الأسرة المسلمة في خطر فقد تحولت من نبع الحنان والطمأنينة والاستقرار بين أفرادها إلى حالة من الغليان والتفكك.
بعض الأبناء تحولوا إلى جلادين لأقرب الناس إليهم، تعالت صيحات الأمهات والأبناء من الإهمال وسوء المعاملة والضرب أحيانا بل والقتل في أحيان أخرى على يد فلذات أكبادهم الذين ظنوا أنهم سيكونون الصدر الحنون والسند في الكبر فإذا بهم يتحولون إلى وحوش كاسرة تنهش في أجساد من كانوا السبب في وجودهم بعد الله.
العاقون ضربوا ببر الوالدين عرض الحائط بعد أن سيطرت عليهم شياطين الإنس والجن، فلماذا حدث هذا؟
واقعيا لا أحد ينكر أن مشكلة عقوق الوالدين قد زادت واستفحلت، وتعددت أشكال العقوق في ظل نسيان بعض الأبناء أن هناك أحاديث وآيات قرآنية عديدة أكدت حقوق الوالدين ففي الحديث الشريف: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق بوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق بوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى.
وصور العقوق عديدة، أبشعها القتل والضرب والإهانة وأبرزها منع الأبناء النفقة عن الآباء وإيذاء الأبناء للوالدين باللسان أو باليد ومن صور العقوق كذلك من يتسبب في سب ولعن والديه أو أحدهما حيث قال صلى الله عليه وسلم: من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه.
والمتابع للرصد الاجتماعي والإعلامي في الفترة الأخيرة سيلاحظ مدى استفحال مشكلة عقوق الوالدين، ففي محافظة قنا بجنوب مصر قام شاب بقتل أمه وأبيه بفأس وألقى جثتيهما في حفرة الصرف الصحي بالمنزل.
وفي مدينة حماة السورية قتل شاب والدته وزوجها لأنها تزوجت بعد وفاة والده، وفي الأردن قامت فتاة في العشرين من عمرها بتسميم والدها لأنه نهرها عن الخروج ليلا وقد لفظ الأب أنفاسه الأخيرة قبل وصوله إلى المستشفى.
في دور المسنين
يروي أحد المسؤولين عن دار للمسنين في القاهرة أن مجموعة من الإخوة غافلوا أمهم وأوهموها بأنهم ذاهبون بها إلى المصيف وجمعوا حاجاتها وذهبوا بها إلى دار المسنين وجلسوا معها قليلا ثم تركوها تواجه بمفردها الحقيقة المرة فكفت عن الكلام ولم تتناول الطعام لمدة يومين ولم يمر الوقت طويلا حتى توفيت الأم التي لم يتحملها أبناؤها.
ويقول عبد الرازق محمد صبري (78 سنة) صاحب مصنع موبيليا: ابني وابنتي تقاسما كل مالي في الحياة، وألقياني هنا في دار المسنين التي أعتبرها سجنا لا ننام فيه براحتنا ولا نأكل بانتظام، سامحهما الله. وفي الأردن توفيت أم في دار للمسنين فاتصلت الدار بأولادها حتى يأخذوا الجثة، فكانت المفاجأة المذهلة التي ردوا بها عبر التليفون: ادفنوها في أية مقبرة من مقابر الصدقة، مع العلم أن هؤلاء الأبناء من الأثرياء ونجوم المجتمع.
