عرّف القدماء الشعر بأنه كلام موزون مقفى ذو معنى، فكان الوزن شرطاً أساساً من شروط الشعر عندهم، وكذلك القافية، واهتموا بجرس الألفاظ، أي بكل ما نسمعه من القصيدة، فقد كان الشعر شفوياً، وهو ما نسميه اليوم الموسيقا الشعرية، وقد يسميها بعضهم الإيقاع الشعري، ثم أخذ الشعر العربي (وقبله الأوروبي) يتخلى عن هذا العنصر الأساس ويستبدل به ما يسمى الإيقاع الداخلي، أو الموسيقا النفسية . وتقوم الموسيقا الشعرية على أنماط الإيقاع الشعري، مثل: التكرار الإيقاعي المتساوي (القصيدة العمودية)، والتكرار الإيقاعي الكيفي (قصيدة التفعيلة)، والإيقاع الداخلي (النفسي واللغوي والصوتي) وهو يشمل جميع الشعر العربي قديمه وحديثه، وإن اصطفته لنفسها قصيدة النثر .
لا بد من تتبع الصورة العامة لرحلة الموسيقا الشعرية العربية باختصار شديد، وما اعتراها من تغيرات وتطورات في العصور القديمة، فهي جزء من تكويننا الفني الجمعي، وبعضها استمر في شعرنا المعاصر . فقد نظم الشعراء العرب منذ الجاهلية على اثني عشر بحراً (الطويل، الكامل، البسيط، الخفيف، الوافر، الرمل، المديد، السريع، المنسرح، المتقارب، الرجز، الهزج)، وهي، على ما أرجّح، تجليات كلامية لإيقاعات وأنغام غنائية عربية قديمة، مثل الحداء والنصب والسناد والهزج والتغبير والندب وغير ذلك، ولم تشتق من الرجز أو من غيره كما يرى بعض المستشرقين والدارسين، ثم أضافت الحياة في أواخر العصر الأموي بحرين جديدين، هما: المجتث، ولعله وليد بيئة موسيقية بدوية شامية، لا كما ظن أستاذنا الجليل الراحل د . شوقي ضيف وسرنا خلفه زمناً أن الوليد بن يزيد اخترعه، فقد وجد قبله في نواح النساء كما في خبر لخالد بن صفوان ذكره المبرد في التعازي والمراثي، وكما في قصيدة أوردها ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق على لسان امرأة تنوح على غسان بن جهضم، وورد عفواً على لسان الفرزدق كما ذكر العباسي في معاهد التنصيص، وإنما الوليد أول شاعر كبير نظم عليه، ويدعم هذا الرأي أن قصيدته النونية التي نظمها على هذا البحر كانت في رثاء ساخر شامت حين مات الخليفة هشام عدوه اللدود، قلد فيها قافية تنوح بها نساء العرب كانت معروفة عندهنّ . والمتدارك ويسمى الخبب والركض والمُحدَث أو المخترع . ثم أضافت في مطلع العصر العباسي المقتضب (وكان أبو نواس أول من عرف به، وزعم الأخفش أنه سُمع على عهد الرسول على لسان جارية) والمضارع (وكان أبو العتاهية أول من عرف به) وهما وليدا بيئة عراقية . ثم أخذ الشعراء يطوّعون الشعر لإيقاع الحياة الجديدة الزاخرة بفنون الغناء والرقص والظرف وغير ذلك، فأكثروا من المجزوءات من البحور كثرة لافتة، وأصبح الشاعر واعياً لصنعته الفنية، فلم يعد الشعر مجرد تعبير عن الذات، كما كان، وإنما أخذ يعي معطيات العصر والمجتمع ويوظفها في الفن الشعري، وهو ما جعلهم يجربون في تنويع الإيقاع والقافية، فأخذوا عن الفرس الشعر المزدوج ولاسيما في الشعر التعليمي، ونظم أبان اللاحقي عليه كليلة ودمنة شعراً، ونظم أبو العتاهية مطولته ذات الأمثال، وطوّع الشعراء الرجز لموضوعات كثيرة جديدة .
