إعداد - محمد فتحي:
يعد "الجينوم" البشري محط اهتمام علماء الوراثة المهتمين بمشروع "الجينوم" البشري الذي ينطوي على العديد من الأسرار في جسم الإنسان بسبب احتوائه على آلاف الجينات البشرية التي تحدد الوظائف العامة وكذلك الأمراض، وفي نفس السياق برز مؤخراً تسلسل "الجينوم" ليحدث ثورة في عالم الطب وتشخيص الأمراض المزمنة والسرطانية التي عجز الطب التقليدي عن تحديدها وعلاجها أيضاً، وثبت من تجارب تحليلية فعاليته عدة في وظيفته الجديدة التي من المنتظر أن تعمم على جميع الأبحاث الطبية وتكون الأداة المستقبلية للكشف عن الأمراض الخبيثة وعلاجها .
تمكنت الأبحاث الأخيرة من إسعاد أبوين لطفلة تبلغ 7 سنوات بعد أن كشف إصابتها بمتلازمة "تريتشو- هيباتو- انتيريك" بعد قضاء سنوات يتنقلون بين عدد من المتخصصين الذين شخصوا مرضها بأنه مرض القيء المزمن والإسهال وذلك بسبب امتناعها عن التغذية السليمة وتلقى العدوى بسهولة من المحيطين بها، ولكن بفضل تحاليل "الجينوم" والحمض النووي تبين أنها مصابة منذ فترة بمرض المتلازمة النادر الذي يصاب به 6 أطفال فقط حول العالم، وترجع أسباب المرض بسبب تحول في جين يسمى "SKIV2L" والذي يعطل وظائف القناة الهضمية والمناعة . وتمثل الوسائل العلاجية الجديدة للطفلة ليليان المصابة بمثابة أبحاث يعكف عليها العديد من الأطباء لبيان أسبابه الحقيقية والوراثية وكيفية توظيف الجينات وتعديلها لتفي بغرض القضاء على المرض المزمن، الذي رغم ندرته إلا أن تلك الأبحاث ستساعد كثيراً في كسر غموض الجينات الأخرى المسببة لعدد من الأمراض الخبيثة وكشف أساليب التحول للجينات ومتى تصيب وكيف يمكن هزيمتها والحد من انتشارها والوقاية منها .
يقول دايفيد ديموك أستاذ أمراض الأطفال وعلوم الوراثة في جامعة "ويسكونسن" الأمريكية، إن الأمر لن يقف عند حدود تلك الأنواع من الأمراض، فمن المعروف أن أغلبية الأمراض الشائعة والمعروفة تكون تجمعاً لأكثر من مرض نادر وغير معروف، فمن خلال علاجها جميعاً بفضل تحاليل وتعديلات "تسلسل "الجينوم"" لدي المريض يمكن القضاء على الأمراض نهائياً وخلق مناعة لدى الجسم تنبع من الجينات نفسها . بدأت الأبحاث منذ 3 سنوات تقريباً بعيادة "ميلواكي" في ولاية ويسكونسن الأمريكية، وأجريت الأبحاث من خلال متابعة 40 مريضاً، وقام الأطباء بعمل تسلسل للجينوم الخاص بكل مريض بشكل يقسم كل جينوم ليحتوي على عدة آلاف من الجينات الوراثية وبعد ذلك تتم مراقبة عملية تحولها وتطورها، وعززت تلك العملية من التشخيص المبكر للأمراض والاضطرابات الوراثية النادرة بنسب تراوحت بين 10% و27% من المرضى، وقامت الاختبارات للمرضى لتكشف أزماتهم الصحية بسرعة هائلة وأخرى كانت تحتاج لبعض من الوقت، ولكن ما تنفرد به حالة ليليان كان يدعو للأمل في إيجاد قاعدة مهمة يسير عليها بقية الأطباء بسب مرضها شديد الندرة، وعلى الرغم من استمرار إصابتها إلا أن نتائج شفائها جيدة بعد اكتشاف ما تعاني منه وهو ما أسعد أسرتها .
