ما بين التسلية والتكهن، ينتشر على موقع «فيس بوك»، منذ فترة ليست ببعيدة، تطبيقات إلكترونية تتيح لمتصفحي الحسابات، اختبار أنفسهم والتكهن بمستقبلهم، ومن خلالها يخرج المستخدمون نتائج تحقق نسبياً بعضاً من الإرضاء؛ منهم من يشاركها على صفحته وغيرهم ممن يحتفظون بها لأنفسهم، وفي كلتا الحالتين، تستخدم تلك التطبيقات خصوصية الحسابات للوصول إلى نتائج.
فهل تتحول تلك التطبيقات لإدمان، وما مدى تصديق مستخدميها لها؟ حول ذلك وأكثر، كان هذا التحقيق، ل «الخليج».
تلك التطبيقات التي تنتشر على حسابات موقع «فيسبوك»، هي في الأصل تطبيقات مستقلة، لكنها تستثمره، باعتباره من مواقع التواصل الاجتماعي ذات الشعبية، ويمكن مشاركة النتائج من خلاله، وتعنون بأنها «اختبارات شخصية أو كويزات»، بدأت بموضوعات تقليدية، ولم تنته بالأكثر، اختراقاً للخصوصية، بل وحتى المس بالسياسات والمعتقدات الدينية، وتستعين للوصول إلى بعض من تكهناتها على خصوصية المستخدم في «فيسبوك» مع فسح الخيار للمستخدم، بنشر أو عدم نشر نتيجته على صفحة حسابه.
الشاب خالد آل ياسين يخبرنا عن تلك التطبيقات قائلاً: لا أخفي أنني جربتها مراراً، ولكن في الحدود التي تحقق لي بعضاً من التسلية، لكن حين وجدت نفسي بدأت أكرر تلك الاختبارات لمرات عدة في اليوم الواحد، شعرت أنني سأصبح مدمناً عليها، وأدركت أنني أضعت الكثير من الوقت في تكهنات لن تقدم لي شيئاً في حياتي، فتركتها، خاصة أن الفراغ هو ما يجعل الشخص، في اعتقادي، يلجأ لها.
ويعتقد أحمد محمد، أن اللجوء لتلك الاختبارات، ما هو إلا تعبير عن بعض الحاجات النفسية في أحيان كثيرة، لدى مستخدميها، لفهم أنفسهم، أو الخوف من المستقبل، فيقبلون على ما يقدم لهم معلومة عنه، رغم أن أغلبية المستخدمين يعلمون أنها لا تعطيهم نتائج حقيقية، هذا من جانب، ومن جانب آخر، بحسب محمد يحدثنا عنه قائلاً: تجاوز تلك التكهنات لحدود الحاضر وانتقالها للمستقبل، من خلال تنبؤها بما يمكن أن يبدو عليه شكل الشخص في عمرال 70 عاماً، والدولة التي سيعيش فيها، والعام الذي سيتزوج فيه، حوّلها من تطبيقات للتسلية، إلى تبصير إلكتروني تجاوز الحد المنطقي والمقبول دينياً، خصوصاً حين يذكر الآية القرآنية المناسبة لحالة الشخص، لذلك لا أتمنى على شبابنا الانسياق لتلك التطبيقات، لأن فيها مضيعة للوقت وتجاوزاً للعقل.
وتشير أماني عيد «طالبة جامعية»، إلى أن المرأة بالعموم، تحب التعرف إلى ما يشير لحالتها العاطفية، وعلاقتها بمن تحب، وشكلها، لذلك يمكنها أن تنساق وراء تطبيقات اختبارات الشخصية ومشاركتها صديقاتها، وتضيف: لقد جربت بعض اختبارات تلك التطبيقات، لكن من دون مشاركتها، وذلك أنه في مجتمعنا ينظر للفتاة التي تعبّر عن مشاعرها بأنها ضعيفة، أو قد يشير ذلك إلى كونها «غير خجولة»، وخارجة عن المألوف، وبذلك قد تتغير نظرة البعض إليها، فأبتعد بنفسي عن كل تلك التفسيرات، وأحتفظ بنتائج الاختبارات.
ويعترف علاء عبيد «دكتور أكاديمي»، أنه لاحظ إقبال الشرائح والفئات على اختلافها على تطبيق تلك الاختبارات والتكهنات، من خلال صفحته على «الفيسبوك»، ولا ينفي أنه نفسه قد جربها مرات عدة، ويحدثنا قائلاً: المشكلة في أن التسلية عبر تلك التطبيقات، تقود إلى تكرارها، حتى تصبح إدماناً، وقد تقود إلى تصديقها كذلك، كما هو حال كلام العرافين، لذلك علينا لو تعاملنا معها، ألا نخرج بها عن حدود التسلية، وأن ندرك أن استخدامها لخصوصيتنا على «فيسبوك»، يعد اختراقاً لخصوصيتنا، لذلك فمن يملك معلومات وصوراً لا يرغب لأحد التعرف إليها، من الأفضل ألا يستخدم تلك الاختبارات.