وأوجد أبو نواس شكلاً جديداً من التوقيع الشعري، يعتمد على التقفية الداخلية، تحول في ما بعد إلى المسمطات وأنواعها من المربع إلى المخمس إلى المسدس، وهي ظاهرة موسيقية وجدت في الكثير من الأشعار القديمة وإن لم تطّرد كما في شعر لبيد والخنساء والأخطل وسواهم . يقول أبو نواس في إحدى قصيدتين على هذا النمط:
سلاف دنِّ/ كشمس دجنِ/ كدمع جفنِ/ كخمر عدنِ
طبيخ شمسِ/ كلون ورسِ/ ربيب فُرسِ/ حليف سجنِ
بل إنه نظم قصيدة بلا قافية، أو قل إن قافيتها حركة يكملها المتلقي .
أما ديك الجن فله قصيدة يظن أنها مهدت لظهور الموشحات، تتنوع فيها القافية والتفعيلة كما في الموشحات، يقول فيها:
قولي لطيفك ينثني عن مضجعي عند المنام
عند الرقاد/ عند الهجوع/ عند الهجود/ عند الوسن
فعسى أنام فتنطفي نار تأجج في العظام
في الفؤاد/ في الضلوع/ في الكبود/ في البدنْ
وكان لأبي العتاهية إنجازاته الإيقاعية المختلفة، إذ استطاع أن يحول إيقاعات كثيرة يسمعها في الأسواق والشارع إلى إيقاعات شعرية، وقد يعكس بحوراً شعرية فيتولد له إيقاع جديد، كقوله:
للمنون دائرات يدرن صرفها هنّ ينتقيننا واحداً فواحدا
ولعل اختلاط الشعراء العباسيين بالشعوب الأخرى وما لديهم من إيقاعات موسيقية دفع بهم إلى مواكبة الذائقة الجديدة التي انتشرت في المجتمع المختلط بشرياً، من دون أن ننسى أن الكثير من الشعراء العباسيين المجددين كانوا من أصول فارسية أو عاشوا في بيئة فارسية، فكان من الطبيعي أن يلقي هذا الأمر ظله على شعرهم، بل إن الشعراء استعاروا وزناً فارسياً هو الدوبيت، وله وزنه المعروف (فعْلن فعلن متفعلن مفتعلن) أو (فعلن متفاعلن فعولن فعلن)، ازدهر كثيراً في القرون اللاحقة ولاسيما في القرنين السادس والسابع الهجريين وألفت فيه دواوين مستقلة، وهو ذو طاقة موسيقية عالية (أحياه الرحابنة في أغنية يا غصن نقا مكللاً بالذهبِ)، إضافة إلى فنون الزجل والسلسلة والمواليا والقوما والكان وكان والبند وهي فنون شعبية .
ومن جانب آخر بدأ الشعراء يهتمون بالموسيقا الشعرية داخل البيت، ساعدهم على ذلك انتشار فن البديع، وازدهار النثر المسجوع الذي أخذ ينافس الشعر منذ القرن الرابع الهجري، متمثلاً في المقامات والرسائل الأدبية المختلفة، فكان التنافس بين الشعر والنثر شديداً في استعمال المحسنات البديعية، وقد منح هذا البديع ولاسيما الجناس الشعر طاقة موسيقية جديدة احتفى بها الشعراء منذ أبي تمام ومن جاء بعده، فأصبح غاية تقصد بعد أن كان يأتي عرضاً وعن غير قصد عند الشعراء السابقين، كقول المعري:
البابلية بابُ كل بليّةٍ فتوقّين هجوم ذاك البابِ
وكقول ابن حيوس:
أوصاب جسمي من جناية بعدكم والصبر صبر بعدكم أو صابُ
ولكن هذا الباب من الموسيقا الشعرية أساء إلى الشعر أكثر مما أفاده لما فيه من تكلف وتصنع، وقلما اقترن بحالة شعرية تزيده توهجاً، ولكن هناك نوعاً من الموسيقا الشعرية ارتبط بالمعنى ارتباطاً وثيقاً، بل كان معبراً عنها، نسميه موسيقا الحروف والتركيب اللغوي والصوتي، وهو موضوع واسع نكتفي ببعض عناصره هنا، من ذلك قول المتنبي على سبيل المثال:
إذا ترحّلت عن قوم وقد قدروا ألا تفارقهم فالراحلون همُ
الحاء حرف حلقي شديد الارتباط بأعماق الشاعر، وجاء مكرراً في مطلع البيت (مشدداً) ليكون معادلاً لحالة التذمر والحزن والمرارة لديه، ثم تتعاقب القاف المجلجلة الصاخبة لتدل على صخب نفسي وارتباك بينه وبين خصومه، وبعد ذلك يعود الشاعر إلى نفسه المتألمة بحاء جديدة مكسورة أقل شدة من السابقة، ويزداد وهن الحرف ليتحول إلى هاء (هي حاء ضعيفة) تدل على هوان هؤلاء الخصوم لدى الشاعر، اطراداً في ذلك مع صخب الجمل الفعلية وخفوت الجملة الاسمية الأخيرة .
