حرص الإسلام على بناء شخصية المسلم على قيم وأخلاقيات رفيعة حتى تستقيم حياته، ويؤدي رسالته في الحياة، ويسهم بفاعلية في بناء ونهضة مجتمعه، ويواجه بقوة وصلابة كل التجاوزات الأخلاقية عملا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإسلام في بنائه الأخلاقي للإنسان جاء بكل ما هو راقٍ ومتحضر، وسما بأخلاق أتباعه فوق كل الصغائر، ورسم للإنسان حياة راقية تغلفها كل المعاني الإنسانية .

الآداب والأخلاقيات التي جاء بها الإسلام هدفها تهذيب سلوك الإنسان والارتقاء بمشاعره وعواطفه وإحساسه بالذوق العام . . لذلك كان من أبرز صور احترام مشاعر الآخرين والحفاظ على النظام العام ضبط سلوكيات الإنسان في الطريق العام، فعندما يضبط كل إنسان سلوكه وتصرفاته بالقيم والضوابط والأخلاقيات الإسلامية ترتقي العلاقة بين كل أفراد المجتمع ويعم الود والتفاهم والتعاون بين الجميع وتختفي في الوقت نفسه كل صور النزاع والتشاحن والخلاف بين خلق الله .

الدكتور محمد نبيل غنايم، أستاذ الشريعة الإسلامية في جامعة القاهرة، يؤكد أن الإسلام جاء بجملة من الآداب والأخلاقيات الفاضلة لضبط سلوك الصغير والكبير في الطريق العام . . ويقول: لو التزمنا بهذه الآداب وتلك الأخلاقيات لاختفت كل الصور الشاذة والغريبة وكل السلوكيات غير الأخلاقية التي نشاهدها يوميا في شوارعنا وأماكن تجمعاتنا ومتاجرنا وأنديتنا .

ومن هنا يؤكد أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة أننا الآن في أمس الحاجة إلى آداب الطريق وأخلاقيات السلوك العام التي يضبطها الأدب الجم، والخلق الرفيع، والذوق العام الذي عبر عنه الخالق عز وجل بقوله سبحانه: وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً.

وقار وسكينة

المسلم الحق لا يمشي في الأرض تكبراً، ولكنه يمشي مشياً ليناً رقيقاً، لا تكلف فيه ولا خيلاء ولا تصنع فيه ولا ضعف، وإنما مشيه تكسوه القوة والجد، والوقار والسكينة . . ثم هو قادر على ضبط سلوكه الانفعالي، ليس سريع الغضب والانفعال، ولا يُردّ على السفاهة بسفاهة، ولا يستجيب للاستفزاز، ولذلك جاء وصف الحق للمسلمين الذين يلتزمون بهذا الاتزان الانفعالي بقوله وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، فشأن المسلم المؤدب المحترم أنه لا يرد على السفهاء، وإذا ما خاطبه جاهل أو سفيه بسوء أدب لا يقابله بالمثل، بل يقابله بالقول الطيب، كما قال الحق سبحانه في آية أخرى: وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين .

ومن صفات المسلم الحق الذي يفهم دينه فهما جيدا أنه يقول كلمة الحق ولا يشهد بالزور، وإذا مر بمجالس اللغو انصرف عنها، ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في حق من يلتزمون بهذا الخلق الكريم: والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراماً .

أي أن من صفات عباد الرحمن أنهم لا يرتكبون شهادة الزور، ولا يحضرون المجالس التي توجد فيها هذه الشهادة، لأنها من الكبائر التي حاربها الإسلام . . وفضلا عن ذلك فإنهم إذا مروا باللغو أي بالمجالس التي فيها لغو من القول أو الفعل مروا كراما أي أعرضوا عنها إكراما لأنفسهم، وصونا لكرامتهم، وحفاظا على دينهم ومروءتهم .

ويعود الدكتور غنايم ليؤكد أن المسلم ليس مطالبا بالتعامل الراقي مع الطريق العام فحسب . . بل هو مطالب بإماطة أي رفع الأذى عنه، فواجب المسلم أن يميط الأذى كالحجارة أو الأسلاك أو الزجاج أو غيرها فيبعدها عن الطريق وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا السلوك الراقي المتحضر إماطة الأذى عن الطريق لا يعبر عن رقي وتحضر صاحبه فحسب، بل يجلب له رضا الله عز وجل وثوابه فقال إماطة الأذى عن الطريق صدقة .

