من العجيب أنه لا يزال في عصرنا من يحزن إذا رزقه الله بأنثى والدليل على ذلك أن هناك العديد من الدراسات حذرت من تنامي ظاهرة تدليل الأبناء الذكور مقابل التعامل بشدة وجفاء مع الفتيات في المجتمعات الشرقية، ولفتت الدراسات الاجتماعية النظر إلى العلاقة بين المستوى الثقافي والتعليمي
وطريقة التعامل مع الأبناء حيث تبرز ظاهرة التميز بين الآباء الأقل ثقافة، وتتراجع مع زيادة الوعي الثقافي والتربوي. كل هذا يطرح السؤال: هل تفضيل الذكور نوع من أنواع وأد البنات في القرن الواحد والعشرين؟ وكيف نواجه هذه المشكلة؟.. الخليج طرحت القضية على بعض العلماء في التحقيق الآتي:
يقول الدكتور يحيى عيد مرسي أستاذ الاجتماع بجامعة حلوان: إن انتشار ظاهرة تفضيل الذكور على الإناث في مجتمعاتنا الإسلامية وفي الدول الشرقية بشكل عام يؤكد أن الأنثى وئدت حية في زمن الجاهلية، وكرمت في الدين الإسلامي الحنيف، لكنها ما زالت تواجه المضايقات والتعصب لحساب الذكر بصفته حامي النسل من الانقراض والحامل للمسؤولية القيم على أهل بيته وذلك بفعل عدم الوعي الثقافي لطبيعة الدور الذي تقوم به الأنثى في المجتمعات، والأهم من ذلك نتيجة لعدم إدراك ووعي الزوج بأنه المسؤول عن جنس المولود لقدر الله عز وجل وفقا لما أثبتته الأبحاث والدراسات العملية ورغم أن القوانين السائدة في معظم المجتمعات الإسلامية تؤكد أن الأنثى كالذكر لا فرق بينهما في الرعاية والحقوق والواجبات والاهتمام إلا أن الحقيقة أن مجتمعاتنا ما زالت تشهد سيطرة العادات والتقاليد التي تشمل تصورات خاطئة عن وضع المرأة، مثل تفضيل الذكور على الإناث.
رد فعل خاطئ
وللأسف الشديد فإنه قد نشأت على هذا الفهم المختل أجيال تربت على ركام مظالم من تمييز بين الذكر والأنثى في فرص التعليم أو حرمان للبنت من نصيبها الشرعي في الميراث وزيادة نصيب الولد وهكذا تنشأ المرأة عندنا على أنها أدنى من غيرها ليس بسبب سوء أدبها حين تسيء الأدب أو قلة علمها حين تركن للجهل أو فتور عزمها عندما تستسلم للكسل، ولكن بسبب أنها خلقت أنثى.
ويضيف د.عيد: والمشكلة التي يجب أن ندركها جميعاً هي أن المنظمات النسائية في بلداننا نشأت كرد فعل على نزعة تفضيل الذكور واعتنقت هذه الجمعيات والمنظمات أفكاراً تفضل الأنثى على الذكر، ليس هذا فحسب بل إن تلك المنظمات تحرص على حشد الأدلة والبراهين على أن الأنثى هي الأصل، أو الأهم، وأنها لا تقل فضلاً بل ربما تزيد.. إلى آخره من الأفكار التي تستبطن أن الرجل هو الأهم، ولا تكون المساواة إلا خصماً منه، أو نقداً له، أو طعناً فيه وهو ما هدد استقرار المجتمعات ولو كانت تلك المجتمعات قد طبقت التعاليم الإسلامية لما ساد التنافس المزعوم بين المرأة والرجل وهو تنافس لا يصب في مصلحة المجتمع. ولمواجهة تلك القضية يقول د.عيد: يجب على الشباب باعتبارهم أزواج وأباء المستقبل ألا يتأثروا بالضغوط النفسية والاجتماعية ولا يسمحوا بتدخل الآباء في حياتهم الإنجابية وأن يساووا بين الأبناء ذكوراً وإناثاً والتركيز على إنجاب وتربية أطفال أصحاء وليتذكروا أن هناك آباء لا ينجبون على الإطلاق ويتوقون لأي طفل ولدا كان أو بنتا.
تمييز مرفوض
ويشير الدكتور عبدالغني عبود أستاذ التربية بجامعة عين شمس إلى أن من سيئات التربية العربية أن تكيل بمكيالين، فالذكر مفضل على الأنثى في كل شيء في المعاملة، في الحب وفي التدليل وفي العطاء وفي النظرة، في المكانة، في التشاور، في الاهتمام، فالأنثى في المجتمع العربي لا تجد ترحيباً عند قدومها إلى هذه الحياة مثل الذكر، وتظل تعاني من النظرة السلبية من قبل المجتمع مهما كانت كفاءتها وجدارتها، لا لشيء إلا لأنها أنثى والأم تربي ابنتها لتكون مطيعة خنوعة ذليلة بينما تربي ابنها ليكون مسيطراً تغفر سيئاته وانحرافاته.
