تعاليم الإسلام.. ضمان لبناء أسرة سعيدة

04:35 صباحا
قراءة 6 دقائق

نظم القرآن الكريم العلاقة بين الزوجين على أفضل ما يكون التنظيم، وحمل من التعاليم والوصايا والتوجيهات ما يحقق السعادة للزوجين ويساعدهما على تجاوز كل المشكلات والأزمات التي قد تعترض حياتهما الزوجية، حيث وضع القواعد والضوابط، التي تضمن لكل طرف حقوقه بعد أن يؤدي واجباته، وتوفر للزوجين حياة مستقرة، وللأبناء الطمأنينة والاستقرار.
وقد جاء عطاء القرآن الكريم لاستقرار الحياة الزوجية متنوعاً، حيث أوضح للزوجين أولاً ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بينهما من «مودة ورحمة»، لكي تستقيم حياتهما وتؤتي ثمارها المرجوة، وتحقق أهدافها الإنسانية والاجتماعية، حيث يقول الحق سبحانه: «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة».
فالعلاقة بين الزوجين يجب أن تغلفها وتوجهها المودة والرحمة، وفي هذا الإطار يستطيع الطرفان أن يواجها ما قد ينشب بينهما من خلافات وصراعات، وهنا تبرز حكمة القرآن في القضاء على النزاع بين الزوجين داخل الأسرة، فجعل القوامة عليها مسؤولية الرجل، حيث لا يمكن للسفينة أن تسير بقائدين متنازعين، بل جعل للأسرة قائداً واحداً وهو (الرجل)، يساعده ويسانده معاون لا يمكن الاستغناء عن جهده ومشورته وهي (المرأة) وألزم القائد بالمشورة والانصياع لما فيه مصلحة السفينة، وهي الأسرة.
تقول د. سعاد صالح، أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر للبنات: تعاليم ووصايا القرآن ترسم للزوجين طريق الحياة الآمنة المستقرة، ولذلك يجب على كل زوجين ينشدان الاستقرار والسعادة وتجنب المشكلات والأزمات أن يعملا بما حث عليه القرآن وما وجه إليه رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم حتى تستقر العلاقة بينهما.
وتضيف: لقد أوجب الله تعالى على الزوجة أن تطيع زوجها في غير معصية، كما أوجب عليه القيام بحقوقها كاملة لقوله تعالى: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم»، ودرجة القوامة التي منحها القرآن للأزواج لا تقلل من قدر المرأة ولا تحط من شأنها كما يتصور بعض أصحاب العقول القاصرة من الرجال والنساء، وإنما الغرض منها تنظيم المعاملة، وتطبيق القوانين واللوائح السماوية، والالتزام بالحدود الشرعية حيث يقول تعالى: «وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه».

مسؤوليات الزوج

وقد حدد القرآن مسؤوليات كل من الزوج والزوجة حتى لا يحدث نزاع بين الطرفين، وأولى هذه المسؤوليات - كما توضح د. سعاد - الإنفاق على الأسرة، حيث ألزم به القرآن الزوج في مقابل حق الطاعة، وذلك وفق ظروف الزوج وأحواله المادية، فلا يبخل الزوج الموسر، كما لا يطالب الزوج المعسر بما هو فوق طاقته، وجاء القرآن في أمر النفقة الواجبة بعبارة بليغة موجزة في قوله سبحانه: «لينفق ذو سَعةٍ من سَعته ومَن قُدِر عليه رزقُه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسراً». فالزوج ينفق على قدر يساره، فلا يجوز وفق منطق القرآن أن يكون الرجل ميسور الحال أنعم الله عليه بالرزق الوفير ويفرض على زوجته حياة صعبة ويحرمها مما أنعم الله به عليه.

..ولو كانت ثرية

وتمضي د. سعاد قائلة: إن نفقة الزوجة - وفق ما قرره القرآن أيضاً - واجبة على الزوج حتى مع ثراء الزوجة لإجماع الفقهاء على عدم سقوطها مادامت الزوجة مطيعة لزوجها وجعلها سبباً لقوامته على المرأة فقال سبحانه: «الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم، فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله».
وقد يكون الزوج في ضائقة مالية وغير قادر على توفير النفقة الواجبة عليه لزوجته، وهنا يقرر القرآن أن واجب الزوجة أن تصبر وتنفق من مالها لو كانت صاحبة مال، وأن يدفع الزوج لها عندما يتيسر له الحال لو رغبت هي في ذلك يقول الحق سبحانه: «وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة»، وهذا الحق من حقوق الزوجة لا يسقطه إلا النشوز.