د .عمرو خالد، الداعية المصري الشهير، يوضح لنا جملة الآداب والأخلاقيات التي جاء بها الإسلام لضبط سلوك المسلم في الطريق العام ومن بين هذه الآداب:

* غض البصر عن المحرمات، وعن مراقبة المارين من الناس في أعمالهم أو تصرفاتهم أو لباسهم . . وهذا خلق إسلامي كريم يؤكد تربية الإسلام أهله على الفضائل، ولو التزم شبابنا اليوم بهذا السلوك النبيل لاختفت من شوارعنا كل صور المعاكسات والتحرش بالنساء، وكانت الشوارع والطرقات آمنة، كما يريد لها الإسلام على بناتنا ونسائنا . . وهنا يؤكد الدكتور عمرو ضرورة تحلي النساء بمكارم الأخلاق في ملابسهن وسلوكهن العام في الشوارع، فالسفور الفاضح والانفلات السلوكي لكثير من الفتيات والنساء في الشوارع والطرقات والمتاجر والأندية والمواصلات العامة يجر لهن وللمجتمع كله الكثير من المفاسد والمساوئ الأخلاقية .

* تجنب الجلوس على الطرقات . . وذات يوم قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إياكم والجلوس على الطرقات فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها . . فقال لهم صلى الله عليه وسلم: فإذا أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريق حقه . . قالوا: وما حق الطريق؟ قال صلى الله عليه وسلم: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر .

فالطريق مرفق عام وليس ملكا لأحد، بل هو ملك للناس جميعا . . ولكننا للأسف الشديد أسأنا التعامل معه . . فمن الناس من يعتبره ملكا خاصا به ويفعل به ما يحلو له من سلوك شاذ أو عدوان على حقوق الآخرين فيه . . ومن الناس من يتعامل مع الطريق العام على أنه لا صاحب له فيلقي فيه بالقمامة والمخلفات ويستغله أسوأ استغلال . . وهذه الصور وغيرها من صور الإساءة إلى الطريق العام أفسدت الذوق العام في كثير من بلاد المسلمين ولذلك أصبحت كثير من طرقنا العامة غير آمنة لا أمنيا ولا سلوكيا . . ولا أخلاقياً .

صور الأذى

يقول الدكتور عمرو خالد: من الصور الشاذة والغريبة التي تعودنا عليها في كثير من بلادنا العربية أن نشاهد رجلا أو شابا يقف على جانب الطريق ويتبول أو يجلس ليتبرز . . كما أن من الصور الكريهة في كثير من شوارعنا أن تجد مجموعات من الشباب تقف أو تجلس على جانبي الطريق أو في وسطه لتطارد كل المارين والمارات بنظراتها الفاحصة وألسنتها الزالفة وكلماتها المنفلتة، ومزاحها الثقيل، وكل هذا للأسف يحدث تحت شعارات خادعة ومضللة فهم يعتبرون هذه السلوكيات الغريبة مظهرا من مظاهر التمدن والحرية والتقدم، وهم بذلك يسيئون إلى أنفسهم وأسرهم وكل الذين تولوا تربيتهم والإنفاق عليهم .

ومن صور الأذى إلى الطريق العام التي شاعت في بلادنا العربية والإسلامية إساءة استخدام الطريق وعدم الالتزام بالقواعد والقوانين المنظمة لاستخدام السيارات، فتجد شابا تبدو عليه مظاهر التمدن والتحضر يستخدم منبه السيارة بشكل مزعج ومن دون داعٍ وتجد آخر يترك سيارته وسط الطريق العام في تحد صارخ لحقوق الآخرين في السير من دون معوقات، وتجد ثالثا يفتح زجاج سيارته ليلقي بكيس قمامة أو فضلات طعام في الطريق العام . . كل هذه سلوكيات لا يقرها ديننا ولا تسمح بها الأخلاق الفاضلة التي تعلمناها من شريعتنا الإسلامية .

وهنا يوضح الداعية المصري أن الأخلاق الإسلامية الفاضلة لا تسمح لإنسان بأن يتصرف في الطريق العام بعشوائية وأن يترك سيارته في عرض الطريق ليعوق حركته ويعطل مصالح الناس كما نرى الآن . . والمؤسف والمحزن أن نرى ذلك كل يوم في شوارعنا في مصر بعد أن اختفى ضباط المرور من الشوارع وهذا يؤكد أننا كنا نلتزم من قبل ونحافظ على النظام العام خوفا من العقوبة وليس تخلقا بأخلاق الطريق العام .

ومن آداب الطريق التي علمنا إياها ديننا الإسلامي الحنيف إلقاء السلام ورد السلام، فهذا السلوك يضفي على شخصية المسلم أدبا واحتراما في نفوس الآخرين، وتحية الإسلام هي السلام عليكم وليست العبارات السوقية الغريبة التي شاعت على ألسنة كثير من الناس الآن والتي أفسدت الذوق العام .