ويضيف: يجب أن ندرك خطورة التمييز بين الأبناء الذكور والإناث لأن التمييز نوع من الظلم منهي عنه نهياً قاطعاً بالنصوص القرآنية والنبوية والإسلام دين العدل في نصوصه وروحه وأهدافه، وتشريعاته وأحكامه بل إن الإسلام كله عدل ولذلك فمن غير المتصور منطقاً وشرعاً أن يقر الإسلام التمييز بين الأبناء وفي رأيي الشخصي فإن تفضيل الذكور على الإناث لا يرجع فقط إلى ضعف الوازع الديني بمقدار كونه نوعاً من الطغيان العاطفي لبعض الآباء والأمهات تجاه بعض الأبناء فيختل لديهم المعيار السليم للتربية السوية والمتوازنة وقد يكون في نشر التوعية عن طريق وسائل الإعلام بالأسلوب الأمثل للتربية السليمة ما يساعد على الحد من بعض الأساليب الخاطئة لدى بعض الأسر في تربية أولادها.
وتفضيل الذكور على الإناث لا يتوقف أثره السيئ على حياة البنات فحسب، ولكنه أيضاً مادة خام ومشروع إنتاج طاغية صغير، أو رجل متعجرف سيئ الخلق، وإن تخطاه في مستقبله قطار الإجرام فلا أقل من أن يكون عنيفاً قاسياً، خاصة على الضعفاء والمساكين.. ولا عجب فهو تربى على ذلك، والسبب الحقيقي هو استهتار الآباء ببناتهم وحبهم الجنوني للولد، ولكنه للأسف حب يقود إلى الهلاك، وقد أنصف الإسلام البنات أيماً إنصاف ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: من كانت له أنثى فلم يئدها، ولم يهنها، ولم يؤثر ولده عليها، أدخله الله الجنة والذي أراه أن التوعية الدينية بمساواة الإسلام بين الجنسين غير كافية لمواجهة تلك الظاهرة بل من الواجب أن يلعب الإعلام والتوجيه الاجتماعي والنفسي في برامج الفضائيات دوره في توعية الأسرة المسلمة بخطورة الظاهرة كذلك فإن الإرشاد الطبي ضرورة حتى يكف الآباء عن مطاردة الأمهات طلباً للابن الذكر فعندما يدرك الأب أنه المسؤول عن نوع الجنين فسيتعامل مع الموقف بعدالة أكثر وستختفي المشاحنات التي تجعل الأسرة المسلمة تصر على إنجاب الذكر.
يوصيكم الله في أولادكم
وعن رأي الدين في هذه القضية يقول الدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة بجامعة الإسكندرية: لقد جعل الإسلام للبنت حقوقاً كثيرة، من أبرزها وجوب العدل في معاملتها، وحرمة تفضيل الذكر عليها حيث قال الله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم، وقال صلى الله عليه وسلم: سووا بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء.
والسيرة النبوية تحكي لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبينما كان يحدث أصحابه جاء صبي، حتى انتهى إلى أبيه في ناحية القوم فمسح رأسه وأقعده على فخذه اليمني فلبث قليلاً فجاءت ابنة له حتى انتهت إليه فمسح رأسها وأقعدها على الأرض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أجلستها على فخذك الأخرى؟ ألا سويت بينهما؟، فحملها الرجل على فخذه الأخرى.. فقال صلى الله عليه وسلم: الآن عدل.
كل هذا دليل على أن الإسلام يحث على المساواة الإنسانية بين الجنسين إذ خلق الله الرجل والمرأة وجعلهما على قدم المساواة لا فضل لأحدهما على الآخر إلا بالتقوى ونرى ذلك في قوله تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم. فقد جعل الإسلام الرجل والمرأة من نفس واحدة حيث جاء في الكتاب العزيز قوله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء.
عادات بالية
ويضيف الدكتور إمام: لقد ساوى الإسلام أيضاً بين الرجل والمرأة في الواجبات الدينية، وفي الثواب والعقاب، إذ جاء الإسلام للرجل والمرأة معاً، وبالتساوي، فالمرأة متساوية مع الرجل في العبادة وفي حمل رسالة الله تعالى وفي تحقيق المتطلبات الدينية، وتطبيق حدود الله. وجاء ذلك في آيات عديدة ومنها قوله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله، وكذلك في قوله تعالى: فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض، وفي الآية الكريمة: ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا.
كل ما سبق يؤكد أن الإسلام بريء من ظاهرة تفضيل الذكور وأنها مجرد عادات بالية ذمها الإسلام الذي استطاع قديماً تطهير المجتمع الجاهلي من ظاهرة وأد الفتيات ويستطيع الإسلام بقيمه ومبادئه أن يقضي على مشكلة تفضيل الذكور قضاء تاماً ونهائياً، ويجب أن يؤكد الدعاة المسلمون في خطب الجمعة وفي كل الدروس الدينية على أن تفضيل الذكور على الإناث داخل الأسرة المسلمة من أمراض الجاهلية التي عادت أدراجها إلى المسلمين لتفتت العضد وتمزق الشمل وتقطع الأرحام وتخلق الحقد والبغضاء والضغينة والعداوة بين أفراد الأسرة الواحدة.