حماية مال الزوجة

ووفر القرآن الكريم الحماية لمال الزوجة واحترام ملكيتها من جانب الزوج وعدم أحقيته في الاستيلاء على مالها أو راتبها إلا ما تنازلت عنه عن طيب خاطر، فالزوجة مستقلة في مالها، سواء أكانت قد حصلت على هذا المال من ميراث أو تجارة أو عمل لقول الله تعالى: «وآتوا النساء صدقاتهن نِحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئاً مريئاً»، وقوله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن».
وتعقب د. سعاد على هذه النصوص القرآنية قائلة: هل هناك ما هو أكثر مصداقية من كلام رب العالمين؟ حيث حرّم على الزوج أن يأخذ من مالها شيئاً إلا عن طيب نفس، وذلك إبطال لسلوك كثير من الرجال وطمعهم في أموال زوجاتهم.

زينة الحياة الدنيا

وإلى جانب نعمة المال وحق كل من الزوجين في الاحتفاظ بماله من دون عدوان من أحدهما على مال الآخر، هناك حق مشترك للزوجين حظي باهتمام القرآن، وهو (الأولاد) فهم كما وصفهم القرآن زينة الحياة الدنيا ونعمة من المولى سبحانه وتعالى لمن يشاء، وليس من حق أحد من الزوجين أن يحرم شريك حياته من هذه النعمة، فالإنجاب ليس ترفاً اجتماعياً، بل هو ضرورة شرعية ولأنه حق مشترك بين الزوجين فلا يجوز إجبار أحد الطرفين على الاستمرار في حياة زوجية مع طرف عقيم وحرمانه من مشاعر الأبوّة أو الأمومة، ولذلك، فإن الشريعة الإسلامية تبيح للزوجة طلب الطلاق، كما تبيح للرجل أن يتزوج بأخرى تنجب له الذرية.

علاقة مقدسة

وحرصاً من القرآن الكريم على تغليف العلاقة الزوجية بكل ما هو كريم وأخلاقي، فقد وضع آداباً عامة ينبغي للطرفين الالتزام بها في علاقتهما العاطفية، لذلك جعل العلاقة بينهما مقدسة ولها حرمتها ولا يجوز لأي من الزوجين أن يتحدث عنها تحت أي ظرف إلا في حالات خاصة، وليس هناك أبلغ ولا أروع من قول الحق سبحانه في وصف العلاقة الخاصة بين الزوجين: «هن لباس لكم وأنتم لباس لهن»، وهذه الخصوصية لا تقف عندما يخص العلاقات الخاصة بين الزوجين وما يتعلق بأمور المعاشرة الزوجية، بل تشمل كل ما يحدث بين الزوجين من مناقشات وخلافات وأمور تتعلق بالأولاد، وما يخص الظروف المالية للأسرة، وكل ذلك له حرمته، ولا يجوز لأحد من الزوجين أن يتحدث عنه لأي شخص مهما كانت صلة قرابته أو علاقته بالأسرة.

مواجهة الخلافات

وكما وضع القرآن أساس العلاقة الطيبة بين الزوجين، التي تقوم على المودة والرحمة؛ وضع أيضاً خطة الإصلاح بين الزوجين وتقويم سلوك الزوجة الناشز، وحدد للزوج وسائل علاج لا يجوز له أن يتجاهلها فقال سبحانه وتعالى مخاطباً الرجال: «...واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان عليّاً كبيراً».
يقول د. محمد الشحات الجندي، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر: القرآن شرح لكل زوج يعاني من عصيان وتمرد زوجته كيف يتعامل معها، حيث يبدأ في تقويم سلوكها أولاً بالوعظ.. أي بالكلمة الطيبة والنصيحة المخلصة من دون توبيخ أو تعنيف أو تهديد.. فإذا ما فشلت النصيحة والموعظة لجأ إلى وسيلة أخرى وهي الهجر في المضاجع، وإذا لم يحقق الهجر هدفه ويعيد الزوجة إلى صوابها، كان الضرب الرمزي غير المؤلم.
لكن ما الحكم لو استمر النشوز بعد الوعظ والهجر والضرب؟
يقول د. الجندي: لقد أرشدنا القرآن الكريم إلى حل أخير وهو الإصلاح بين الزوجين عن طريق حكمين فقال سبحانه وتعالى في سورة النساء:
«وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما إن الله كان عليماً خبيراً».
والمعنى الذي ترشدنا إليه هذه الآية: وإن علمتم أيها المؤمنون أن هناك خلافاً بين الزوجين نتج عنه نفور شديد، وانقطاع حبال الحياة الزوجية بينهما، ففي هذه الحالة عليكم أن تبعثوا «حكماً» أي: رجلاً صالحاً عاقلاً أهلاً للإصلاح ومنع الظالم من الظلم «وحكماً من أهلها» أي: من أقارب الزوجة بحيث يكون على صفة الأول، لأن الأقارب في الغالب أعرف ببواطن الأحوال، وأطلب للإصلاح، وتسكن إليهم النفس أكثر من غيرهم.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"