لماذا هذه القسوة التي عششت في قلوب بعض الأبناء؟
يكشف الدكتور يحيى الرخاوي أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة عن حقيقة خطيرة وهي أن نسبة العقوق تضاعفت في ظل زيادة المستوى التعليمي والثقافي في مجتمعاتنا الإسلامية بسبب تهميش مناهج التعليم لأهمية بر الوالدين، وفي الوقت نفسه غلبة الأنانية على حياة الأولاد الذين لم يتعلموا شيئا عن أهمية البر والبعد عن العقوق سواء داخل أسرهم أو في وسائل الإعلام مما جعل الماديات تسيطر على عقول الأبناء وتسيطر القسوة على قلوبهم حتى أعمتها، وعمى القلوب أشد خطورة من عمى البصر لأنه يجعل الإنسان لا يفرق بين والديه، اللذين هما السبب في وجوده بعد الله، وبين بقية البشر. ويقول الدكتور الرخاوي: شعوبنا المسلمة حنونة بطبعها وبارة بوالديها وبقية الأرحام، ولكن المشكلة في المناخ الثقافي الذي تعيش فيه، فعندما نجد العنف وسيلة لأخذ الحقوق في الشارع، والواسطة وسيلة لأخذ الحقوق في المصالح وربما أقسام الشرطة، ورفع الصوت هو الوسيلة الغالبة للتفاهم بين الزوجين عندئذ قد ينشأ الطفل قاسي القلب على والديه أو لديه الرغبة في التعامل معهما بأنانية وعنف أيضاً.
ومن الواجب هنا أن نبدأ الإصلاح بالطفل المسلم، وأن نربيه على الطاعة في الخير وقوة الشخصية والجدال بالحق، وأن نفتح معه أبواب الحوار المبكر ولا نغرس فيه معاني الغرور أو التفاهة، وأن نفرغ طاقاته في البناء، وننبهه دائما إلى أن كل ما يراه في الواقع ليس خيرا ولا شرا كله.
قيم غائبة
ويدعو الدكتور سعيد إسماعيل علي (الأستاذ بكلية التربية في جامعة عين شمس) إلى إعادة النظر فيما يتم تدريسه لأبنائنا وخاصة في ظل كثرة حالات العقوق التي يعد أحد أسبابها الرئيسية عدم معرفة أحكام الشرع، ولهذا ينبغي أن يتم تعديل مقررات التربية الدينية لتركز على القضايا الحياتية وفي مقدمتها بر الوالدين.
ويكون ذلك بعرض نصوص القرآن والسنة النبوية التي تحث على البر وتحذر من العقوق، ولا يمكن إغفال أهمية تدريس نماذج من قصص بر الوالدين في حياة السلف الصالح في شكل مشوق، ولتكن البداية بتدريس قصص الأنبياء وما فيها من صور رائعة.
أطفالنا وشبابنا الآن يحتاجون إلى قيم غائبة عن حياتنا كثيرا وخصوصاً التضحية والصبر في الحياة بشكل عام ومن ثم التضحية في سبيل الوالدين والأقربين، والمثل الأعلى في ذلك نراه في قصة إسماعيل الذبيح عليه السلام التي سجلها القرآن بحروف من نور لتكون دروسا للأجيال يقول الحق: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين. لابد أن يعرف أبناؤنا هذا المعنى من القصص القرآني الزاخر بمثل هذه الأخلاق المتناثرة في السيرة والتاريخ الإسلامي حتى ينشأ الطفل وقد زرع في داخله أن بر الوالدين منهاج حياة وأسلوب راسخ في التعامل اليومي مع أقرب الناس إلينا.
تقليد الغرب
يحذر الدكتور علي ليلة أستاذ الاجتماع في كلية الآداب جامعة عين شمس من التقليد الأعمى للغرب في العلاقات الأسرية، حيث أوشك مفهوم الأسرة لدى الغرب على الانتهاء، وتحولت حياتهم أو كادت إلى غابة لا يرحم فيها الأبناء والديهم المسنين، وهذا ما دفع السيناتور الأمريكي الديمقراطي كلود بير إلى الاعتراف في دراسة مهمة أصدرها مؤخرا بأن وضع المسنين في الولايات المتحدة يعد عارا وطنيا على أمريكا في ظل الإساءات المتعددة التي يتعرضون لها يوميا لدرجة التعذيب الجسدي والنفسي وسرقة أموالهم على يد ذويهم وفي مقدمتهم الأبناء.
