تعاليم الإسلام تقدم حلاً شاملاً لمشكلة العنوسة

"إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه"
05:49 صباحا
قراءة 8 دقائق

تزايدت معدلات العنوسة في العالم العربي خلال الفترة الأخيرة بشكل مخيف، وبعد أن كنا نشتكي من زواج الفتيات في سن صغيرة أصبحنا الآن نعاني عدم إقبال الشباب على الزواج وتكوين أسرة وارتفاع سن الفتاة إلى الثلاثين وأكثر من دون زواج . وقد أوضحت دراسة أجراها المركز القومي للدراسات الاجتماعية والجنائية في مصر أن ثلث الفتيات بلغن سن الثلاثين عاماً وأصبحن في حكم العوانس . وأشارت الدراسة المصرية إلى أن النسبة تبلغ في كل من قطر والبحرين والإمارات والكويت 35%، بينما تنخفض إلى 25% في كل من المملكة العربية السعودية واليمن وليبيا و20% في السودان والصومال و10% في سلطنة عمان والمغرب العربي، باختصار فإنه لا يوجد مجتمع عربي واحد نجا من شبح العنوسة وتداعياتها المخيفة وهو ما يطرح السؤال التقليدي: كيف يواجه العرب شبح عنوسة فتياتهم؟ طرحنا السؤال على عدد من أساتذة علم النفس والاجتماع وعلماء الدين ورصدنا إجاباتهم في التحقيق التالي:

يؤكد الدكتور عبدالفتاح الشيخ، رئيس لجنة البحوث الفقهية في مجمع البحوث الإسلامية والرئيس الأسبق لجامعة الأزهر، أن العنوسة أصبحت ظاهرة تؤذي المجتمع البشري قبل أن تضر بمصالح الأفراد واحتياجاتهم البيولوجية والفسيولوجية وتقصر عمر الإنسان، وبخلاف نشر الوعي الإيماني بين الشباب والفتيات لابد من أن تسعى الدولة لمواجهة البطالة لأنها من الأسباب الرئيسة لانتشار العنوسة، كما لابد للشباب أيضاً من أن يتخلى عن بعض من طموحاته في المهنة التي كان يحلم بالعمل فيها فكثير من الشباب المتعلم يرفض العمل بعيداً عن تخصصه وهو أمر يتسبب في بقائه لفترة طويلة أسير البطالة، وبالتالي لا يستطيع الزواج فيبقى في دائرة العزوبية ويجعل فتيات كثيرات ينضممن إلى طابور العانسات ولهذا فعلينا أن نعمل على توجيه الشباب نحو ممارسة المهن التي تحتاج لأعداد كبيرة من شبابنا وأن نوعي الشباب بأهمية ذلك الأمر لهم ولمجتمعاتهم، فالشاب إذا أدرك أنه بعمله سيستطيع الزواج وسيستطيع تخطي حالة اليأس والاكتئاب التي يعيشها في ظل البطالة سيفكر كثيراً قبل أن يرفض العمل في المهن التي يرفضها اليوم .

نشر الوعي الديني

ويشدد د .الشيخ على الاهتمام بمسألة الوعي الديني كأول وسيلة لمواجهة تداعيات العنوسة بعد أن زادت معدلاتها في ظل الأزمات الاقتصادية المتتالية التي تضرب العالم، فبعد أن أصبحت الدول تعاني مادياً أصبح من الصعب أن نكلفها بتحمل تبعات أكثر من طاقتها، ولهذا فالحل يكمن في نشر الوعي الإيماني بين الشباب والفتيات، ويضيف: هذا لا يعني أنني أطالب الشباب والفتيات بنسيان أمر الزواج، ولكنني فقط أريد أن يحرص كل من الشاب والفتاة على إعفاف نفسه وعدم الوقوع في شر المعصية حرصاً على المجتمع المسلم من تداعيات انتشار الممارسات غير الأخلاقية، حيث يؤدي انتشار تلك الممارسات إلى تفكك المجتمع وانهياره من الداخل فيتحول المجتمع إلى مكان يعاني الفوضى الأخلاقية ويختفي فيه الأمن الفردي والجماعي، وبالتالي لا بد من أن نعي أن انهيار الضوابط الأخلاقية في مجتمع ما يؤدي إلى شيوع حالة من الانفلات والفوضى التي ينشأ عنها اختلال الأمن في المجتمع المسلم الذي كان يميزه على طول العصور والأزمان عدم وجود فوضى أخلاقية وهو ما يهدد بقاء المجتمع المسلم الذي كان في الماضي واحة للأمن والأمان .