دليل تخلف
أما الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية فيقول: إن من أمارات تخلف الإنسان في تصوري أن يرى أن الذكر أفضل من الأنثى بين الأولاد: وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيمٌ، وقد جعل القرآن الكريم ذلك المظهر من الاكتئاب والحزن عندما يبشر الوالد بأنثى أمارة على عدم التحضر وعدم الفهم المستقيم، لأن ذاك الذي يفضل الذكر على الأنثى في الأولاد هو إنسان يحرص على أنانيته أكثر مما يحرص على أداء مسؤوليته. فهو يرى في الذكر قوة ينشدها ليستند إليها في حياته، بينما يرى في الأنثى ضعفاً يطلب لها الحماية مع أن الأمر قد يصير إلى العكس.
وقيمة الإنسان في واقع أمره ليس في أنه ذكر أو أنه أنثى، بل في أنه إنسان في تهذيبه وفي سلوكه وحسن معاملته واستقامة تفكيره ولعل الأنثى إذا وجهت توجيهاً سليماً أقرب إلى ذلك الإنسان المستقيم الناجح من الذكر لأنها تجعل بحكم الفطرة استقامة التفكير وحسن السلوك وسيلة لقبولها في الأسرة والمجتمع، وهذا القبول نفسه نوع من الحماية لضعفها أو لما يظن أنه ضعف في عضلاتها وعلى الإنسان المؤمن أن يؤمن بأن نوع الإنسان في خلقه ذكرا كان أو أنثى من صنع الله وحده، وما يأتي به الله للإنسان خير له في واقع أمره: لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليمٌ قديرٌ، فالله عليم بما يفيد وينفع وبما هو أنسب وأليق، وقدير على خلق أي نوع من الإنسان فاختياره للذكر أو للأنثى لحكمة ولمصلحة تتعلق بمن أنجب الولد.
ويؤكد د.واصل أن تصور أفضلية الذكر على الأنثى لدى بعض الناس أو كثير من الناس في مجتمعاتنا المعاصرة ليس غريباً لأن أمارات الجاهلية في السلوك والتصور لا ترتبط بالتخلف في الصناعة، إنما ترتبط قبل كل شيء بالتخلف في الإيمان بالله على وجهه الصحيح.
قيمة إنسانية واحدة
ويقول الشيخ منصور الرفاعي عبيد الداعية الإسلامي المعروف ووكيل وزارة الأوقاف المصرية الأسبق: إن إسلامنا الحنيف ينظر إلى كل من المرأة والرجل على أنهما القطبان اللذان بهما تتكون الانسانية من دون امتياز لأحدهما على الآخر في ما لهما من قيمة إنسانية فالمقياس عند الله تعالى بالعمل الصالح ولذا ينال كل منهما ما يستحقه عند ربه من جزاء بحسب عمله ولقد ساوى الإسلام بين المرأة والرجل في القيمة الإنسانية والحقوق المدنية والجنائية، فكل منهما محفوظ النفس والعرض والمال والحرية إلا بما يوجب الشرع الحنيف عند وقوعه في الخطأ والزلل، فالمرأة شريكة الرجل في تحمل مسؤولية ما يصبو إليه المجتمع الإسلامي من مكانة سامية ومنزلة عالية وفي مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسائر الطاعات إذا فهي تحيا لرسالة عظمى وغاية كبري وأمر عظيم وخطب جليل.
والإسلام يحرم تفضيل الذكور على الإناث في العطاء والحنان وبالتالي فإن العدالة واجبة بين الأولاد جميعا فالبنت شقيقة الابن لها حقوق وعليها واجبات فينبغي تعليمها حقوقها وواجباتها ليتسنى لها القيام بها ويجب أن يدرك كل مسلم يتكدر من إنجابه الإناث أن الله تعالى أصابه بالكدر لابتعاده عن الإيمان فالغفلة والبعد عن ذكر الله والإعراض عن أوامره تصيب الإنسان بالهم والكدر حيث يقول الله تعالى: ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى.
ومواجهة تلك المشكلة يقول الشيخ عبيد تتطلب تضافر الجهود بين العاملين في مجالات الصحة والشؤون الاجتماعية والمرأة والشباب والطفولة والتخطيط والجمعيات الأهلية بحيث تقام الندوات والمؤتمرات التي توضح خطورة تلك الظاهرة للرأي العام نساء ورجالا، كذلك يجب أن يقوم المجتمع بالتماس التشريعات الإسلامية التي تعدل بين الجميع عند مناقشة أي قضية تخص الرجل والمرأة حتى لا يتوطن في ذهن أحدهما أن المجتمع يفضل واحداً منهما على الآخر وبالطبع فإن الدين يلعب دوراً كبيراً في تغيير النظرة الذكورية للمجتمع، ولذلك فعلى علماء الدين العمل على تذكير المسلمين بأصول دينهم الذي حث على عدم التمييز بين الأبناء وعدم التمييز بين المواطنين بشكل عام بسبب النوع أو الدين أو اللون.