ومن جانب آخر، تنوه سناء نادر «ربة بيت»، إلى أن تلك الاختبارات كشفت لها عن الكثير من الشخصيات، ليس بنتائجها التي خرجت بها، بل بانشغال الناس بها ونشرهم لنتائجها علناً على صفحات «الفيسبوك»، وتوضح قائلة: «لقد اكتشفت أن الكثير ممن أعرفهم على الصفحة على غير ما اعتقدت من نضوج، حيث يصدقون نتائج هزلية لتلك الاختبارات ويشاركوها، وهو ما لم أكن أتوقعه منهم، فما كان من تلك التطبيقات إلا أنها كشفت لي عن وجوه أخرى لهم»، وتعتقد نادر أنها ظاهرة وستزول كغيرها من الظواهر التي ينشغل بها الناس فترة ثم يملونها.
أكثر جرأة من العرافين
الكثير من الاختبارات أو «الكويزات الفيسبوكية»، تجاوزت تكهنات العرافين في الواقع؛ حيث يبدو أن التكهن الإلكتروني، أكثر جرأة في اختراق الخصوصيات، كما أن مستخدميه هم كذلك، فليس كل من يلجأ لعرّاف يعلن ذلك في الواقع، بينما ينشر «الفيس بوكيون» تلك التكهنات على صفحاتهم، سواء كان الغرض الافتخار بالنتائج، أو لأجل فتح باب المزاح، بينما بعضهم الآخر يدمن استخدامها دون أن ينشرها على صفحته، مبتعداً عن السخرية أو محتفظاً بنتائجه لذاته.
من بين أبرز تلك الاختبارات، أو بالأحرى التكهنات، التي تشغل أوقات المستخدمين، تلك التي تتعلق بحياتهم الحاضرة والمستقبلية، أو التي تقرأ شخصياتهم، مثال ذلك: «في أي سنة ستتزوج، ما هو المعنى الخفي لاسمك، ما شبيهك من الحيوانات، ملكة جمال أي دولة تستحقين أن تكوني، على ماذا يحسدك الآخرون، ما الشركة العالمية التي تستحق أن تكون مديراً لها، رئيس أي دولة تستحق أن تكون، ما العضو في جسمك الذي يتحكم في قراراتك، ما مستواك في الكذب، والأدهى من ذلك كله اختبارات: ما الآية القرآنية الأنسب لك، كم نسبة انحرافك، وإذا كنت أحد خلفاء المسلمين، فمن تكون، ما الذي قد يفعله الناس ليقبلوك، أو ينامون إلى جوارك؟».
هزل ولا معقول
أما سمية طالب «موظفة وأم لطفل»، فتعي تماماً أن تلك الاختبارات، هي أولاً لتمضية وقت الفراغ، وثانياً للتعبيرعن حاجة للتعرف إلى الذات، «كما يعتقد مستخدموها»، وتقول: «لقد بادر زوجي إلى تعريفي بنتائجه في تلك التطبيقات، وهو يتسلى بها، فإذا به أصبح مدمناً لها، ولكنه عاد عن ذلك السلوك، حين تأكد أنها تهدر الكثير من وقته، خاصة أنه كاتب والأحرى به أن يتفرغ لكتاباته، أما عني فأنا مدركة لشيء واحد تماماً، وهو أنه من الهزل واللامعقول أن يعرفّني تطبيق إلكتروني على نفسي.
ويخبرنا سهيل عبدالوهاب، «أعمال حرة»، عن رأيه قائلاً: إن تلك الاختبارات والتكهنات، كانت في بدايتها في حدود المعقول من ناحية التسلية، فلم تكن تتجاوز الحدود الطبيعية، كأن تختبر من الصديق المقرب لي على «فيس بوك»، أو هل أنا شخص ثرثار، وما إلى ذلك، لكنها تجاوزت الحد، وبدأت تتنبأ بيوم الوفاة، وعدد الأولاد الذين سأنجبهم، ومن مِنَ المشاهيرالذين يلائمني الارتباط بهم، والكثير من الاختبارات التي تجاوزت الحد المعقول، وهذا ما يبين أن تلك الاختبارات تستهتر بعقول المستخدمين.