نمت الرواية الإماراتية بخطى متصاعدة، ولكنها متقطعة محدودة، وفي أحيان كثيرة قد تعجز عن تصوير الشخصية المحورية تصويراً عميقاً يكشف عن أبعاد الشخصية، وعن نمو علاقاتها الأخرى الثانوية في العمل الروائي، كما تفتقد الأماكن حضورها الروائي، إضافة إلى تسارع الأحداث أحياناً، وعدم منطقيتها في أحيان أخرى، وممن يمثل هذا المستوى: علي محمد راشد، وعلي أبو الريش، وإن كان هذا الأخير قد امتاز في ما بعد روايته الأولى بخصائص فنية جديدة اعتمد فيها على تناغم التحليل الاجتماعي والسيكولوجي للشخصية عبر لغة سردية حوارية واسعة متطورة.
تمثل رواية شجن بنت القدر الحزين بداية الأدب الروائي النسائي وهي تمثل مع غيرها نوعاً من الروايات يمكن أن يطلق عليه الرواية التسجيلية التي يكتفي مؤلفوها بعرض الواقع كما هو بسطحية وسذاجة، وهم في ذلك المنحى متأثرون بمن سبقهم من الكتّاب الواقعيين الأوائل عالمياً وعربياً، فيلجأون إلى تسجيل وقائع الحياة اليومية ومفرداتها، ويكتفون بعرض أبطال رواياتهم وهم منغمسون في سياق زمانهم من دون تضمين الروايات التي صدرت عنهم أية مقولات تتعلق بنقد الواقع أو تجاوزه، ومن روايات الرجال التي تشترك مع رواية شجن هناك رواية جروح على جدار الزمن، ورواية عندما تستيقظ الأشجان لعلي محمد راشد.
ويسيطر على الرواية النسائية الأولى شجن بنت القدر الحزين قدر كبير من القدرية الواسعة التي نجدها تهيمن على أحداث الرواية من المفتتح إلى المنقطع، وهو الأمر ذاته الذي تجده عند علي محمد راشد في روايته عندما تستيقظ الأشجان.
وحتى نرصد التطور الذي طرأ على الرواية النسائية الإماراتية، يلزمنا أن نعقد موازنة بين الرواية الأولى لحصة الكعبي شجن بنت القدر الحزين ورواية من الروايات المتأخرة نسبياً ولتكن رواية رائحة الزنجبيل لصالحة غابش، والتي صدرت عام 2008.
الموضوع في رواية شجن بنت القدر الحزين موضوع اجتماعي يتحدث عن زواج الصغيرات واقصاء المرأة عن الحضور، وتفادي نمو دورها الاجتماعي عن طريق ربطها بزواج مبكر ولجم إرادتها، حتى وإن كان ذلك رغماً عنها، فنجد بطلة رواية شجن عائشة يجبرها والدها على الزواج مرتين، وتطلق بعد ذلك، ثم تضطر للهروب من منزل أبيها، لأن المجتمع ينظر للمرأة المطلقة نظرة دونية.
ومن حيث المنظور، فقط اكتفت حصة الكعبي بعرض الواقع كما هو بسطحية وسذاجة، فلم تتوغل في الأحداث، ولم تعمق المظاهر الحسية للشخصيات والمكان فهي رواية تسجيلية، وتتضمن قيماً تقليدية تتسم بالتسليم والاتكال الواسع على القدر، وأن الحياة خير وشر، وهما قطبان يتصارعان، ولا بد للخير أن ينتصر، وأن ثمة قدراً يترصد الإنسان.
أما في رواية رائحة الزنجبيل لصالحة غابش فالموضوع الذي تعالجه الرواية موضوع اجتماعي يدور حول بطلة الرواية علياء التي تحاول الخروج على التقاليد الاجتماعية.
