إعداد: إبراهيم باهو
لم يلزم البولندي فلاديمير اومانيتس سوى بضع ثوان لتشويه لوحة "بلاك أون مارون" للرسام الأمريكي مارك روثكو، بالحبر أثناء عرضها في متحف "تيت" للفنون في العاصمة البريطانية لندن في أكتوبر/تشرين الأول 2012 .
وعلى الرغم من أن الضرر الذي لحق باللوحة كان كبيراً، استطاع فريق من المختصين في المتحف إزالة التشوه باستخدام أحدث التقنيات والطرق العلمية في مجال ترميم اللوحات الفنية القديمة .
وكان الفريق قد اعترف بأنه واجه صعوبة في عملية الترميم، لكون لوحات روثكو تتألف من طبقات معقدة من الألوان الزيتية والصبغات والغراء ومادة "الرتنج" الصمغية .
عمل الفريق المختص لإصلاح اللوحة لمدة تسعة أشهر حتى تمكن من ترميمها جراء الضرر الذي سببه اومانيتس، هذا ما تحدثت عنه برونواين اورمسباي مديرة قسم الترميم في معارض متحف "تيت" بقولها: "وجدنا خلال عملية الترميم التي استغرقت وقتاً طويلاً صعوبة الرسم بأسلوب الرسام روثكو" .
خلال العملية تم تعريض اللوحة للكحول البنزيلي وحمض "لاكتيك الإيثيل" وتمت دراسة اللوحة لشهور لمعرفة الطريقة المثلى للتخلص من الضرر الذي لحق بها وتقول اورمسباي عن ذلك "أحد أهم التحديات التي واجهتنا خلال عملية الترميم كانت في استخدام "روثكو" عدداً من المواد الكيميائية لإعطاء اللوحة تأثيرات مشرقة" . وعلى الرغم من إزالة التشويه الذي تسبب به البولندي إلا أنه في ظل تعريض اللوحة للضوء يمكن مشاهدة آثار الكتابة عليها .
غالباً ما تتعرض اللوحات والأعمال الفنية والتماثيل القديمة إلى تغيرات وأضرار مختلفة، ولا تزال التقنيات المستخدمة في الحفاظ عليها وترميمها ليست بالكافية، فالأصباغ تتشوه وتتصدع واللوحات الزيتية تتشقق بعد قرون من الزمن، إضافة إلى أن الرسومات الحالية باتت تستخدم دهانات غير زيتية، ما يجعل عملية ترميمها باهظة الثمن .
علمية ترميم الرسومات والتحف الفنية القديمة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعلم، فهي تجرى في مختبرات خاصة، وبالاعتماد على تقنيات وأجهزة مختلفة لدراسة ومعالجة الأعمال الفنية، وتلجأ هذه المختبرات إلى استخدام المواد الكيميائية والاعتماد على التحاليل العلمية من خلال المجاهر و"المطاييف" ومختلف أنواع أنظمة الأشعة السينية وذلك لفهم الأشياء ومكوناتها بشكل أفضل .
من المواد الكيميائية المستخدمة في عملية الترميم "الكروماتوغرافيا" أو "الاستشراب الغازي" وتأتي هذه الطريقة لفصل مزيج من الغازات، وفيها يتم تبخير العينة المراد تحليلها . و تعتبر "الكروماتوغرافيا" الغازية طريقة فعالة لكشف المركبات العضوية القابلة للتطاير ومزيجاً غازياً من مركبات لا عضوية مختلفة و هي تقنية مفيدة اكتشفت أول مرة عام للميلاد حيث أدخلت فيما بعد كأداة أولية استخدمت في مخابر عدة . كما يتم استخدام مواد كيميائية أهمها "الميثانول" و "فورمالدهيد" والاثنان غازان عديما اللون وقابلان للاشتعال بسرعة .