والخلاصة أن هناك حلولاً عديدة لمشكلة العنوسة ولكن أهم حل من وجهة نظري هو نشر الوعي الإيماني بين الشباب والفتيات واستلهام ذلك الوعي من حديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال مخاطبا الشباب: يَا مَعْشَرَ الشبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوجْ فَإِنهُ أَغَض لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصوْمِ فَإِنهُ لَهُ وِجَاء .

تعدد الزوجات

ويقول الدكتور أحمد عبدالرحمن أستاذ الأخلاق إن الذي يدقق في العنوسة سيجد أن أهم أسبابها هو غياب الوعي الديني وضعف التربية الدينية السليمة، حيث أدى ذلك إلى تراجع كثير من الاعتبارات الأخلاقية وانتشار الرذيلة الأمر الذي أدى إلى زيادة معدلات العنوسة بتداعياتها الخطيرة لأنها تعطل الطاقات وتقضي على الآمال، ومنها يتولد الهم والفقر والذل والحقد والحسد .

ويرى د .عبدالرحمن أن هناك حلاً شرعياً قد يرفضه الكثيرون ولكنه حل واقعي استلهمناه من مبادئ الشريعة ويحتاجه المجتمع المسلم في ظل الواقع الاقتصادي المرير الذي يعيشه الشباب اليوم وهو المطالبة بتعدد الزوجات، فالإسلام عندما أباح تعدد الزوجات أباحه بضوابط تجعل منه وسيلة عملية للمساهمة في حل مشكلة العنوسة مع استقرار الحياة الزوجية .

وفى رأيي الشخصي فإن التعدد رغم أنه حل صعب بعض الشيء على نفوس الكثيرين، إلا أنه حل واقعي وشامل ونابع من أحكام الشريعة الإسلامية لمواجهة شبح العنوسة الذي يهدد نسبة كبيرة من بناتنا اليوم، وهذا لا يعني أنني أدعو إلى مواجهة العنوسة بالتعدد فقط بل أطرح رؤية إسلامية صالحة لمواجهة جزء من المشكلة، ليتبقى جزء آخر قائماً وهو قلة ذات اليد لكثير من شبابنا وهنا يأتي دور العمل الخيري، فقديماً مثلاً كان الأثرياء من المسلمين يوقفون جزءاً من أموالهم فلماذا لا يتم تشجيع رجال الأعمال العرب والمسلمين على تأسيس صناديق يخصص ريعها لتزويج الشباب غير القادر على تحمل نفقات الزواج؟

تدخل الحكومات

ويرفض الشيخ فرحات المنجي من علماء الأزهر الشريف اقتراح الدكتور أحمد عبدالرحمن الخاص بتعدد الزوجات فيقول إن الإسلام عندما اهتم بتكوين الأسرة المسلمة شرع من الأسس والقواعد التي يشيد بها بناء الأسرة المسلمة بما يجعلها نواة صالحة قوية لبناء المجتمع المسلم القوي والأمة المسلمة التقية التي تمتلك أسباب قوتها وعوامل نصرها على كل محاولات أعدائها أن يفتنوا أبناءها في دينهم أو يصرفوهم عن جادة طريقهم .

لذلك فإن مواجهة العنوسة لا تكون بالتعدد ولكن بتيسير نفقات الزواج التي كانت سبباً في إعراض الكثير من الشباب عن الزواج وتكوين الأسرة، ومن الممكن مواجهة العنوسة بأن تتدخل الدول الإسلامية وبدلا من أن تنفق على ما يسمى بالفنون والمهرجانات الفنية المليارات عليها أن تنفق جزءا من تلك المليارات لمصلحة خدمة إعفاف الشباب والشابات، فالدولة عليها أن تمد يد العون للشباب وسد حاجاتهم الأساسية من مأكل وملبس ومسكن وعمل بما يمكنهم من غض البصر وإحصان الفرج وتأسيس بيت مسلم تعمه السكينة والرحمة والمودة .

