني إلا العودة فقط إلى ما كان عليه سلف الأمة في القرون الثلاثة الأولى، وكلا الفريقين مرفوض فكره وطرحه، لأنهم يهددون سماحة ديننا الحنيف وشريعته التي تأسست على التعددية واختلاف الرأي في حرية لا نعرف لها نظيراً في الشرائع الأخرى .
وأوضح الطيب أن مناهج الأزهر العلمية والفكرية تتسع لكل ما هو جديد ومفيد وعصري، مشيراً إلى أن باب الاختلاف وحرية الرأي والأخذ والرد بين العلماء مفتوح على مصراعيه، وبوحي من هذا المنهج التعددي اتسعت مناهج الأزهر لدراسة المذاهب الفقهية السنية وغير السنية دراسة علمية، لا انتقاص فيها من مذهب ولا إغضاء من شأن أئمته، وبهذا المنظور الذي يتسع للرأي والآراء الأخرى، درس الأزهر للدنيا كلها مذاهب علم الكلام والأصول، وكل علوم التراث النقلي والعقلي، والأزهر وإن كان قد تبنى- منذ القدم - المذهب الأشعري وروجه في سائر أقطار المسلمين، فذلك لأنه وجد فيه العلاج الناجع لأمراضٍ وعلل أصابت الفكر الديني، بخاصة في القرنين الماضيين، بسبب فرض المذهب الواحد والرأي الواحد الذي قضى على مكمن القوة في أمة الإسلام ووضعها في ذيل قائمة الأمم، ومع تمسك الأزهر وعلمائه بالمذهب الأشعري فإنه يفسح المجال واسعاً لكل المذاهب الكلامية الأخرى، وينظر إليها بحسبانها مذاهب إسلامية تستظل بظلال الإسلام الوارفة .
معوقات نهضة الأمة
وأوضح شيخ الأزهر أن جماعات التكفير التي انطلقت في عالمنا العربي والإسلامي منذ حقبة من الزمن أعاقت تقدمه ووقفت في طريق نهضته، وقال: لقد اتصل المسلمون بالغرب منذ أكثر من قرنين من الزمان وكانت هذه الفترة كافية ليقظتهم، ولوقوفهم الآن في مصاف دول كاليابان وغيرها من الدول التي نهضت بعد نهضة العالم العربي، ولكن ماكينة التكفير والإقصاء والجدل الكريه - التي لم تتوقف آثارها المدمرة حتى اليوم - لم تترك لمفكري العرب ومثقفيهم وعلمائهم فرصة هادئة تمكنهم من الانكباب على ترسيخ ثقافة تدفع بأوطانهم إلى مكانة لائقة بأمة تختزن أراضيها ثروات يحسدها عليها العالم، وتمتلك من الطاقة البشرية ما يمكنها - لو أرادت - من استثمار هذه الثروات . وأشار الطيب إلى خطورة استمرار عبث تضييع أوقات المسلمين واستهلاك جهدهم وطاقاتهم في موضوعات جدلية مثل الزواج من الطفلة الصغيرة التي لم تبلغ الحلم، أو البحث في بطون الكتب القديمة لاستدعاء حد الردة، وغير ذلك من الإشكاليات التي تستهدف تشويه التراث الإسلامي كله من دون تمييز بين النافع وغير المفيد منه لواقع المسلمين الآن . وطالب بضرورة الاتفاق على مفهوم عصري للتجديد ينطلق من خلاله العلماء إلى إمعان النظر في نصوص القرآن والسنة والأحكام الفقهية وإعادة قراءتها قراءة ملتزمة بكل القواعد التي حرص أئمة التفسير والحديث والأصول، بهدف تحديد الموقف الشرعي من القضايا المعاصرة الملحة التي تتطلب حلاً شرعياً يطمئن إليه العلماء والمتخصصون .
ثورة في التفكر
من جانبه أكد المفكر الإسلامي د . محمود حمدي زقزوق، عضو هيئة كبار العلماء ضرورة أن ينطلق العقل المسلم ليقوم بواجبه في البحث والدراسة والتجديد في مختلف مجالات الحياة وليس في المجال الديني وحده، مشيراً إلى احترام الإسلام للعقل .
وأوضح د . زقزوق ضرورة دعم البحث العلمي في مختلف المجالات الدينية بما يؤكد الاحترام والتقدير لجهود الباحثين، فالإسلام في حقيقته ثورة في التفكر والبحث، والفكر متغير ومتجدد ولا حدود له . . ولذلك دعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى التجديد الدائم للفكر الإسلامي من خلال حديثه الشهير، وحدد آلية لهذا التجديد، وهي الاجتهاد، مضيفاً أن الأمة الإسلامية شهدت ازدهاراً حضارياً غير مسبوق في القرون الأولى بفضل اجتهادات علمائها، ولو استمر الخط البياني لهذا التقدم لكان المسلمون اليوم في مقدمة العالم، ولكن العالم الإسلامي انتكس علمياً واجتماعياً ودينياً أيضاً، ولا بد من تكاتف جهود علماء الأمة للنهوض به وتجديد فكره .
