وضع القرآن الكريم دستور العلاقة بين المسلمين، وجعل الاعتصام بحبل الله المتين والتعاون بينهم في كل مجالات الحياة فريضة لا يجوز التخلي عنها تحت أي ظرف، لذلك تعددت وتنوعت النصوص القرآنية التي تحذر من التفرق والتشرذم والخلاف، وأعقبتها نصوص أخرى تحث على التعاون والتضامن والاعتصام، ثم أوضح القرآن المنهج الذي ينبغي أن يسلكه المسلمون إذا ما اعتدت طائفة من المسلمين على طائفة أخرى .
وقد اتبع القرآن في دعوة المسلمين إلى الوحدة والتضامن وتحذيرهم من الفرقة والخلاف أسلوب الترغيب والترهيب، حيث حمل العديد من النصوص القرآنية دعوات واضحة إلى الاعتصام بحبل الله، وبياناً لفضائل هذا الاعتصام ثم أعقب الحق سبحانه الحديث عن فضائل هذا الاعتصام والتضامن بالحديث عن مساوئ وتداعيات الفرقة والخلاف .
يقول د . أحمد عمر هاشم، أستاذ السنة النبوية، الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر: لقد أمر القرآن الكريم المؤمنين بأن يعتصموا بحبل الله جميعا، وفي دعوة القرآن الكريم لوحدة الأمة توضيح للأساس الذي تنهض عليه هذه الوحدة، وهو الدين والاعتصام به وبكتاب الله تعالى الذي هو سبب النجاة، وأوضح القرآن هذا الأساس محذراً من التفرقة، لما لها من أخطار محدقة، وذكر سبحانه وتعالى هذه الأمة بما كان عليه الأوس والخزرج قديماً، حيث استمرت الحروب بينهم مائة وعشرين سنة، حتى جاء الإسلام فأخمدها وجمعهم على الحق وألّف بينهم .
وترسيخاً لأسس هذه الوحدة كلّف الله الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انتصاراً للدين وإقامة لقوته ودفعاً لآفات الشر والفساد التي قد تثار حول حماه، أو ترتكب في الوطن الإسلامي، وضرب القرآن الكريم المثل بمن قبلنا حين اختلفوا بعد أن جاءتهم البينات فكان لهم الوعيد الشديد .
جسد واحد
ومن النصوص القرآنية الكريمة التي جاءت بدعوة واضحة للتضامن والوحدة بين المسلمين ونهي صريح عن التفرق قول الحق سبحانه وتعالى في سورة آل عمران يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون .
في الآية الأولى كما يوضح الشيخ محمد الراوي، أستاذ التفسير وعلوم القرآن، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر أمر صريح من الله عز وجل لعباده المؤمنين بالتمسك بتقوى الله ومراقبته وخشيته حتى لا يكونوا على ملة سوى ملة الإسلام إذا أدركهم الموت، وإنما عليهم أن يستمروا على دينهم القويم حتى يأتيهم الأجل الذي لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون .
وبعد أن أمرهم سبحانه بمداومة خشيته والاستمرار على دينه أتبع ذلك بأمرهم بالاعتصام بدينه وبكتابه، فقال تعالى: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، فهذه الآية الكريمة تأكيد لما اشتملت عليه سابقتها من مداومة التقوى والطاعة لله رب العالمين .
والمراد بحبل الله هنا دينه، أو عهده، أو كتابه، لأن التمسك بهذه الأشياء يوصل إلى النجاة والفلاح .
والمعنى: كونوا جميعاً مستمسكين بكتاب الله وبدينه وبعهوده ولا تتفرقوا كما كان شأنكم في الجاهلية بضرب بعضكم رقاب بعض، بل عليكم أن تجتمعوا على طاعة الله وأن تكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، وبذلك تفوزون وتسعدون وتنتصرون على أعدائكم .
فالآية الكريمة تأمر المسلمين جميعاً بأن يعتصموا بعهود الله وبدينه وبكتابه، وأن يكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وأن ينبذوا التفرق والاختلاف الذي يؤدي إلى ضعفهم وفشلهم .
من العداء إلى الألفة
ثم أمر الله عباده بتذكر نعمه عليهم، فقال: واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها .
أي: تذكروا كيف كنتم في الجاهلية أعداء متقاتلين متنازعين فألّف الله بين قلوبكم بأخوة الإسلام فأصبحتم متحابين متناصحين متوادين، وكنتم على وشك الوقوع في النار بسبب اختلافكم وضلالكم، فمَنّ الله عليكم وأنقذكم من التردي فيها بهدايتكم إلى الحق عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله ربه رحمة للعاملين . . لذلك كان من الواجب عليكم، وفاءً لهذه النعم، أن تشكروا الله عليها، وأن تطيعوا رسولكم صلى الله عليه وسلم وأن تتمسكوا بعرى المحبة والمودة والأخوة فيما بينكم .
وفي هذه الآية الكريمة تصوير بديع مؤثر لحالة المسلمين قبل الإسلام وحالتهم بعد الإسلام، فقد صوّر سبحانه حالهم وترديهم في الكفر والاختلاف والتقاتل قبل أن يدخلوا في الإسلام بحال من يكون على حافة حفرة من النار يوشك أن يقع فيها . . وصور هدايته لهم إلى سبيل الحق والمحبة والإخاء بدخولهم في الإسلام عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم بحالة من يبعد غيره عن التردي في النار وينقذه من الوقوع فيها .