صناديق الزواج

الدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية يرى ضرورة أن تتبنى الحكومات العربية بالتعاون مع الجمعيات الخيرية مشاريع تزويج الشباب، ولا مانع هنا من الاستفادة من تجربة صناديق الزواج التي أسستها بعض دول الخليج ونجحت من خلالها في التصدي ولو جزئياً لتلك المشكلة، حيث تقوم الحكومات من خلال تلك الصناديق بتوفير العناصر الأساسية التي يقوم عليها الزواج، حيث إن الأصل فيه قدرة الزوج على الكفالة والإنفاق ولذا يعد عمل الشباب أحد الأسباب المباشرة لتيسير الزواج ومن ثم حل أزمة العنوسة في المجتمعات العربية المختلفة وهذا ما يؤثر بالإيجاب في طبيعة المجتمع، حيث إن هناك ارتباطاً مباشراً وحقيقياً بين عدم الزواج والانحراف .

ولقد خلق الله الإنسان ليكون خليفته على الأرض ولن تتحقق تلك الخلافة من دون الزواج الشرعي حتى يتناسل البشر، وعدم قدرة الشباب على الزواج سيجعل تلك الخلافة في خطر، فبالزواج يتحقق الاستخلاف الشرعي الذي أراده الله في قوله تعالى إني جاعل في الأرض خليفة فلابد من أن يدرك الجميع أن الزواج حاجة غرائزية ونفسية للإنسان، وفي الوقت ذاته يسهم في بث الطمأنينة والسكينة والاستقرار في الأسرة والمجتمع عموما، ولهذا حثنا عليه الإسلام في قوله تعالى: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدةً وَرَحْمَةً إِن فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكرُونَ (الروم: 21) .

ولهذا فلابد من مساعدة الشباب على الزواج وأن يعمل المقتدرون مادياً على مد يد العون والمساعدة لغير القادرين من أجل بناء أسرة مستقرة نفسياً واجتماعيا تؤدي ما عليها حيال مجتمعها وأمتها .

وينهي الدكتور إمام حديثه قائلاً: أيضاً ونحن نواجه العنوسة علينا العمل على تهيئة الشباب والفتيات دينياً بحيث لا يغالون في مطالبهم عند الشروع في الزواج، فكثير من الشباب يعزف عن الزواج ويؤجله طمعا في أن يحقق الثراء أولاً، وكثير من الفتيات يرفضن عرسانا كثيرين لا لشيء إلا لأنهم لا يملكون ما يشترون به السيارة الفارهة والشقة الواسعة وهكذا، ولابد من أن ندرك أن الحياة المادية التي يعيشها الناس اليوم أوجدت الكثير من العراقيل والصعوبات التي يواجهها الشاب والفتاة في سبيل الحصول على حقهما الشرعي، وأن يدرك كل منهما أن الله تعالى شرع الزواج من أجل بناء مجتمع فاضل وليس من أجل بناء قصر فاره أو شراء سيارة فخمة أو ارتداء شبكة بالملايين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير .

مشكلة خطيرة

تقول الدكتورة إنشاد عز الدين أستاذة علم الاجتماع في جامعة المنوفية: عندما نتحدث عن مشكلة العنوسة في مجتمعاتنا العربية فلا بد في البداية من أن نحدد ماهية تلك الظاهرة فالمجتمعات العربية تعاني فعلاً تصاعد حدة ظاهرة العنوسة بشكل خطير ساعد على ذلك ارتفاع تكاليف الزواج من ناحية وتزايد حدة البطالة من ناحية أخرى، وهكذا أصبح الشاب بين المطرقة والسندان، حيث يعاني الفقر ومغالاة أولياء أمور الفتيات في مطالبهم المادية، والمشكلة الأكبر أن كثيراً من الفتيات هن اللاتي يغالين في طلباتهن من العريس الذي يتقدم لخطبتهن والنتيجة أنهن أصبحن عوانس .