ورغم هذا الاعتراف إلا أننا ننظر أحيانا إلى كل ما يأتينا من الغرب بانبهار ونحاول تقليده تقليد القردة دون أن ننظر إلى مدى توافق ذلك أو تعارضه مع تعاليم ديننا، بل وتقاليدنا الراسخة. إن مقاومة هذا التقليد المدمر تكمن في العودة إلى الجذور وإعادة بناء الشخصية المنحرفة التي تسيء إلى الوالدين، وأن يلعب المجتمع دورا أكبر في استهجان ومقاطعة العاقين للوالدين لأن هذا نوع من العقاب القاسي الذي قد لا يتحمله كثير من العاقين ومن لا يرتدع من المقاطعة يجب أن يطبق عليه قانون يحمي الوالدين الضعيفين من عنف وجبروت بعض أبنائهما الذين حولوا الحياة إلى ما يشبه غابة.
الطاعة المثالية
ويرى الدكتور محمد المسير الأستاذ بكلية أصول الدين بالأزهر أن القضاء على مشكلة العقوق يكمن في أن يأخذ كل مسلم من معاني قصة إسماعيل عليه السلام قدوته ونموذجه الذي يحتذي به في التعامل مع والديه، فقد اتصف نبي الله إسماعيل بالتضحية والفداء والطاعة والولاء لوالده عليه السلام.
ويضيف: كل مسلم لو وضع نصب عينيه معاني وأخلاقيات واقعة الذبح التي تعرض لها إسماعيل ووافق عليها على الفور إرضاء لله أولا ولوالده ثانيا فإن العقوق سيختفي من حياتنا ولن يصبح ذلك الطوفان الذي يهدد حياتنا الأسرية بالانهيار، فالابن في قصة الذبح استجاب للأمر الإلهي الذي صدر له على لسان الأب ولم يكذب أباه، ولم يماطله أو يهرب منه، ورغم كل محاولات الشيطان إثناء الابن عن طاعة أبيه إلا أن الابن كان بارا بأبيه ولم يراوغ لأنه تصرف وفق التعاليم الإلهية التي تطالبه بالثقة في أبيه والبر به، ولهذا فقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يفتدي الابن البار الصابر بذبح عظيم وقد ذكر القرآن الكريم هذه الحادثة بإيجاز بليغ حيث يقول الله تعالى: فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين. فلما أسلما وتله للجبين. وناديناه أن يا إبراهيم. قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين. إن هذا لهو البلاء المبين. وفديناه بذبح عظيم، (الصافات: 102 107). وهكذا تكشف هذه الآيات عن أن طاعة الابن لوالده هي من الواجبات بل من أوجب الواجبات التي تأتي في المرتبة الأولى بعد عبادة الله عز وجل، وان عدم الطاعة للوالدين يعتبر عقوقا، والعقوق من الكبائر ويأتي في الإثم بعد الإشراك بالله.
وعلى الأولاد كذلك أن يتذكروا أنهم مأمورون بالأدب وخفض الصوت والطاعة، وقد قال الله عز وجل في هذا: واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا، وقد استخدم القرآن الكريم أسلوب التشبيه التمثيلي في هذه النقطة، فقد مثل كيفية تواضع الابن لوالديه بالطائر إذا أراد ضم فراخه إليه فإنه يخفض جناحه لها حنوا عليها.
أيضاً على الدعاة وعلماء الدين أن يكثروا قدر إمكانهم من توجيه خطابهم الديني نحو الأبناء والبنات كي يحرصوا على بر الوالدين وأن يكونوا طائعين لهما في جميع التصرفات والأقوال. وفي الحديث: كل الذنوب يؤخر الله منها ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإن الله يجعله لصاحبه في الحياة قبل الممات.
كما تدين تدان
ويلفت الدكتور منيع عبد الحليم محمود الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر النظر إلى سبب من أسباب انتشار ظاهرة العقوق وهو التراخي في زرع وغرس القيم التربوية السليمة في نفوس أبنائنا، المفترض فيهم أن يكونوا أمل الآباء في الدنيا. والله تعالى يقول في القرآن الكريم: والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما (الفرقان: 74).
