أكد عدد من علماء الإسلام وخبراء الاقتصاد والأطباء أن تحريم الإسلام بعض الأطعمة والمشروبات ليس أمراً عشوائياً، وإنما حماية لصحة الإنسان من الأمراض، ولماله من الضياع، مشيرين إلى أن العلم الحديث أثبت توافق الطب مع كل تعاليم الإسلام فيما يتعلق بما حرمه من مأكل أو مشرب، فضلاً عن أن الأطعمة والأشربة المحرمة ترفضها الفطرة السوية التي تأنف التعامل مع الخبائث أكلاً أو شرباً .
في البداية توضح الدكتورة زينب الأشوح، رئيسة قسم الاقتصاد بكلية التجارة للبنات في جامعة الأزهر أن الشريعة الإسلامية اهتمت بغذاء الإنسان وجعلت له قوانين واضحة وآداباً مفصلة تهدف إلى بناء جسد سليم ليعيش الإنسان عيشة متوازنة ويمارس دوره في تعمير الأرض بكل نشاط حلال، ولا يمكن أن يتم هذا إلا إذا أحلت له ما يصلح لغذائه بشقيه الطعام والشراب، ولهذا أباح الإسلام لأتباعه تناول الأطعمة والأشربة طاهرة الأصل، والتي لا بد منها ليتغذى بها الإنسان ويحصل على منافعها، والحكمة من إباحتها اشتمالها على عناصر غذائية ضرورية لجسم الإنسان حيث تكسبه مناعة قوية وصحة جيدة من خلال البروتينات والفيتامينات والنشويات والأملاح المعدنية ليصبح قادراً على أداء وظائفه في الحياة .
وتشير د . الأشوح إلى أن تحريم بعض الأطعمة والأشربة يهدف إلى الحفاظ على العقل الذي به تتم عبادة الله وعمارة الأرض، وقد حرم الإسلام كل ما يعطل هذا العقل كالخمر والمخدرات، كما أكد الحفاظ على النفس بما يستدعي تحريم كل ما يحدث الضرر بها، كالأمراض التي تشكل خطراً على حياة الإنسان إذا أكل لحم الخنزير وغيره من الأطعمة الضارة .
وتستطرد: وإذا حافظ الإنسان على صحته واتخذ عوامل الوقاية من الأمراض الناتجة عن الأطعمة المحرمة، كالدم المسفوح الذي يعد أنسب مكان لانتشار الجراثيم ونموها، أو الميتة حيث يتعفن الجسم عند انحباس الدم في الشرايين؛ فإنه بهذا يستطيع أن يحمي نفسه واقتصاد بلده من الآثار المدمرة للأطعمة والمشروبات المحرمة .
أم الفواحش
وفي السياق ذاته يعرف الدكتور محمد مختار جمعة، الأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية في جامعة الأزهر المسكر المحرم بأنه كل ما ذهب بعقل الإنسان وجعله لا يدري ماذا يفعل سواء كان من الخمر أم غيره من أنواع المخدرات، وقد جاء الحكم الشرعي بتحريم الخمر بوجه عام، وهو سائل أعد بطريق التخمير فتحول إلى كحول وأصبح مسكراً لمن يتناوله، سواء تم إعداده من العنب أم من البلح أم من العسل أم من الشعير أم من أي نوع من أنواع الحبوب والفواكه، فقال صلى الله عليه وسلم: كل مسكر خمر وكل خمر حرام، أما إذا لم يختمر فلا شيء في شربه، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب النبيذ قبل أن يختمر، وأجاز شرب العصير قبل اختماره .
وعن السبب في تسمية الخمرة أم الفواحش، يقول د . جمعة: لم تقتصر التسميات المنفرة لها على ذلك وإنما منها أيضاً أكبر الكبائر لأنها تذهب بعقل الإنسان فتدفعه إلى ارتكاب كل الأفعال المحرمة حتى إن الأمر قد يصل إلى نطق كلمات الكفر والقتل والزنى وهو لا يدري، ولهذا حرم الإسلام تناول الخمر الكثير منها والقليل، وذلك بأن وضع قاعدة ذهبية حاكمة لهذا الأمر، وهي أن ما أسكر كثيره فقليله حرام .
ويوضح أنه يكفي وصف الله سبحانه وتعالى الخمر بأنها رجس من عمل الشيطان وأمرنا باجتنابها فقال: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون، ومن المعلوم شرعا أن من يستحل الخمر منكرا تحريمها يكفر، ويصبح خارجاً عن الملة؛ لأنه أنكر تحريما جاء بنص ثابت وصريح .