وتضيف الدكتورة إنشاد: إن إهمال حل ظاهرة العنوسة يجعل المجتمع فريسة للعديد من الأمراض والمشكلات التي قد تتحول بمرور الوقت إلى جرائم جنائية، حيث تؤدي عنوسة الشاب أو الفتاة إلى المعاناة من الكبت العاطفي والجنسي وهو ما قد يؤدي بالتالي إلى الانحراف بكل صوره وأشكاله وظهور أمراض واختلالات في بنية المجتمع وتعرض الأمن والسلم للتهديد، والدليل أنه بإلقاء نظرة على صفحات الحوادث في صحفنا ومجلاتنا نكتشف أن نسبة لا بأس بها من الحوادث سببها الأساسي تزايد معدلات العنوسة، وبالتالي فإن التصدي لتلك المشكلة لابد من أن يأخذ البعد القومي فلا مانع من أن تقوم الدولة بالتدخل بشكل أو بآخر لحل هذه المشكلة الاجتماعية الخطيرة عن طريق تبني حملات إعلامية وإرشادية لحمل العائلات على عدم المغالاة في تكاليف الزواج وحمل الفتيات والشباب على إعفاف أنفسهم .

وتحذر د .إنشاد من أن تزايد نسبة العنوسة وعدم قدرة الشباب على الوفاء بمتطلبات الزواج يؤدي إلى البحث عن طرق خفية وسهلة للزواج بين الشباب مثل الزواج السري والعرفي الذي بدأ يستشري بين طلبة الجامعات في مواجهة تعقيدات الزواج الرسمي ومتطلباته الكثيرة .

آثار نفسية

وحول خطورة إحساس الشاب والفتاة بالعنوسة تقول الدكتورة سعيدة أبوسوسو أستاذة علم النفس بجامعة الأزهر: للعنوسة آثار خطيرة للغاية حيث يعانى الشاب أو الفتاة العانس الإحساس التام باليأس وفقدان القدرة على مواجهة المشكلات ويضعف إحساس العنوسة بالفعل من قدرات الشاب أو الفتاة وتقلل من إمكانية نجاحهما في الحياة العملية، حيث يفقد العانس الاهتمام بالنجاح والتقدم، كما يعاني الشباب العانس التفكير الدائم في المستقبل وهو تفكير يأخذ الشكل التشاؤمي والشعور بالاكتئاب الدائم الأمر الذي ينعكس على إحساسهم بالهوية فيفقدون الشعور بهويتهم ويلازمهم هذا الشعور فترة طويلة .

أضف إلى ذلك أن الفتاة العانس تتعرض لمشكلة في غاية الخطورة في مجتمعاتنا العربية، حيث إن بقاء الفتاة بلا زواج ووصولها إلى سن متقدمة يجعلها فريسة لألسنة ضعاف النفوس وكذلك يجعلها مطمعا لمن تسول له نفسه ممارسة الرذيلة، كما أن العنوسة تحرم كلاً من الشاب والفتاة من إحساس تكوين الأسرة لأنها تحرم الفتاة من تلبية حاجتها إلى الأمومة وكذلك الشاب يفتقد الإحساس بالأبوة .

وتطالب د .أبوسوسو بأن يتم إنشاء مراكز طبية متخصصة لعلاج الشباب والفتيات الذين تخطوا سن الزواج نفسيا بحيث لا نتركهم ضحايا للوساوس والأمراض النفسية الخطيرة التي قد تدفعهم للانتحار أو لممارسة سلوكيات تضر بهم وبمجتمعاتهم على حد سواء، كذلك لابد من تبني حملة يشارك فيها علماء النفس والأطباء حتى نقنع الآباء والفتيات بترك الماديات وعدم التعلق بها عند الزواج لأننا وبحكم دراستنا لنفسية الإنسان أدركنا أن الماديات هي السبب الرئيس وراء العنوسة .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"