هذا الكتاب له رسالتان مهمتان، الأولى أنَّه ينقد ويرد على كتاب آخر سبق نشره، والثانية أنه يؤسس ويدافع عن فكرة شديدة الخطورة في الفكر الإسلامي .
الكتاب الذي بين أيدينا عنوانه الإسلام والخلافة في العصر الحديث: نقد كتاب الإسلام وأصول الحكم لمؤلفه العالم الدكتور محمد ضياء الدين الريس أستاذ التاريخ والنظم السياسية بجامعة القاهرة في طبعته الأولى عام ،1972 وكان امتداداً لكتابه النظرية السياسية الإسلامية الصادر في 1952 .
وكما هو واضح من العنوان فإن الهدف البارز هو تفنيد بل نسف المقولات التي ردَّدها الشيخ علي عبد الرازق في كتابه الشهير الإسلام وأصول الحكم، الذي صدر كما هو مدَّون في العام ،1925 ومعروف أن كتاب عبد الرازق يعتبر الأنشودة التي يتغنى بها معظم العلمانيين واليساريين الذين يرون أنَّ الفكر الإسلامي أو الإسلام ذاته ليس له علاقة بالسياسة وشؤون الحكم وربما الدنيا كلها . وهو الكتاب الذي يستخدمه الكثيرون في الهجوم على المؤسسات والمفكرين أصحاب الرؤية الإسلامية الشاملة . . ولسان حالهم يقول: كفى تطرفاً . . فهذا كتاب عبد الرازق قد فصل تماماً الدين عن الدنيا والإسلام عن الإمامة والحكم!
هذا الإرهاب الفكري الذي يمارسه بعض الكتاب باستغلال كتاب الشيخ عبد الرازق، يجعلنا نشك بأنَّ واضع الكتاب ليس الشيخ بل أحد المستشرقين العرب ووضع اسم الشيخ عليه لأسباب سياسية وفكرية لا تخفى على أحد .
أتاتورك والإنجليز وعبد الرازق
ويكشف لنا الدكتور الريس الظروف التي صدر فيها كتاب الشيخ علي عبد الرازق .
ففي مارس 1924 وتحت ضغط تيار القومية التركية ألغى كمال أتاتورك الخلافة الإسلامية العثمانية ومقرها الآستانة، تألمت الشعوب المسلمة من القرار، خاصة أنَّه جاء في جو خانق بسبب استعمار وتشرذم الدول العربية والإسلامية، وفي ردة فعل شعبية بحث العلماء والساسة أمر الوحدة الإسلامية ومصير الخلافة التي سقطت في تركيا .
عندئذٍ صدر كتاب علي عبد الرازق ليحدث فتنة سياسية لايزال يرددها بعض العلمانيين حتى الآن .
في البعد التاريخي وبالوثائق يؤكد الدكتور الريس حقائق رئيسة:
1- إن الشيخ عبد الرازق لم يكن يقف بطلاً ضد الملك فؤاد الذي كان يريد الخلافة كما يردد البعض . . . فمضمون الكتاب مكتوب بين العامين 1910-1917 كما نصت المقدمة، وفي تلك الفترة كانت الخلافة العثمانية موجودة، ولم يكن الملك فؤاد يريد الخلافة حيث قال كما سجلت الوثائق: كيف أقوم بالواجب نحو جميع المسلمين، مع أنَّ حملي ثقيل بالنسبة لمصر وحدها .
2- لم يكن الإنجليز يريدون نقل الخلافة لمصر، حتى يعتبر البعض أن موقف عبد الرازق هو موقف ضد الإنجليز، بل الصحيح أنَّ مضمون الكتاب موال لموقف الإنجليز الرافض لمبدأ الوحدة الإسلامية . . وكل الوثائق والتحليلات تؤكد رفضهم لمبدأ الخلافة وأنَّه ليس من المنطقي أن تعمل المخابرات والاستشراق والساسة والعسكر على إلغاء الخلافة في تركيا ثم يعيدونها ثانية إلى مصر فبريطانيا لم تكن تعنيها مصر فقط بل الشعوب المسلمة كلها، وهكذا توافقت جهود أتاتورك مع عبد الرازق مع الإنجليز مع المستغربين على تحطيم دولة الخلافة الإسلامية نهائياً .
ولهذا تنبهت القوة الحية في المجتمع لترد هذا التوافق الخبيث .
الشيخ محمد رشيد رضا كتب في المنار: مازال أعداء الإسلام يجاهدونه بالسيف والنار وبالكيد والدهاء وبالآراء والأفكار . . ليسهل جعله طعمة لوحوش المستعمرين .
واعتبر الأزهر أن الكتاب احتوى على آراء متطرفة شاذة تعد خروجاً على أحكام الدين وتحريفاً لحقيقة الإسلام وطعناً في تاريخه .
واعتبرتْ المحكمة في قرارها الذي صدر في 29 يوليو 1925 بناءً على هيئة كبار العلماء بالأزهر أنَّ علي عبد الرازق وقع في عدد من الأخطاء من أبرزها:
1- الكتاب جعل الشريعة شريعة روحية محضة لا علاقة لها بالحكم في أمور الدنيا، وأنَّ الخلافة مبتدعة .
2- اعتبر أن الحكم أيام الرسول صلى الله عليه وسلم فيه نقص وغموض موجب للحيرة .
3- إنكاره إجماع الصحابة والعلماء على وجوب تنصيب الإمام وأنَّه لا بد للأمة من يقوم بأمرها في الدين والدنيا .