يعود تاريخ دعم المختبرات العلمية الخاصة بترميم الآثار واللوحات الفنية إلى بداية القرن ال ،20 وكان الأول من نوعه في متحف "فوغ" التابع لجامعة "هارفارد" أعرق الجامعات الأمريكية بولاية ماساتشوستس، ثم متحف "اللوفر" الشهير في العاصمة الفرنسية باريس، ومن ثم تم افتتاح مختبر في بريطانيا في ثلاثينات القرن الماضي، هذا ما تقوله ماريكا سبرينغ رئيسة قسم العلوم في "معرض لندن الوطني" .
ومن أهم التقنيات المستخدمة في عملية الترميم الأشعة السينية بمختلف أنظمتها، وهو ما أكدته ليتيزيا مونيكو من جامعة "بيروجا" الإيطالية مع فريقها في العام ،2011 عندما كشفوا عن الغموض في تحول لون إحدى أهم لوحات للرسام الهولندي الشهير فان جوخ .
جمعت "مونيكو" وفريقها في دراستهم البيانات اللازمة وتم تعريض لوحة فان جوخ "عباد الشمس" للأشعة السينية لمعرفة الدهان المتسبب في مشكلة تفسخ اللوحة والأجزاء المتضررة منها، وتبين بحسب دراستهم أن فان جوخ استخدم نوعاً من الدهان الكيميائي المعروف ب"كرومات الرصاص الثنائي" وهو على شكل مسحوق أصفر برتقالي، وأنه وبمرور الزمن تحول هذا الدهان من الأصفر الزاهي المشع إلى الأخضر الباهت بسبب عملية التأكسد، وهذا ما جعل لوحة عباد الشمس تتحول إلى اللون البني، لكن السؤال الذي حير "ليتيزيا" وفريقها، لماذا تغير اللون الأصفر فقط في بعض لوحات فان جوخ؟ والجواب كان لانه ( جوخ ) استخدم دهانات "كرومات الرصاص" مع دهانات "كبريتات الرصاص الثنائي" وهي على شكل بودرة بيضاء وذلك لإضفاء لمعان أكثر على لوحاته، ونتيجة استخدام هذه الدهانات الكيميائية حدث تفاعل بفعل الضوء لذلك تغير لون اللوحة .
لا شك في أن دراسات وتحقيقات العلماء في ترميم اللوحات الفنية ستكون مفيدة جداً، ليس فقط لفهم التغيير الذي يحصل عليها، وإنما لفهم كيفية التعامل مع الضرر والتشويه الذي يصيبها .
يعتقد أوليفر كريمن مدير أحد الأقسام في متحف التاريخ الطبيعي في لندن "أن عملية الترميم تعتمد على التجارب المستمرة على مدى طويل من الزمن، وأن استخدام المواد الكيميائية كالكحول، قد يكون أفضل وسيلة للحفاظ على الرسومات لفترة طويلة" .
على جانب آخر تجدر الإشارة إلى أن معرفتنا بعلوم ومواد الرسم تبدو قليلة، وما نعرفه من معلومات غير كاف لكشف خبايا وأسرار اللوحات الفنية القديمة، وكيفية الحفاظ عليها وهو ما يتفق عليه "غلين وارتون" المختص في علم الترميمات من جامعة نيويورك بقوله: "عندما قمت بإعطاء محاضرات في إحدى المدارس المختصة بالفنون، فوجئت بقلة المعلومات التي يملكها الطلاب حول تركيب المواد المستخدمة في الرسم" .
لابد للشخص الذي يدرس ويختص في علم الترميم من أن تكون له خلفية في الفنون الجميلة والعلوم، بما في ذلك الكيمياء، والبيولوجيا، وعلوم المواد، والتخصصات ذات الصلة عن كثب مثل تاريخ الفن وعلم الآثار والفن التشكيلي والأنثروبولوجيا .
إلا أنه مع هذا التطور التكنولوجي أصبح هذا العلم يسير نحو المجهول، خاصة مع وجود فنانين يرسمون لوحاتهم باستخدام الصابون والشوكلاته .