وكقوله:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقر، فالذي فعل الفقرُ
البيت يبدأ بوصف جمع المال بجملة الشرط الطويلة التي جاءت مثقلة بفضلات نحوية كثيرة، ولاسيما استخدام الجمع في المفعول به (الساعات)، إيحاء بطول المدة في جمع المال، وهي جملة فعلية زاخرة بالحركة والزمن والمشاعر، ثم ينتهي بجواب الشرط الذي جاء جملة اسمية ليدل على النتيجة الحاسمة الدائمة .
ومن جهة التركيب الصوتي يلفت انتباهنا توالد صوتي طريف، إذ تكوّن حروف معينة بؤراً صوتية لا تسهم في إيقاع البيت فقط وإنما تسهم في بناء المعاني أيضاً، وفق هذه السلسلة:
(من ينفق)، (ينفق فقر)، (جمع ماله مخافة)، (مخافة فقر فالذي فعل الفقر) .
هكذا تُولّد النون في اسم الشرط (من) صوتياً فعل الشرط (ينفق)، وتولّد الفاء والقاف في هذا الفعل اسماً مرتبطاً به صوتياً ودلالياً هو (الفقر)، والإنفاق يؤدي إلى الفقر، والكلمتان هما بؤرتا البيت دلالياً . كذلك نجد الميم في الحلقة الثالثة من السلسلة بؤرة صوتية ولّدت ثلاث كلمات مرتبطة في ما بينها صوتياً ودلالياً، والميم حرف مجهور شفوي أنفي شديد يدل أنّى وجد تقريباً على الضم، وفي الحلقة الرابعة من السلسلة تقوم الفاء مقام رابط صوتي دلالي بين كلمات المجموعة، وهي حرف شفوي نفخي أوحى بشعور التأفف والاشمئزاز من فعل ذلك الحريص البخيل، وهي فاء متصاعدة جرسياً من الكسر القصير والطويل (ينفق، في) إلى الفتح تعبّر عن تصاعد ازدراء الشاعر لهذه الحال .
وفي العصر الحديث تطورت الموسيقا الشعرية على أيدي شعراء كثيرين: شعراء المهجر، جماعة أبولو، جماعة الديوان، الزركلي، الريحاني، باكثير . . . وحاول بعضهم التخلي عن القافية كتوفيق البكري وعبد الرحمن شكري والزهاوي وأحمد زكي أبو شادي، غير أن ظهور قصيدة التفعيلة في منتصف القرن العشرين جعل موضوع الموسيقا الشعرية يقفز إلى الواجهة في المعارك الأدبية بين القديم والحديث، وإن كان الصراع قد حسم لمصلحة شعر التفعيلة، فلا بد من معرفة جوهر هذا التحول الموسيقي .