4- إنكاره أن القضاء وظيفة شرعية .
وبعيداً عن الجدل الثقافي والسياسي الذي ثار حول كتاب الإسلام وأصول الحكم، يطرح الدكتور الريس سؤالاً مفاجئاً وهو: هل الشيخ علي عبد الرازق هو المؤلف الفعلي للكتاب . .؟
وبالوثائق والتحليل الدقيق يميل الدكتور الريس إلى التأكيد على أن عبد الرازق ليس هو المؤلف الفعلي، وأنَّه تم وضع اسمه عليه وأنَّه صمت حياءً أو خوفاً!
ويدلل الدكتور الريس على هذا بعدد من المبررات:
- غرابة الآراء التي لا تخرج عن مسلم فضلاً عن عالم أزهري وقاض في المحاكم الشرعية .
-ما قاله مفتي مصر عندئذ وهو الشيخ محمد بخيت أنَّ الكتاب ليس له (الشيخ عبد الرازق) فيه إلاَّ وضع اسمه عليه فقط .
-التناقض في تاريخ وضع الكتاب ما بين العام 1918 أو العام 1924 .
- الكتاب يتحدث بضمير الغائب عن المسلمين، وكأن مؤلفه أجنبي عن الإسلام والمسلمين، حيث كثرت عبارات: الدين عند المسلمين، فالخليفة عندهم، زعموا .
-تبنيه مبدأ الدفاع عن المرتدين، ووصفه الأمر بأنَّه كان نزاعاً في ملوكية ملك، وهو رأي بعض المستشرقين نفسه، خاصة اليهودي مرجليوث أو أرنولد .
- لغته التي تبدو فيها الركاكة، وعدم تمرس الكاتب على التأليف، وبعض الأخطاء اللغوية الساذجة .
قضية الخلافة
في المباحث الخمسة الأخيرة التي شغلت نحو 120 صفحة يتوقف الدكتور الريس طويلا أمام قضية الخلافة في الفكر الإسلامي وعلاقة الدين بالدنيا والخلافة في التطبيق الإسلامي القديم والحديث . . وهي قضية جدلية ذات بعد ديني وفكري وسياسي، ليست فقط وقت إلغاء الخلافة العثمانية بل قبل هذا وبعد هذا وفي المستقبل القريب والبعيد .
تحت عنوان الخلافة والإسلام يقرر الكتاب الذي بين يدينا أنَّ تنصيب خليفة لتسييس أمور المسلمين واجب شرعا كما هو ثابت بالإجماع، وكما هو واضح من روح النصوص الشرعية وقيادة الرسول للأمة . . يقول ابن خلدون: تنصيب الإمام واجب، ويقول الشهرستاني: لا بد لهذا الدين من قائم عليه . والصحابة فعلوا هذا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم .
والمتابع لآيات القرآن وأحاديث النبوة يلاحظ أن بها مئات القضايا التي نسميها في علوم السياسة أركان الدولة من ماليات وقوانين وأمانات وحروب وسلام ومعاهدات وتربويات، وهي أمور لا تتأتى إلا بولي الأمر الذي يؤدي الأمانات ويحفظ العقود ويثقف الناس . . .وطاعته عندئذ من طاعة الله .
وارتباطاً بهذا، يلحظ الدكتور الريس عند كل أصحاب الفكر المناهض لربط الدنيا بالدين وعلاقة الإسلام بسياسة الحياة، أنهم يتخذون خطوة أبعد، حيث يحاولون عزل الدنيا عن الدين وعزل الدين عن الدنيا . .وقد ظهر هذا عند عدد من المستشرقين كما عند العلمانيين والمستغربين وكذلك ظهر في كتاب الإسلام وأصول الحكم الذي ينقده الدكتور الريس . . ولهذا حاول الكتاب بمؤلفه المزعوم أن يحدث تناقضاً بين الرسول النبي والرسول القائد والمؤسس للدولة وبين الدين والدنيا وبين فعل الرسول للجهاد . . .فتساءل مرة: هل كان النبي رسولاً أم كان ملكاً؟ وقال: أغراض الدنيا من أولها لآخرها أهون عند الله أن يبعث لها رسولاً! ثم قال: جهاد الرسول كان في سبيل تكوين الملك .
يرد الدكتور الريس: الإسلام دين للدنيا وعمارة الكون، والرسول نبي جاء برسالة لكون الله وكون الناس، والقرآن صريح جداً في تكليف النبي بالتنفيذ والعمل والجهاد والخلق والقضاء وإقامة الحدود وعقد المعاهدات وتوجيه الأموال وتأكيد الوحدانية والعدل في الرعية . . .الرسول عملياً أدى كل وظائف الدولة المعروفة في النظم السياسية القديمة والحديثة .
الإسلام يجعل الدين والدنيا والفرد والجماعة والروح والطبيعة معاً مادة واحدة ومقصداً للشرع واحداً . . .حتى قال الدكتور شاخت الألماني: إنَّه يمثل أيضاً نظريات قانونية وسياسية، كما كان نظام الحكم يمثل أحد أصول الإسلام الأساسية .
والجهاد الذي يريد أن يلغيه علي عبد الرازق أو غيره ينفي فكرة أنَّ الإسلام دين روحاني ليست له علاقة بالدنيا فها هو الجهاد أكبر تطبيق عملي لحماية الدنيا وحراسة الدين .