الاقتراب من الناس
وقال المفكر الإسلامي د . أحمد كمال أبو المجد، عضو مجمع البحوث الإسلامية، إن تجديد الإسلام شيء وتحريفه وتزويره وتشويه حقائقه شيء آخر . . فالأول مطلوب ومفروض ولا بد أن يقوم به العلماء المؤهلون القادرون على التجديد . . والثاني وهو التحريف والتزوير مرفوض من علماء الأمة بل من كل مسلم بسيط حريص على دينه . . وبالتالي لا بد من الوقوف بصلابة في وجه المزورين والمحرفين .
ودعا د . أبو المجد علماء ودعاة الإسلام إلى الاقتراب أكثر من الناس ومناقشة مشكلاتهم وبيان هدي الإسلام فيها، لأن العزلة عن الناس هي التي دفعت بعض شبابنا إلى اللجوء إلى المتطرفين والمتشددين .
وقال: الذين يتصدرون الدعوة الإسلامية، يجب أن يكونوا قريبين من الناس، يتصفون بالبساطة والمرح، حتى يكونوا مقبولين . مضيفاً أن التطرف والتشدد في التعامل، ظهر في الفترات الأخيرة نتيجة عزلة العلماء والدعاة ما تسبب في تقديم صورة سيئة للإسلام .
مشروع جديد
وأكد د . علي جمعة- عضو هيئة كبار العلماء، مفتى مصر السابق- أن الأمة بحاجة إلى مشروع للتجديد يستند إلى الواقع، وقد بدأت ملامح هذا المشروع في القرن الحادي عشر، على يد عبد القادر البغدادي، الذي كان يرى أن اللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، فكان مشروعه قائماً على اللغة العربية، ثم رأى المفكرون بعد ذلك أن اللغة وحدها لا تكفي، بل لا بد من تدريب العقل على التوثيق، ثم جاء حسن العطار ليتحدث عن قضية العدالة الناجزة وقضية عمارة الأرض . وأضاف: نحن الآن في حاجة إلى مشروع جديد، وهذا يفرض على علماء الأمة ومفكريها إدراك مشكلات الواقع وتحدياته، وآفاق المستقبل كما يجب تحرير معنى الإجماع، والاهتمام بالعلوم، ومراعاة اللغة والمصطلحات والدلالات المختلفة، وإدراك أن الخطاب الديني هو جزء من كل، مؤكداً أننا نحتاج إلى برامج في التربية والتعليم والقضاء، وفي المجالات كافة .
خلل شامل
وأوضح المفكر العلمي د . أحمد فؤاد باشا- النائب السابق لرئيس جامعة القاهرة، عضو مجمع اللغة العربية - أنه من الخطأ تسليط الضوء على تجديد الخطاب الديني فقط من دون سائر أنواع الخطابات التي تحتاج هي الأخرى إلى إصلاح وتطوير وتقنية، بعد أن أصابها الخلل والضعف والتلوث، مؤكداً أن الأمة بحاجة ماسة، وبنفس الدرجة، إلى تطوير الخطاب التربوي والتعليمي، وإلى ترشيد الخطاب الثقافي والفكري، وإلى مراجعة الخطاب العلمي والسياسي، وإلى تنقية الخطاب الفني والإعلامي، فنحن بحاجة ماسة لأن يشهد واقع الأمة المتردي تجديداً واعياً ومدروساً للخطاب الحضاري بكل أنواعه، وربطه بمواجهة تحديات العصر، واستشراف المستقبل .
وأشار د . باشا إلى أن غياب الخطاب العلمي، أو ضعفه، تأصيلاً ومعاصرةً، ظاهر سلبية في ثقافتنا العربية الإسلامية التقليدية، التي تختلط فيها التصورات الشعبية بالأفكار الدينية والحقائق العلمية، ولقد تجاوزها الفكر العلمي المعاصر وأصبح تجديدها ضرورة حتمية من ضرورات التجديد الحضاري وبناء مجتمع المعرفة والمهارة، انطلاقاً من أهمية العلم ذاته كعنصر أساسي في حياتنا المعاصرة، بحيث لم يعد هناك أي نشاط إنساني إلا ويعتمد على العلوم وتقنياتها في تطويره والإسراع بإيقاع حركته .