ويقول: لم يشدد الإسلام في عقوبة بذم كل المشاركين فيها مثلما فعل مع الخمر فلم يكتف بتحريم شرب قليلها وكثيرها فقط، وإنما لعن رسول صلى الله عليه وسلم كل من أسهم فيها ولو بالجهد القليل فقال: لعن الله في الخمر شاربها، وساقيها، وبائعها، وعاصرها ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، وحرم الإسلام على أتباعه بيعها أو شراءها مهما كان المبرر، بل إن أحد المسلمين إذا أتلفها فلا ضمان عليه؛ فإذا رأى المسلم خمراً فسكبها فليس عليه دفع ثمنها، مؤكداً أن الإسلام ينظر إلى الخمر ولحم الخنزير على أنهما من النجاسات المغلظة، قال أبو ثعلبة الخشني: يا رسول الله، إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر فقال رسول الله إن وجدتم غيرها فارحضوها أي اغسلوها بالماء وكلوا واشربوا . . لافتاً إلى أن الحد يقام على من شربها، وحد شارب الخمر ثمانون جلدة، وقيل أربعون جلدة، فقد روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بالجريد والنعال .
شروط إقامة الحد
ويؤكد د . جمعة أن الإسلام وضع شروطاً لإقامة حد الخمر، حتى لا يكون هناك ظلم في تطبيق الحدود، وأهمها أن يكون الشارب عاقلاً بالغاً مختاراً عالماً بأن ما يتناوله مسكر أو خمر محرم، فإن كان حديث عهد بالإسلام وشرب الخمر من دون أن يعرف أنها محرمة فلا حد عليه، ولكن يجوز شرب الخمر في حالة الاضطرار، كأن يوشك المرء على الموت من العطش ولا يجد غيرها أمامه فيشربها ليبقي على حياته، ويثبت الحد بإقرار الشارب أو اعترافه أو بشهادة رجلين يعرف عنهما التقوى والصدق، وتقاس على الخمر كل أنواع المخدرات من أفيون وحشيش وغيرهما، وهي جميعاً محرمة ولا يحل للمسلم أن يمتلكها أو يزرعها أو يتاجر فيها، ومالها حرام وربحها حرام .
ويكشف د . جمعة عن أن الخمر محرمة في اليهودية والمسيحية، كما هي محرمة في الإسلام، ولذلك يرى بعض الفقهاء انه يجب أن يقام حدها على المسلم، وعلى غير المسلم من أهل الكتاب الذين يعيشون في بلاد المسلمين، مؤكداً أنه لا يجوز التداوي بها، فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الخمر فنهاه، ثم سأله فنهاه، فقال له: يا نبي الله، إنها دواء، قال النبي: لا، ولكنها داء . وأكد المعنى نفسه بقوله إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا، ولا تتداووا بحرام .
الأطعمة المحرمة
أما الدكتور طلعت عفيفي، العميد السابق لكلية الدعوة الإسلامية جامعة الأزهر فيؤكد أن الإسلام أحل الأطعمة المباحة في حين حرم أكل الأطعمة الضارة حماية للإنسان من الأضرار الصحية، فقال الله تعالى: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض، وتأكيداً على أن الطعام الحلال فيه طاعة لله يستحب أن يبتدئ الإنسان في الأكل والشرب بالبسملة، مشيراً إلى أن الله لم يحرم من الأطعمة إلا ما يضر، ومنها لحم الخنزير الذي حرمه تحريماً قطعياً فقال تعالى قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس، ومن رحمة الله بنا وتيسيره علينا أنه أباح لنا أكل الطيبات ولم يحرم علينا إلا الخبائث فقال سبحانه ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث .
ويقول: نحن لا نشك لحظة في أن الخنزير حيوان خبيث قذر؛ وأن في أكله إضراراً بالإنسان من حيث إنه يعيش على الأوساخ والقاذورات، وهو ما تأباه النفس السوية وتعافه وترفض تناوله، لما فيه من إخلال بطبع الإنسان ومزاجه السوي الذي خلقه الله عز وجل فيه، وصدق الله العظيم إذ يقول إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم .
وعن أنواع الأطعمة المحرمة يقول عفيفي: منها ما هو أعيان نجسة مثل الدم والغائط وما أشبه ذلك من المواد التي نص الشرع عليها، ومنها أطعمة متنجسة وهي كل طعام تلوث بشيء من النجاسات السابقة ولم يمكن تطهيره، ومنها ما يلحق الضرر كالسموم والطعام المتفحم وغيره، مضيفاً: من المحرمات كذلك الحيوانات المفترسة التي تتغذى على الحيوان كالضبع والأسد والذئب وغيرها، وكذلك المفترسة من الطيور مثل النسر وغيره، أو كانت من حيوانات البر مثل كل ما له أنياب، ومنها ما يدخل تحت الأعيان النجسة كالكلب والحيوانات التي تنمو على أغذية غير نظيفة، وكذلك الميتة من كل الحيوانات لأنها إذا نفقت وبقي الدم فيها واحتقن تسممت فإذا أكلتها بدمائها حصلت الأضرار القاتلة، ويباح حيوان البحر كله، إلا التمساح لأنه ذو ناب يفترس به، والضفدع لأنه مستخبث، وحية الماء لأنها مستخبثة، وهنا لابد من الإشارة إلى أن جميع الأطعمة والأشربة التي حرمها الإسلام أثبت الطب الحديث أضرارها البالغة على الإنسان .