كانت تجربة سعد مع أمه حمنة بعد إسلامه وترك عبادة الأوثان، شديدة ومرة . إذ أنفذت حمنة تهديدها لسعد رضي الله عنه حتى يعود عن الإسلام . فصامت عن الطعام والشراب تماماً حتى أشرفت على الهلاك . فأخذه بعض أهله ليراها بعد أن هجر الدار، لعله تأخذه الشفقة عليها، فيستجيب لرغبتها . فذهب إليها سعد فرأى مشهداً رهيباً . ولكن صلته بالله كانت أعمق، فصاح بها قائلاً: والله يا أماه لو كانت لك مئة روح (وفي رواية لو كانت لك سبعة أرواح) فخرجت واحدة إثر أخرى، ما تركت ديني . فكلي إن شئت أو لا تأكلي .

ولما رأت حمنة إصرار ابنها على الإسلام، عادت للطعام . ويروى عن سعد قوله: #187;عدت يوماً إلى البيت، فوجدت أمي تصيح على الباب: ألا من أعوان يعينونني على سعد من عشيرتي، أو من عشيرته فأحبسه في بيت حتى يموت أو يدع هذا الدين#171; . ويقول سعد: #187;لقد رجعت وابتعدت عن بابها وعن دارها، حتى لا أصطدم بها . ثم بعثت لي، فرجعت . فكانت تلقاني مرة بالهدوء ومرة بالهجوم والشر#171; . فكانت حياة سعد مع أمه حمنة الأموية قطعة من العذاب لأجل إسلامه .

رابع المسلمين

كان سعد بن أبي وقاص من السابقين الأولين إلى الإسلام الذين وافقت الدعوة النبوية الشريفة منهم قلوباً واعية مطمئنة، فبادروا لقبولها مبادرة الظمآن للماء والعليل للدواء . ولأن النفس الحساسة من طبعها أن تتململ من الشرك وتتألم من عبادة الأوثان، فإنها تترقب نوراً ينقشع عنه ظلام الشرك، ومعيناً بل مساعداً فاعلاً، يسهم في تمزيق غشاء الحيرة وبلبلة الفؤاد، حتى تبصر سبيل النجاة من متاعب الحياة الوثنية وتقتنع باطراح الآثار والآصار الجاهلية عنها . ولهذا نرى أن سعد بن أبي وقاص، سرعان ما طرق سمعه داعي الإسلام والسلام، فكان رابع أربعة في الإسلام، اجتمعوا مع النبي سرّاً في شعب أجياد وهم: زيد بن حارثة وعلي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق . وهو الذي قال فيما ذكرنا: #187;وبلغني أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام مستخفياً . فلقيته في شعب أجياد، وقد صلى العصر . فأسلمت . فما تقدمني أحد إلاّ هم#171; .

ونحن لا نعجب من مبادرة سعد بن أبي وقاص إلى الإسلام، خصوصاً بعدما استبان طريق الخير من الشر، وبلغ رشده في ذلك مبلغاً عظيماً، فدفعه صفاء وجدانه إلى التملص من شراك الشرك وحبال الوثنية، وإنما نحن نعجب من الإسلام نفسه، هذا الدين الجديد الذي ما دخل قلباً إلاّ تمكن منه تمكّن الروح من الجسم . وقد رسا في قاع روحه، رسو الجبال الراسيات فوق الأراضي المهاد . ولهذا كان من المستحيل أن تدركه العواصف أو تسطو عليه الرغائب والأغراض، شأنه في ذلك شأن من تابع الطريق إلى الله جل شأنه من المسلمين الأوائل .

والواقع أن ما أصاب أهل الدعوة الإسلامية عند بزوغ بشائرها الأولى من أذى المشركين والحاقدين، وما عانوه من أنواع الشدائد، بسبب تمسكهم بعروة الإسلام الوثقى، والتفافهم حول صاحب الدعوة والشريعة، الرسول الطاهر الأمين محمد صلى الله عليه وسلم لما يجعلنا نندهش من إرادة الصمود المعنوي والجسدي والنفسي، بحيث ما كان لأحد أن يستطيع دفعهم عن الورود إلى حوض الشريعة والإسلام، مهما كان جبروته، ومهما كانت عظمته .

الصبر على المكاره

وسعد بن أبي وقاص، كان من هذه الفئة الصلدة من المؤمنين . فلم يمنعه عن المضي في سبيل الهدى والرشاد مانع . ومن هذا القبيل ما روي عنه . قال: #187;كنت رجلاً براً بأمي . فلما أسلمت قالت: يا سعد ما هذا الدين الذي أحدثت؟ لتدعن دينك أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي . فقال لا تفعلي يا أمي، فإني لا أدع ديني . قال: فمكثت يوماً وليلة لا تأكل . فأصبحت وقد جهدت . فقلت: والله لو كانت لك ألف نفس، فخرجت نفساً نفساً، ما تركت ديني هذا لشيء . فلما رأت ذلك أكلت وشربت#171; . ونزلت فيّ هذه الآية: (وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم، فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً) .

وروى ابن الأثير في كتابه #187;أسد الغابة#171; نقلاً عن ابن إسحاق: #187;كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا صلوا، ذهبوا إلى شعاب مكة، يستخفون بصلاتهم من قومهم . فبينما سعد بن أبي وقاص، في نفر من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في شعب من شعابها، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين . فناكروهم وعابوا عليهم دينهم، حتى قاتلوهم، فاقتتلوا . فحمل سعد على رجل من المشركين فضربه بعظمة جمل، فشجه . فكان أول دم أريق في الإسلام#171; . ولا شك أن الصحابة الأولين، كان لهم من مثل هذا أخبار كثيرة، وهي تدل على صبرهم على المكاره، وتحملهم ضروب الإهانة من المشركين، وذلك وفاء بعهد عاهدوا اللّه ورسوله عليه، وضناً بإيمان يملأ صدورهم، يهون كل شيء في سبيل جعله في الحفظ والصون .

وكان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه من خيرة أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، وقد صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم صحبة مخلصة . فكان مخلصاً في إيمانه . وجاهد بين يديه جهاداً يشهد له بعظيم حبه وتفانيه بين يديه . وهو الذي دفع بروحه وماله وقوة ساعده وخبرته الحربية والعسكرية في سبيل الإسلام . فما كان يدخر شيئاً إلاّ لوجه اللّه تعالى، ولرسوله الكريم محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب الذي ألقى في نفسه محبة الإسلام والاندفاع في سبيل نصرته .