ومن حيث المنظور: فهو منظور متطور عن منظور الرواية الأولى، فهو ما يمكن تسميته بمنظور الواقعيين النقديين، وهي رؤية أكثر تطوراً من الرؤية الأولى التي تمثلت في رواية حصة الكعبي، وأصحاب هذا الاتجاه ينتقدون الأوضاع الاجتماعية العامة السائدة في مجتمعهم، ويبرزون سلبيات الواقع الاجتماعي الجديد الذي أخذ يؤثر في تركيبة الذات الإماراتية، فنجد في رواية رائحة الزنجبيل أن البطلة علياء تحاول الخروج على المألوف الاجتماعي والتقاليد العتيقة المتوارثة، ولكنها لا تنجح تماماً.
وفي رواية شجن بنت القدر الحزين لحصة الكعبي تعاملت الكاتبة مع الشخصية الرئيسية البطلة عائشة من الخارج غالباً متجاهلة طرائق التعامل مع الشخصية، وأهملت الجانب الداخلي إلى حد كبير وجاءت حركة الشخصيات لتعكس بطئاً في ردود أفعالها وسلوكياتها، بخاصة حين تبدو هذه التصرفات غير موحدة أو مبنية على قدر من الرمزية، وكل ما يمكن أن تحدثه لدى القارئ هو إدراكه أنها قريبة من الواقع. بمعنى آخر جاءت الشخصيات مسطحة تقدمها الكاتبة دفعة واحدة وتظل على حالها حتى نهاية الرواية، فهي شخصيات أسيرة نمطية معينة، لأن الكاتبة أرادت لها هذه الحال، ولم تستغل امكانات الشخصية المحتملة على نحو إبداعي.
وعن تصنيفات الشخصية التي ذكرها النقاد (مركزية ثانوية) (شخصية مدورة مسطحة) (نامية ثابتة) نجد أن الكاتبة قد عزفت عن هذا التصنيف. وجاءت الشخصيات قريبة من البيئة وحية في حراكها، لكنها غير مميزة بطبائع أو سجايا تميزها بوضوح أو تجعلها متفردة بها، وربما كان مرد ذلك أن الكاتب الإماراتي عموماً لم يتعامل في بداياته مع الرواية على أساس موضوعي قائم على الدراية والمعرفة بخصائص كل عنصر من عناصر بناء الرواية، ولذلك يأتي التعامل مع الشخصيات تقليدياً ساذجاً.
أما في رواية رائحة الزنجبيل لصالحة غابش، فإننا نلمح تطوراً في الشخصيات، فالشخصية الرئيسية علياء يتمثل فيها بعض من الجمال الفني والحسي والعاطفي للمجاميع والأفراد الذين تعالجهم الرواية، وبدا تعامل الكاتبة مع شخصيتها أكثر نضجاً، وحضور الشخصيات في الأحداث يأتي على نحو أعمق مما في رواية حصة الكعبي، فصالحة غابش تقدم نماذج بشرية مستنبطة من الواقع الذي تجري فيه الأحداث وعلى نحو مميز لكل شخصية من حيث تركيبتها النفسية التي تتميز بها، وبدت الشخصيات مركبة تكشف عن تخطيط ووعي عميق بها، وفقاً لمنهج انتقائي قصدي، إذ جعلت الشخصية دالة فكرياً على تيار ما: فعلياء نموذج للفتاة الثرية المثقفة التي تسعى إلى التحرر من قيود المجتمع وتقضي أيامها في تأمل ما يحدث حولها، وتأمل مشكلات الآخرين وسلوكياتهم لكنها عاجزة إلى حد ما، ثم ما تلبث أن تتحرر من العجز في نهاية الرواية حينما تتماثل للشفاء من المرض الذي ألمّ بها، فكأن المرض معادل موضوعي للعجز، أو الصدمة التي جعلتها تفيق من عجزها.