سوء عاقبة المتفرقين
وقد تلازمت الدعوة إلى الاعتصام والتعاون والتضامن والوحدة في كتاب الله الخالد مع التحذير والتنفير من الخلاف والتشرذم، ومن بين النصوص القرآنية الكريمة التي حذّرت من الخلافات التي تعصف بوحدة المسلمين وتصرفهم عن أهدافهم الحقيقية في الحياة، قول الحق سبحانه في سورة آل عمران: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم .
أي: ولا تكونوا أيها المؤمنون كأولئك اليهود والنصارى وغيرهم من الذين تفرقوا شيعاً وأحزاباً، وصار كل حزب بما لديهم فرحين، واختلفوا فيما بينهم اختلافاً شنيعاً، وقد ترتب على ذلك أن كفّر بعضهم بعضاً، وقاتل بعضهم بعضاً، وزعم كل فريق منهم أنه على الحق وغيره على الباطل، وأنه هو وحده الذي يستطيع أن يدرك ما في الكتب السماوية من حقائق، وهو وحده الذي يستطيع تفسيرها تفسيراً سليماً .
ولقد كان تفرقهم هذا واختلافهم من بعد ما جاءهم البينات، أي الآيات والحجج والبراهين الدالة على الحق، والداعية إلى الاتحاد والوئام لا إلى التفرقة والاختلاف .
والمقصود هنا النهي عن التفرق والاختلاف في أصول الدين وأسسه، أما الفروع التي لا يصادم الخلاف فيها نصاً صحيحاً من نصوص الدين فلا تندرج تحت هذا النهي فنحن نرى أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين من بعدهم اختلفوا فيما بينهم في بعض المسائل التي لا تخالف نصاً صحيحاً من نصوص الشريعة، وتأولها كل واحد أو كل فريق منهم على حسب فهمه الذي أدى إليه اجتهاده .
وقد أوضح الحق سبحانه في ختام هذه الآية الكريمة سوء عاقبة المتفرقين، والمختلفين في الحق، فقال: أولئك لهم عذاب عظيم أي أولئك الموصوفين بتلك الصفات الذميمة لهم عذاب عظيم بسبب تفرقهم واختلافهم بالباطل .
وهكذا نرى القرآن الكريم قد نهى المؤمنين عن التفرق والاختلاف بأبلغ تعبير وألطف إشارة، وذلك بأن بيّن لهم حسن عاقبة المعتصمين بحبل الله، وما بشّر به سبحانه المواظبين على الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أنهم هم المفلحون الفائزون .
ثم بيّن لهم بعد ذلك سوء عاقبة التفرقة والاختلاف الذي وقع فيه من سبقهم من اليهود والنصارى، وكيف أنه ترتب على تفرقهم واختلافهم أن كفّر بعضهم بعضاً، وقاتل بعضهم بعضاً، ورمى بعضهم بعضاً بالزيغ والضلال .
هذا في الدنيا، أما في الآخرة فلهؤلاء المتفرقين والمختلفين العذاب العظيم من الخالق، فالقرآن قد أتى بالأوامر ومعها الأسباب التي تدعو إلى الاستجابة لها، وأتى بالنواهي ومعها كذلك الأسباب التي تحمل على البعد عنها .
مصالحة واجبة
وإلى جانب النصوص القرآنية التي أمرت بالاعتصام والتضامن والوحدة وحذرت من الفرقة والخلاف جاءت نصوص أخرى تؤكد ضرورة تصفية الأجواء بين المسلمين وتدخل العقلاء والحكماء لإنهاء أي خصومة، حيث يؤكد الحق سبحانه فرضية المصالحة، وردع الفئة الباغية لو لم تستجب لنداء العقل ومنطق الحكمة، وتقدر المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي . . وهنا يبرز قول الحق سبحانه: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنين إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون، فالله سبحانه وتعالى هنا يأمر المسلمين بالتدخل بين الطوائف المتنازعة لعقد المصالحة بينها، وقتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى حكم الله تعالى، فالخطاب في الآية لأولي الأمر من المسلمين، والأمر في قوله فَأَصلحوا للوجوب .
والمعنى: وإن حدث قتال بين طائفتين من المؤمنين فعليكم يا أولي الأمر من المؤمنين أن تتدخلوا بينهما بالإصلاح عن طريق النصح وإزالة أسباب الخلاف، فإن بغت إحدى الطائفتين على الأخرى وتجاوزت حدود العدل والحق فقاتلوا أيها المؤمنون الفئة الباغية حتى تفيء وترجع إلى حكم الله تعالى وأمره، وحتى تقبل الصلح الذي أمرناكم بأن تقيموه بينهم . وقوله سبحانه: فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا بيان لما يجب على المؤمنين أن يفعلوه مع الفئة الباغية، إذا ما قبلت الصلح ورجعت إلى حكم الله تعالى . . أي: فإن رجعت الفئة الباغية عن بغيها، وقبلت الصلح، وأقلعت عن القتال، فأصلحوا بين الطائفتين إصلاحاً متسماً بالعدل التام وبالقسط الكامل، وقيد سبحانه وتعالى الإصلاح بالعدل . . ثم أكد ذلك بالأمر بالقسط حتى يلتزم الذين يقومون بالصلح بينهما بالعدالة التي لا يشوبها أي حيف أو جور على إحدى الطائفتين .