من البدع التي تسللت إلى عقول بعض المسلمين بدعة تحضير أرواح الموتى والتعامل معها، وما يرتبط بهذا من إمكانية معرفة مكان الروح أو القدرة المزعومة على السيطرة عليها أو الحديث معها، وما يقال عن تزاور أرواح الموتى أو سماع الأحياء للموتى في القبور أو غير القبور .

وخطورة هذه البدعة أنها اقتربت من مجال العقيدة والإيمان، وفتحت مجالاً واسعاً للخيالات والتصرفات في مجال الغيبيات المثير بطبعه للإنسان، ما أوقع البعض في شبهات شرعية قد تخرج بعض أصحابها عن التوحيد الصحيح . وقد ظهرت بدعة تحضير الأرواح بشكل مباشر بسبب غموض عالم الروح وولع البعض بمعرفة ماهية الروح وما يدور في عالم الغيب .

يقول الدكتور علي السبكي أستاذ الدعوة في كلية أصول الدين في جامعة الأزهر: رأينا بدعة تحضير الأرواح تنشأ لسببين رئيسين يرتبطان ببعضهما، الأول: جو المادية والإلحاد الذي ينكر الروح والغيب معا، وبالتالي يزعم أنه قادر على تطويع الروح، وإحضارها كما في الأمور المادية، أو جو الخرافات والتقليد الذي يردد ما يقوله الآخرون من دون إدراك إيماني أو عقلي . ومن العجيب أن هذه الفكرة وجدت في بيئات الوثنية والخرافة باسم التدين كما في الحضارتين الفرعونية والفارسية، ووجدت في بيئات المادية والغرور العقلي كما حدث في القرن الثامن عشر الميلادي في أوروبا، حيث برزت فكرة تحضير الأرواح تحت دعوى التجريب وبهدف تأكيد إنكار ما هو غيبي . وتبدو عناصر هذه البدعة في الآتي:

قدرة البشر على السيطرة وإحضار أرواح الموتى .

الأرواح ترسل للأحياء تصورا عما يحدث في عالم البرزخ والغيب والحساب .

استلهام عالم الروح لمعرفة بعض الأحداث بل وبعض شؤون السياسة والحكم فضلا عن مصائر الشعوب والحلال والحرام .

الروح من أمر ربي

وفي كشف أوجه الخطر في هذه المقولات ينبغي التأكيد على الحقائق الشرعية الثابتة في هذا المجال .

فالحقيقة الدينية والواقعية الكبرى كما يضيف الدكتور السبكي أن الإنسان مادة وروح: إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين . فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين . وأن الروح سر عجيب من أسرار الله في خلقه: ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا . وأن الروح عندما تفارق جسد الإنسان لا يعرف أحد مكانها، وليس في مقدور بشر أن يبحث أو يتحسس أو يخمن في مكان الروح بعد الموت، وأن كل الاجتهادات التي تطرح في هذا المجال لا تعدو إلا أن تكون حديثا في الغيب وعن الغيب دون دليل شرعي أو عقلي واحد .

وتدل النصوص الشرعية التي وردت في هذا، بشكل واضح على أن أحدا لا يعرف مصيرها، وعلى فرض وجود صلة للميت بروحه فهي صلة توضح التكليف الشرعي بسؤال الميت وجوابه، وإحساسه بالحساب، كما في قوله تعالى: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون وهي صلة غير مباشرة ليس معناها وجود الروح في الجسد كما في الدنيا، بل هي صلة تعلق تدل على إحساس الشهيد بمتعة الحياة الغيبية التي افتقدها في الحياة الحسية التي شاهدناه فيها .

ويرى الدكتور علي السبكي أن حديث البعض الواهن عن تحضير أرواح الموتى، فضلا عن عدم شرعيته وواقعيته، لا يعدو إلا أن يكون تعاملاً مع الجن، وهذه المسألة تؤخذ في سياق أنه تعامل غير مشروع مع الجن، مع أنه تعامل مع من لا يملك ضراً ولا نفعاً ولا يعرف غيباً ولا يقتدر على فهم الأحداث والوقائع، والتعامل مع الجن من حيث المبدأ، رغم إمكانيته، لعدم وجود ما يمنعه، أمر محفوف بالمخاطر، ولا علاقة له بما يدعيه البعض من تحضير الأرواح، كما أنه قد يصبح عملا محرما إذا استخدم في الأذى أو الادعاء بمعرفة الغيب سواء من الإنس نفسه أو من الجن نفسه .