السرد
في رواية شجن بنت القدر الحزين لحصة الكعبي يسود السرد المرسل الحكي حيث تأتي الأحداث متتابعة زمنياً، وعلى نحو منطقي، وفقاً لاتجاه سردي ذي رؤية أفقية، ويبرز ضمير الراوي بصيغة الغائب، ليعرفنا بالشخصيات، ويبسط الأحداث على نحو مشرق، إضافة إلى أن هذا الضمير (ضمير الغائب) يتيح للكاتب أن يتوارى خلف شخصياته يبثها آراءه ويلقنها إياها، وربما رد البعض طغيان السرد التقليدي لدى حصة الكعبي إلى خبرتها المحدودة آنذاك بفن الرواية، وهذا السرد التتابعي يجنح بالرواية إلى كونها رواية تسجيلية تهدف لرصد الواقع.
أما في رواية رائحة الزنجبيل فإن الكاتبة اعتمدت على السرد بصيغة الغائب (هي) العائدة على بطلة الرواية علياء، رغم ما على السرد من تحفظات كثيرة، ونجحت من خلال السرد في أداء وظائف عدة، وأدخلت الكاتبة جانباً جديداً لم نلمحه في شجن بنت القدر الحزين، تمثل هذا الجانب في العناية الفائقة باللغة التصويرية على امتداد النص الروائي.
وتلجأ لتقنية لم نجدها في شجن بنت القدر الحزين وهي تقنية الاسترجاع التي تحقق لها غايات جمالية، حيث لا تعرض الأحداث على نحو تتابعي ممل.
وقد جاء المكان في رواية شجن بنت القدر الحزين رمزياً ويحمل قدراً كبيراً من الايحاء بالأجواء النفسية التي تسود الشخصيات، إذ قام الكان كعنصر تعبيري مواز للمرحلة التي يمر بها المجتمع والقيم الأخلاقية التي تسوده.
وجاء المكان متجاوباً مع المشاعر الإنسانية التي تمر بها الشخصية، خصوصاً شخصية البطلة عائشة وكان ظهوره متوافقاً ومتطلبات الأحداث على نحو فضاءات محددة، وهذا التنوع في وصف المكان على النحو السابق بحيث يتناغم مع نفسية الشخصيات كان له أثره الذي يحمد على المستوى الجمالي، إذ كان المكان الضيق كالغرفة مثلاً يتسع في ظل اللقاءات العاطفية التي كانت تجمع بطلة الرواية عائشة بخالد، وفسيحاً ومشرق الآمال.
ويلاحظ بصفة عامة أن الكاتبة اهتمت في روايتها الأولى على المستوى المحلي بالمكان اهتماماً كبيراً وجعلته يتناغم إلى حد كبير مع الناحية النفسية للشخصيات وهذه المعالجة للمكان تجيء خلافاً لما هو متوقع عن الرواية النسائية في مهدها.
المكان في رواية رائحة الزنجبيل تنوع وتنوعت وظائفه الدلالية، فورد ذكر أماكن الإقامة وأماكن العمل والانتقال، فنجد ذكراً للبيت ممثلاً في الفيلا والطريق والنوافذ المفتوحة والشجر والأبراج والمحال المغلقة والمطاعم الهندية والعمارات السكنية المؤجرة للباحثين عن أماكن مؤقتة من غير المقيمين، وكان الحديث عن هذا المكان في الرواية يأتي تبعاً للأحداث الجارية فيه، وكثيراً ما كانت البطلة (الراوي) تتوقف عند مكان بعينه لتتحول فيه إلى عوالم ماضية تثار حولها الذكريات وتتاح الفرصة لها لتعبر عن انفعالها بما تشاهده أو تتذكره، فتستعيد ذكرى ما إلى وعي الشخصية، وهي مشحونة بانفعالات وعواطف معينة لدى القارئ تتعمق لديه تعلق الشخصية بالمكان.
الزمن
من الناحية الفنية يمكن تقسيم الزمن إلى قسمين رئيسيين: الزمن التاريخي البيوجرافي، والزمن النفسي الروائي.
يمثل الأول العالم الخارجي الذي يسقط عليه الروائي عالمه التخييلي باعتبار أن التاريخ ذاكرة البشرية مدون في نص له استقلاله عن الأدب، ويمكن للروائي أن يغترف منه، والثاني هو زمن المشاعر والأحاسيس التي تثيرها الأشياء الخارجية، وهو الزمن الذي تخضعه الشخصيات لأحاسيسها الذاتية وتفرغه من طبيعته وبذلك تصبح التقنية الزمنية من عناصر التشكيل الجمالي للرواية.