عرفنا أن التطورات الإيقاعية القديمة كانت استجابة لتغير المجتمع العربي، أي لتغير المتلقي في المقام الأول، فهل كان شعر التفعيلة استجابة لهذا المتلقي كذلك؟ إن الإجابة عن ذلك تكمن في رصد جميع التطورات التي أصابت مجتمعاتنا العربية، التي احتكت بالمجتمعات العالمية الحديثة، فقد أدى ذلك إلى تغير في الكثير من الشؤون السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والفنية . فلم يكن تغير الشعر بدعة من دون غيره، فهو كتغير جميع شؤوننا، من العادات والسلوك واللباس والطعام والشراب والموسيقا والفكر والثقافة والفن، فقد تغيرت هذه الأمور كلها في وقت واحد تقريباً، بل إن أقرب الفنون إلى الشعر، الموسيقا، أخذ ينحو منحى جديداً ويتخلى عن التخت الشرقي القديم قبيل ظهور قصيدة التفعيلة بعقد واحد لا أكثر، وقل مثل ذلك في أي فن أو نشاط من أنشطة حياتنا المعاصرة، فالتغيير كان شاملاً في جميع المناحي وفي مرحلة واحدة، إضافة إلى أثر الصحافة التي جعلت الكلمة تنتشر في الأوساط الشعبية منفلتة من أطرها القديمة الأرستقراطية، وهو ما جعل جميع هذه التطورات متسارعة ومنتشرة يحكمها قانون الاصطفاء الطبيعي . ولو نظرنا في شعر السياب مثلاً لوجدناه يرجّع أنغاماً تراثية، لا تكاد تختلف عن الموسيقا في القصيدة العمودية، وإن اكتست لغة وصوراً ومفاهيم حديثة، ولكن رنين الموسيقا الخارجية فيها يبقى عالياً ومألوفاً للأذن العربية، وهذا أمر طبيعي يمثل طور الانتقال من ذائقة إلى ذائقة . والأمر نفسه ينطبق على معظم شعر التفعيلة، (على سبيل المثال: أدونيس في أغاني مهيار الدمشقي) . غير أن شعراء هذه القصيدة مثل أسلافهم جذبهم التجريب الإيقاعي بصور مختلفة، فمنهم من يستخدم الوقفات العمودية (محمود درويش مثلاً) ومنهم من يستخدم الهامش الشعري (أدونيس مثلاً)، ومنهم من حاول الجمع بين تفعيلتين مختلفتين (كالسياب في إحدى قصائده)، بل إن بعضهم تخلى عن مفهوم التفعيلة التقليدي، واستبدل به المقطع الإيقاعي كما يفعل أدونيس في كثير من قصائده . ولكن علينا أن نعترف أن التجريب الإيقاعي لم يكن هاجساً ملحّاً عند جمهور الشعراء أمام أصداء الحياة الأخرى في القصيدة الحديثة .
كان محمود درويش من أكثر الشعراء تجريباً في الموسيقا الشعرية بين شعراء قصيدة التفعيلة، ومن أكثرهم انشغالاً بالموروث البلاغي ولاسيما البديعي منه، فقد كان مسكوناً بتجارب المتنبي والمعري وغيرهما، ووظف إنجازات البلاغة العربية توظيفاً فنياً يتفق وروح الحداثة، ونرى ذلك في مرحلته الشعرية الثانية، منذ ورد أقل ومأساة النرجس، ملهاة الفضة، وتبلغ التجربة ذروتها الإيقاعية في ديوانه لا تعتذر عما فعلت ولاسيما في قسمه الأهم في شهوة الإيقاع، وهو عنوان يدل بحد ذاته على علاقة الشاعر بالإيقاع، الذي أصبح شهوة فنية لدى الشاعر، بدءاً من عنوان الديوان الموزون، إلى عناوين القصائد الموزونة، وانتهاء بالتجريب الإيقاعي داخل كل قصيدة، بل القصائد التي كانت جميعها ترفل في تفعيلة واحدة هي متفاعلن، وهو ما يجعلها مناخاً موسيقياً واحداً، ودلالياً أيضاً .
وأسوق على ذلك مثالاً واحداً، هو قصيدته يختارني الإيقاع من ديوان لا تعتذر عما فعلت:
يختارني الإيقاع، يشرق بي
أنا رجع الكمان، ولست عازفه
أنا في حضرة الذكرى
صدى الأشياء تنطق بي
فأنطق . . .
كلما أصغيت للحجر استمعت إلى
هديل يمامة بيضاءَ
تشهقُ بي:
أخي! أنا أختك الصغرى،
فأذرف باسمها دمع الكلامِ
وكلما أبصرت جذع الزنزلختِ
على الطريق إلى الغمامِ،
سمعت قلب الأم
يخفقُ بي:
أنا امرأة مطلقة،
فألعن باسمها زيز الظلامِ
وكلما شاهدت مرآة على قمرٍ
رأيت الحبّ شيطاناً
يحملق بي:
أنا ما زلت موجوداً
ولكن لن تعود كما تركتك
لن تعود، ولن أعود
فيكمل الإيقاع دورته
ويشرق بي . . .