الغيب لله وحده

إن أمر الغيب وأحداثه، وأمر الروح ومصيرها، بيد الله وحده، ولم يعط الخالق أمر الغيب لأحد لا من الإنس أو من الجن، ولا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا الأولياء . يقول الحق: عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول . أي أن الجزء الاستثنائي الخاص يكون للرسول في أمر الوحي وينتهي بانتهاء الوحي وموت الرسول، ولهذا قرر القرآن القاعدة على لسان محمد عليه السلام: قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب . وقوله تعالى: ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون .

وهذا الإيمان نفسه نتعامل به مع الجان، رغم مقدرته الخاصة عند التعامل معه، وفي قصة سيدنا سليمان عليه السلام ما يؤكد هذا، يقول الحق: فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين .

وعلى العموم هذا هو إيماننا: قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله .

أحوال أهل القبور

ويؤكد الدكتور رشدي شحاتة أستاذ الشريعة بحقوق حلوان على خرافة تحضير الأرواح ويحذر من كثير من المقولات المعيبة التي تتردد في هذا السياق وترتبط بعالم ما بعد الموت .

ويقول: من المؤسف أن عالم الروح وخاصة ما بعد مرحلة الحياة قد خالطه كثير من المفاهيم الخاطئة، وأنا قد أتفهم أن هذه المفاهيم قد تنتشر بين بعض أهل الوثنيات أو بين بعض أهل الإلحاد أو وسط العامة والجهال، ولكن لا يمكن أن أتفهم وجود بعض هذه المفاهيم وسط المجتمع المسلم، لأن عقيدة التوحيد واضحة بل شديدة الوضوح، ولأن عالم الغيب أورده القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة الإيراد المناسب له، فالله قدم للبشرية هذا العالم تقديما يتناسب مع طبيعته وأمرنا أن نؤمن به إجمالا دون تفصيل وحذرنا من الخوض فيه دون علم .

ولهذا لا يصح أن نتوقف كثيرا عند تفاصيل ما بعد الموت، ولا أن ندعي ما قد يدعيه البعض من إمكانية التعامل مع روح الميت بما ليس عليه دليل من شرع أو دين أو عقل .

ويقول الدكتور رشدي: من المهم أن نوضح هنا بعض المفاهيم الشرعية التي يؤسس عليها البعض تجاوزاتهم، كاطلاع بعض الأحياء على حال بعض أهل القبور، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع .

وما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين يعذب من فيهما بسبب النميمة وعدم الاستبراء من البول وأنه صلى الله عليه وسلم وضع جريدا على القبرين لعل الله أن يخفف العذاب عنهما . وهذه الروايات التي تشير إلى إحساس الميت بالزائر ورد السلام عليه . . وكل هذا ليس فيه إيحاء بفكرة تحضير الأرواح ولا ادعاء معرفة ما في الغيب من أحداث بسبب السيطرة المزعومة على هذه الأرواح .

موعظة إيمانية

وكما هو واضح في هذه الأحاديث فإن الأمر كله مردود لمشيئة الخالق، كما أنها مزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يخبر بها قومه المؤمنين به، كما أنه أمر متعلق بالحي المؤمن الذي قد يستشعر ما عليه الميت من حال، وليس متعلقا بروح الميت أو التعامل معها . . أي أنه موعظة يسوقها الإسلام للمؤمنين . ولهذا عندما تحدث العلماء عن هذا الأمر قالوا إن تصرف الموتى عندئذ بأمر الله . يقول السيوطي: الأرواح مأذون لها أن تتصرف وتأوي إلى محلها من عليين أو سجين .

ويخلص الدكتور رشدي شحاتة إلى التأكيد على رفض الإسلام لادعاء تحضير الأرواح أو التعامل معها أو استلهام بعض الأحداث أو الغيبيات عن طريقها .

والمطلوب من دعاة الإسلام في هذا الأمر أن يعرضوا حقائقه من خلال النصوص الشرعية الواضحة وأن يقاوموا رغبة الإنسان في الولوغ إلى المجهول والغيبيات، إذ كثيراً ما تقود البعض إلى الخرافات، كما أن عليهم أن يركزوا اهتمامات المسلم على عالم الشهادة وحقائق العقيدة وثابت الشريعة إذ هذه هي أصول الإسلام وفروعه، وأن يقاوموا بعض الخرافات التي يستجلبها البعض من غير المسلمين الذين ليست لهم إجابات شرعية عما يجول في عقل الإنسان من تساؤلات حول عالم الغيب والشهادة .