تبدأ العملية عادة بتحليل ما يسمى بال "إكسوم" وهو جزء من "الجينوم" يتكون بواسطة "الإكسون" الذي هو قطعة من "الحمض النووي الريبوزي المنقوص الأكسجين" الذي يحتوي على التعليمات الجينية التي تصف التطور البيولوجي للكائنات الحية بشكل عام كلُ حسب جنسه، ويعتبر بدوره وسيلة لتخزين المعلومات الوراثية التي تساعد على فك شفرات الأمراض المستعصية . وفيم يكون الإكسوم نسبة 1% فقط من إجمالي الحمض النووي التي يؤدي نشاطها إلى تكوين البروتينات، تنطوي البقية على أنشطة جينية أغلبها غير معروف، ويعتقد بذلك أن "الإكسوم" يحتوي على 85% من الجينات المختلفة التي تسبب الأمراض . يأمل علماء الجينات أن يتم شرح والكشف عن أمراض الوراثة المنتشرة مثل أمراض القلب بواسطة الاختلافات الجينية الشهيرة داخل الإنسان، ولكنها لم تعمل بتلك الطريقة، وكبديل لتلك العملية يبدو أن الجذور الجينية تنتشر عبر وفرة وزيادة من الطفرات البيولوجية النادرة، وهكذا تتحول عملية الاكتشاف الجيني للأمراض بشكل يجعلها تكشف عن الأمراض المزمنة بشكل مباشر عوضاً عن الدراسات والإحصاءات المعقدة التي تجرى على آلاف المرضى ومئات الأسئلة التي تطرح عليهم إضافة إلى التحاليل التي تجرى عليهم وعلى أبنائهم والمقارنة بينها .
برز اختلاف كبير بين العلماء على علاقة الجينات بالأمراض، إذ من الممكن أن تكون هناك جينات مسببة للعديد من الأمراض وتتشابه في أعراضها الخارجية، ففي الطب الحديث تتشابه أعراض الكثير من الأمراض ولابد من بعضهم أن تجرى له تحاليل إضافية، وإلى الآن يفشل بعض الأطباء بل والأجهزة الحديثة في الكشف عنها، لذا فنفس الأعراض الخارجية لها المئات من الطفرات الحيوية التي تسببها ولا يمكن عملياً بتلك الطريقة إيجاد الجين المسؤول عن المرض بينها . ربما تكون تلك الحقيقة صادمة، وعلى الرغم من وجود ملايين الجينات المسببة للأمراض داخل "الجينوم" والتي تغادر من الحمض النووي للإنسان هناك عدد من الخوارزميات الحسابية التي يمكن من خلالها التنبؤ بالاختلاف الجيني المتسبب وعدم الاعتماد على عينات المرضى، وتعمل تلك الخوارزميات بعدة طرق مبتكره تستطيع الكشف عن الاختلافات داخل ملايين الجينات بعد تقسيمها إلى أنواع ووظائف، ويصب التفكير في تلك العملية إلى شكلين، الأول أنه إذا حدث تطور يحافظ على التسلسل الجيني، فيكون أي تحول حادث في ذلك الجين ينذر بأمر سيئ، والشكل الآخر من الخوارزميات يعمل بشكل معقد للغاية، فعلى سبيل المثال تقييم كيفية تغيير البدائل الوراثية وتغيرها لتأخذ شكل البروتين يمكن أن تؤثر في طريقة عملها .
وقام على أثر ذلك فريق من علماء المعلوماتية الحيوية بتطبيق خمسة أنواع من تلك الخوارزميات، وتم تطبيق ثلاثة منها بشكل خاص على مريض ليتسنى بيان مدى إصابته، فكانت النتائج عثور الخوارزمية على 1700 بديل وراثي متحول، ويعد هذا الرقم مبالغاً فيه للوهلة الأولى إلا أنه يعد انتصاراً للكشف عن 1700 من آلاف الجينات داخل "الجينوم" والتي تحاصر أسباب المرض بشكل مباشر، وأوضحت العديد من الأبحاث ذات الصلة للمرضى أيضاً أنه من الممكن تحول الجينات الوراثية لتصبح على هيئة بروتينات من دون أن تتسبب في أمراض، وذلك بسبب أن العديد من "المسارات الاستقلابية" التي تحدث تفاعلات كيميائية داخل الخلايا لها درجة عالية من القابلية للإنتاج الغزير من البروتينات، وهذا يفسر حينما تقل الخلايا البروتينية داخل الجسم فإنه يوجد دائماً البديل الذي يمتص إرهاق الجسم، ولكن على الجانب الآخر في حالة زيادتها مكونة اختلافاً جينياً يزداد الأمر صعوبة مع عمل الخوارزميات لكشف الأمراض، وهنا سوف تبرز مهارة الأطباء في معرفة طبيعة الأجسام وتحليلها جيداً قبل الشروع في كشف الأمراض المزمنة عن طريق تسلسل "الجينوم" .