فيجب على الآباء أن يكونوا من المتقين بأن يزرعوا في نفوس أبنائهم التقوى والإيمان فينشأ الابن بارا بوالديه، فحسن التربية هو الوسام الذي يضعه الآباء على صدورهم وهو الادخار الذي يؤتي ثماره في كبرهم فعندما يربي الوالدن أبناءهما على خلق القرآن وآدابه وعلى اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأبناء سينشؤون بالتالي على خلق القرآن، وسيدركون أن الجنة أحد سبلها وطرقها السهلة البر بالوالدين والإحسان إليهما.
إن تربية الأبناء على القيم المادية الاستهلاكية وحرمانهم من التربية على موائد القرآن والسنة النبوية المطهرة هو أحد المغذيات الأساسية لظاهرة العقوق فللأسف الشديد كثير من الأسر تظن أن وضع الأطفال في دور الحضانة معظم اليوم وإلقاءهم في حجر الخادمات بقية اليوم هو من سبل التربية.
لم يدرك هؤلاء أنهم بهذا يكونون قد وفروا للأبناء المأكل والمشرب والملبس والنفقات ولكنهم أغفلوا الجانب التربوي الإيماني والأخلاقي حين تركوا هذا الجانب للمربية الأجنبية التي تمنح الأطفال قيماً أخلاقية غريبة على مجتمعاتنا الإسلامية، وبهذا ينشأ الطفل وقد غرسنا فيه دون أن ندري الجحود والنكران، وهكذا إذا غربت شمس العمر وأدركتنا الشيخوخة كان أول ما يفعله بعض هؤلاء الأبناء هو إيداع آبائهم دور المسنين أو إهمالهم إهمالا تاما.
من جوانب الحل
من جوانب الحل أيضا كما يطرح الدكتور إسماعيل الدفتار الأستاذ بجامعة الأزهر ضرورة أن تبذل زوجة الأب قصارى جهدها حتى تستطيع التسلل إلى قلوب أولاد الزوج، وأن تصبر على الجفاء وأن تستحضر الأجر والثواب وأن تنظر دائما إلى عواقب أية مشاكسات تحدث بينها وبين حماها أو حماتها وأن هذه المشاحنة من الممكن أن تؤدي إلى أن يعق زوجها والديه، ومن ثم تتحمل هي أيضا جزءا من الوزر.
ومن الواجب على الزوجة أن تبادر والدي زوجها بالهدية، وأن تحرص على حسن المحادثة والاستماع لحديث الوالدين وأن تتلطف بالكلام وإلقاء السلام وحسن التعاهد، ومن ذلك أن توصي زوجها بمراعاة والدته ولا يشعرها بأن قلبه قد مال عنها إلى زوجته.
ويجب على الزوجة أن تتذكر دوما أن هناك نوعا من غيرة أم الزوج، ومن الأمهات هداها الله من توقع ابنها في الحرج دون أن تشعر فهي تحبه وتحرص على إسعاده، ولكن سوء تصرفها يجلب عليها وعلى ابنها الضرر فحين يتزوج الابن تشعر أمه بأنه قد خطف منها وأن قلبه قد مال عنها فتحرص على أن يعود لها فتوغر صدره على زوجته وتحرك فيه نوازع العزوف عنها وربما زينت له طلاقها ووعدته بأن تبحث عن خير منها مع أن الزوجة قد تكون على درجة من الخلق والجمال، فعلينا أيضا أن نناشد الأم بألا تكون معول هدم وتخريب ولا تجعل غيرتها على ابنها تتسبب في تدمير حياته أو دفع أولاده لعقوقه.
ويشدد الدكتور الدفتار على أن قيم التكافل الإسلامية تتعارض تعارضاً شديداً مع انتشار ما يعرف باسم دور المسنين مطالبا المجتمعات الإسلامية بالتخلص من هذه البدعة المستوردة من الغرب الذي ابتدعها لغياب القيم التي تحث على صلة الرحم والتكافل والتواد بين أبناء المجتمع الواحد بعكس الموجود في المجتمعات الإسلامية التي تحكمها مجموعة من القواعد والأسس والقيم الكفيلة بالقضاء على المشكلات التي قد تؤدي بالابن أو الابنة إلى الإلقاء بأحد أبويه في مكان موحش تحت مسمى دار المسنين.