جاء استخدام الكاتبة في رواية شجن بنت القدر الحزين للزمن استخداماً تقليدياً يهدف إلى تحقيق الغاية التقليدية المرجوة من الرواية وهي اتهام القارئ بأن ما يجري أمر حقيقي، وكان اتجاه الزمن في الرواية اتجاهاً تصاعدياً بحيث يتوازى زمن الكتابة وزمن الأحداث في الرواية، فيجيء الزمن ظرفاً يحتوي الأحداث الجارية فيه، حيث تبدأ من حدث معين يكون هو القاطرة التي ستجر خلفها العربات الأخرى (الأحداث اللاحقة) وصولاً إلى العقدة التي تمثل فيها الأزمة.
ولم تحاول الكاتبة التوسع في استغلال التقنيات التعبيرية التي يوفرها الزمن. مثل تأخير بعض الأحداث أو التحويل من حادثة إلى أخرى، وإنما كان حرصها على دقة التتابع الزمني والبعد عن الأحداث الجزئية، واكتفت بالإشارة إلى أن هذه الأحداث قد جرت في مرحلة زمنية ماضية من تاريخ مجتمعها ومن خلال دوال زمنية صريحة أو ضمنية.
أما رواية رائحة الزنجبيل فتبدأ بزمن ماض هو ماض بعيد له انعكاساته وعلاقاته بالحاضر حيث تتذكر علياء كفاح جدها مع الانجليز في الأربعينات، وتظن أن تأثير حلم اليقظة قد فاض حتى تمثلته في حواسها، خاصة حاسة الشم التي التقطت رائحة حرق السفن، وانتظرت الشخصية حتى لحظة التكلم لكي تبدأ حياتها، بمعنى أن الشخصيات تتشكل في الوقت نفسه الذي يتشكل فيه الزمن، وأنها لا توجد داخل فترة زمنية واحدة فهي على حافة انتهاء الماضي وعلى مشارف الحاضر، وذلك على المستويين الزمني والنفسي، فعلياء تتذكر الماضي وهي في الحاضر ليتضح لنا بعض من معاناتها وعالمها النفسي، مما يعكس مهارة الكاتبة في اتخاذ الزمن وسيلة من وسائل المعرفة الإنسانية التي تعكس مشاعر الآخرين.
وقد جاء الزمن في هذه الرواية أكثر نضجاً وتقدماً، حيث جعلت الزمن يتحرك مع أكثر من مسار لأحداثه وجعلت لكل شخصية أحداثها الخاصة بها رغم تشابكها مع أحداث الشخصيات الأخرى، وكانت الكاتبة أكثر نضجاً في تعاملها مع الزمن مختلفة عن الرواية الأولى.
ثبات
في رواية شجن بنت القدر الحزين لحصة الكعبي تعاملت الكاتبة مع الشخصية الرئيسية البطلة عائشة من الخارج غالباً متجاهلة طرائق التعامل مع الشخصية، وأهملت الجانب الداخلي إلى حد كبير وجاءت حركة الشخصيات لتعكس بطئاً في ردود أفعالها وسلوكياتها، بخاصة حين تبدو هذه التصرفات غير موحدة أو مبنية على قدر من الرمزية، وكل ما يمكن أن تحدثه لدى القارئ هو إدراكه أنها قريبة من الواقع. بمعنى آخر جاءت الشخصيات مسطحة تقدمها الكاتبة دفعة واحدة وتظل على حالها حتى نهاية الرواية، فهي شخصيات أسيرة نمطية معينة، لأن الكاتبة أرادت لها هذه الحال، ولم تستغل امكانات الشخصية المحتملة على نحو إبداعي.
جزء من دراسة تقدمت بها الباحثة لندوة الرواية النسائية في الإمارات