نجد القصيدة نابضة بالموسيقا التي تفيض في الكلمات والحروف والتفعيلات (ويلفت الانتباه أن الشاعر اختار عناوين قصائده، حتى عنوان المجموعة، موزونة على تفعيلة متفاعلن وجوازاتها) . وأول ما نلحظه أن الشاعر اعتمد على قافية داخلية قبل أن تكتمل التفعيلة حتى نهاية القصيدة، فإن القوافي في الكلمات (يشرق بي، تنطق بي، تشهق بي، يخفق بي، يحملق بي، ويشرق بي) هي قوافٍ داخلية ما عدا الأخيرة، أي أنها الجزء (متفا) أو كما يسميها العروضيون الفاصلة الصغرى، في حين تأتي علن بعدها . والأمر نفسه ينطبق على القوافي الداخلية (الذكرى، الصغرى، الكلام، الغمام، الظلام)، وهذا لون من التشريع الذي هو كما يعرفه العباسي في معاهد التنصيص: بناء البيت على قافيتين يصح المعنى عند الوقوف على كل منهما . كذلك نرى الشاعر يلتزم لزوم ما لا يلزم، الذي كان ابن الرومي قد أكثر منه عفواً، واختص به المعرّي قصداً، وهو أن يأتي مع حرف الروي حرف آخر يلتزم، مثل القاف والباء في قوافي قصيدة درويش . كذلك نرى الشاعر بنى قصيدته على صورة تفيد من تقنية المسمطات، إذ ينتهي كل مقطع بلازمة، ولكنها لازمة غير مغلقة، وإنما تنفتح على ما بعدها .
لن ندخل في الحديث عن مشروعية قصيدة النثر والمعارك التي دارت وتدور حولها، فقد أصبحت واقعاً موضوعياً، بغض النظر عن قبوله أو رفضه، كذلك لا يعنينا أن نقول مع المتمردين المتطرفين من الشعراء إن قصيدة النثر بلا قوانين، لأننا نؤمن أنه لا كلام، مهما كان، من غير نظام، أو قانون، وهذا لا يعني تأطير قصيدة النثر، فهذا الموقف نفسه ينطبق على القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، إذ إن هناك قوانين عامة تخضع لها القصيدة، وقوانين خاصة تولّدها القصيدة نفسها، ومن هذا المنطلق علينا أن ننظر إلى قوانين الشعر، ومنها عنصر الإيقاع أو الموسيقا، حتى في قصيدة النثر .
أما الإيقاع في قصيدة النثر فهو مختلف عنه في النوعين السابقين، وإن كانت هذه القصيدة قادرة على الإفادة من جميع أنواع الإيقاع القديم، غير أنها لا تنطلق من الموسيقا الخارجية، إلا في بعض العناصر كالتكرار الصوتي، وموسيقا الحروف، فهي لا تعنى بالموسيقا الصوتية، وإنما تهتم بالتركيب اللغوي، وتقوم على إيقاع نفسي داخلي على الأغلب . وعلى الرغم من أن لكل شاعر إيقاعه في قصيدة النثر، كما يرى أدونيس، ونحن نرى أن لكل قصيدة عمودية أو تفعيلية أو نثرية إيقاعها، فإن الصفة العامة للإيقاع في قصيدة النثر تتعلق بالتركيب اللغوي والبلاغي والدلالي والصوري، أي بالموسيقا الداخلية، ويأتي في مقدمة عناصر هذا التركيب: التكرار، التقديم والتأخير، الحذف . . . (بحسب يوسف حامد جابر وعبد العزيز موافي في مقولاتهما النقدية المتكئة على مقولات سوزان برنار وأدونيس ويمنى العيد، وهي مقولات مهمة ولكنها غير كافية، وقد فندها بول شاؤول في أكثر من مقالة صحفية وإن لم يأت بالبديل) . وهذه العناصر ليست مختصة بقصيدة النثر، بل وجدناها في القصيدة العربية القديمة وقصيدة التفعيلة، ولكنها كانت تأتي مصحوبة بالموسيقا الخارجية، أما في قصيدة النثر فتأتي خالصة صرفاً . ولكن هل يكفي هذا لتحديد الإيقاع في قصيدة النثر؟ أعتقد مبدئياً أن قصيدة النثر ابتعدت بعض الشيء عن فن الموسيقا واقتربت من الفن التشكيلي، لا من حيث كونها كتابية بصرية أكثر منها شفوية فحسب، ولكن من حيث التشكيل اللغوي الذي يخلق إيقاعاً لا يعتمد على التناظر، وإنما هو كالإيقاع اللوني في اللوحة الحديثة، وهو في الفنين إيقاع نفسي في المقام الأول . فلنمثّل على ذلك ببعض الأمثلة .
يقول عدنان الصائغ (العراق):
أجلس أمام النافذة
أخيط شارعاً بشارع
وأقول: متى أصلك؟
يقوم الإيقاع النفسي هنا على محورين: محور الصورة (المشهد المرسوم لغوياً + الصورة الفنية الاستعارية)، ومحور اللغة: جمل فعلية فعلها مضارع متتابعة (أسلوب خبري) + جملة استفهامية فعلها مضارع (أسلوب إنشائي)، وقد كان للمضارع أثر في الإحساس ببطء الزمن وديمومة حالة الانتظار البنيلوبي، كل ذلك يخلق إيقاعاً واهناً يتطلبه الموقف الشعري، ومن جهة أخرى كانت الأسطر الشعرية متساوية في الطول (3 كلمات في كل سطر)، خلقت رتابة مقصودة، وأشاعت جواً حزيناً . وقد يتساءل القارئ: أهذا الإيقاع جعل هذا الكلام شعراً؟ . غير أننا نقول إن الإيقاع والموسيقا جزء من تجليات الشعرية لا كلها، وهذا الإيقاع لم يجعل هذا الكلام شعرياً، ولكن هذا الشعر هو ما جعل الإيقاع على هذه الصورة .
ويقول كاظم الحجاج (العراق):
مثل خبز الأرياف
خرجنا من تنانير أمهاتنا
ساخنين
لأجل أن نليق . . .
بفم الحياة!
هذا المقطع الشعري المؤلف من جملة فعلية واحدة طويلة تكتظّ فيها الفضلات النحوية، وما فيها من تقديم وتأخير، هو أشبه بنفس متردد طويل يتوقف في اللحظة المناسبة، فهو إيقاع نفسي أيضاً، وهو بالإضافة إلى توسله الصورة الفنية المركبة، فإنه يتوسّل أيضاً ما نسميه إيقاع الصمت المعبر عنه بالنقاط . . . التي لا تعني هنا كلاماً محذوفاً، بل صمتاً ووقفة قرائية (أو إلقائية) تهيّئ المتلقي للصورة التي تغلق دارة المعنى (فم الحياة) . ولو أعدنا ترتيب الكلام إلى أصله في حركة مستقيمة فقلنا: خرجنا من تنانير أمهاتنا ساخنين مثل خبز الأرياف لأجل أن نليق بفم الحياة!، لكان نثراً جميلاً تقريرياً، ولكنه ليس شعراً، لأن التقديم والتأخير يوسعان ويضيقان دائرة الدلالة، فيخلقان حركة نفسية متعرجة ومضطربة في النص، فشتان ما بين تأثير خبز الأرياف في مكانها الأول (اتساع الدلالة) وتأثيرها في المكان الثاني (ضيق الدلالة) .
نخلص إلى القول إن الموسيقا الشعرية تتنوع بين الموسيقا الخارجية والموسيقا الداخلية، وإلا ما اختلفت القصائد المنظومة على بحر واحد في ما بينها، وإنه لمن التبسيط، إن لم نقل السذاجة، أن نتصور الموسيقا الشعرية طبلاً وزمراً وجوقة وطنيناً، فالموسيقا الشعرية (بل كل موسيقا) ألوان مختلفة وتجليات متعددة، وما الفرق بين موسيقا شعرية وأخرى إلا كالفرق بين أغنية وأخرى، وقطعة موسيقية وأخرى، ولوحة تشكيلية وأخرى، منها ما يعتمد على التكرار المتساوي، ومنها ما يعتمد على دندنة جمل موسيقية متنوعة، ومنها ما يعتمد على طنين الصمت والتجريد، مع الإيمان بأن الموسيقا عنصر شعري ليس أكثر، ولكنها ليست الشعر، إلا إذا كانت ألفية ابن مالك النحوية شعراً!