يكبر أبناؤنا أمام أعيننا يوماً بعد يوم، ونألفهم بطباع وعادات وسلوكيات جميلة، نرضى عنها ونتعايش معها ويتعايشون معنا على عاداتنا وأوامرنا ونواهينا وضوابطنا المعتادة في المنزل، ولكن فجأة يتحول الوديع إلى شخص غريب تتبدل أغلب سلوكياته، ويصبح ناقماً على كل أفعالنا، مراقب لتصرفاتنا، ناقداً ومتمرداً، قاسياً في أحكامه، أنانياً في مطالبه، يفعل كل ما يمكنه فعله من أجل اظهار استقلاليته، وقدرته على اتخاذ القرار، ووسط هذا التغير المفاجئ نقف حائرين، لا ندري كيف نتصرف مع هذا الكائن، هل نتعامل مع بالعنف فنفقده، أم باللين فنخسر كل جهودنا السابقة في تربيته إنها مرحلة المراهقة التي يمر بها كل منا والتي تختلف تفاصيلها من شخص لآخر، ولكن دائماً يقف الآباء عاجزين عن التصرف الأنسب الذي يمكن به مواجهة هذه المرحلة العمرية التي تحتاج إلى صبر وحكمة .

يحكي محمد المصري مدرس عن تجربته مع أبنائه مؤكداً أنه أجاد التعامل مع هذا التغير المفاجئ الذي أصاب أبناءه ويقول: حالياً أمر بتجربة تغير طبيعة أحد أبنائي الذكور لكونه على أعتاب سن المراهقة، فقد بدأت ألحظ خروجه عن سيطرتي واعتراضه على أمور كثيرة لم يكن يعترض عليها سابقاً، حتى نظرته لوالدته تغيرت وصار يصر على السير أمامها، وليس بجانبها في الطريق، لكي لا يبدو مثل الأطفال الصغار، وفي الوقت نفسه صار صوته أجش وقاسياً في تعامله مع أشقائه، وكثير الجدال والنقاش .

ويتابع: في مقابل كل هذه التصرفات قمت بتغيير المعاملة معه، وبما يتناسب مع طبيعة المرحلة التي يمر بها، فقد بت أتعامل معه بالمزيد من الصبر والتحمل واتباع أسلوب النقاش حتى الإقناع، ليس ذلك عن ضعف، ولكن لتفهمي طبيعة هذه المرحلة، وبأنها مؤقتة وجميعنا مررنا بها، ولكن ذلك لم يمنعني من اتخاذ أسلوب صارم، فقد أعطيته الثقة لذا فإنني اضطر لعقابه بالحرمان من ممارسة الرياضة لأيام عدة، أو من المصروف، وكذلك الذهاب معنا في رحلات أسرية، وعلى الرغم من صعوبة تنفيذ مثل هذه العقوبات، إلا أنني أصر عليها لكي يعود إلى رشده وينتبه لتصرفاته .

صداقة أبوية

ويقول إسماعيل عبدالرحمن محاسب: ابنتي صديقتي منذ وقت مبكر، وحينما كبرت وصارت فتاة جميلة، لا أنكر أنني اضطربت قليلاً أمامها، وتساءلت عن الأسلوب الأمثل في التعامل معها، ولكنها لم تترك لي فرصة للاضطراب، بل أغرقتني هي بحنانها واهتمامها ورعايتها، وكأنني ابنها، وهو ما سهل لي صداقتها والتقرب إليها، وتفهم ما تمر به من متغيرات، صارت تحكي لي عن كل ما يمر بها من متاعب، وهو ما جعلني على علم دائم بما تمر به، ولا أشعر بالقلق لأنني اليوم أدرك تماماً كيف تفكر؟

يضيف: على الرغم من هذه العلاقة الجميلة بيني وبينها إلا أنها تعامل أمها، بالجفاء ولعل ذلك كان من أسباب تقاربي وابنتي لأننا نعاني المشكلة نفسها وهي قسوة الأم وطبيعة معاملتها الجافة لي ولها .

وتشير إيناس عبدالكريم ربة منزل إلى أنها في البداية كانت تشعر بالارتباك والصدمة حينما سمعت صوت ابنها الأجش الذي صار كثير الجدل رافضاً لأدائها ورافضاً لكل آرائي وتقول: أصبح يتحدث معي من دون ألقاب، وفي الوقت نفسه صار يتلفظ بألفاظ غير مستحبة داخل المنزل، الأمر الذي جعلني أتوجه إليه بالنصيحة والحوار الهادئ، ولا سيما في غياب والده المتواصل عن المنزل إلا أنه لم يتغير، فبدأت أشعر بالعجز أمامه والخوف من أن أفقد أعصابي وأحتد عليه فأفقد العلاقة الجميلة التي تربطني به، وبجميع شقيقاته، وحالياً أفكر في الالتحاق بدورة تعليمية في هذا الشأن .

تهيئة مبكرة

أما شيرين شهوان موظفة بالتربية والتعليم فتؤكد ضرورة اقتراب الآباء من الأبناء وتقبل التغيرات التي يمرون بها بصدر رحب وتقول: حينما يصل الابن لهذه المرحلة فإن العنف والتهديد لا يجدي معه، فهو ومن واقع اعتقاده يظن بأنه صار رجلاً لا يمكن التحاور معه إلا من خلال الحوار والإقناع، ولا يجدي معه أي أسلوب خلاف ذلك، أما الفتاة فهي أيضاً تطرأ عليها تغيرات جسمية ونفسية لا يمكن التأقلم معها إلا بمزيد من التفهم والرعاية والحنان .

تضيف: لا تزال تجربتي حديثة وأبنائي جميعاً يقتربون من سن المراهقة، إلا أنني أعرف منذ اليوم متطلباتها، وأعد لها من خلال تثقيف أبنائي، ودمجهم في أنشطة رياضية .

وتحكي إيمان بيومي سكرتيرة تجربتها مع ابنتها التي تبلغ من العمر 13 عاماً بقولها: أعاني حالياً مع ابنتي، فهي تعيش بشكل إنطوائي لا أفهم مغزاه، وصارت تحب الانفراد بنفسها كثيراً، وتقضي أغلب وقتها أمام الحاسب المحمول الخاص بها، ولا تطيق اقترابي منها للوقوف على ما تفعله، صارت تحتفظ بأسرارها، وتتحفظ على كلماتي وترفض نصائحي، وكأنها لا تعرفني، فصارت العلاقة بيننا سيئة ولا أدري كيف أتعامل مع مرحلتها العمرية .

وتقول: فهيمة مبروك، معلمة تربية فنية: للأسف كثير من الأمهات لا يعرفن أسلوب الحوار الهادف مع أبنائهن، وهو ما تجنبته في تربية أبنائي منذ الصغر، فقد عودتهم على طرح آرائهم بمنتهي الحرية، ومن ثم نقوم بمناقشتها تمهيداً للوصول إلى حل يرضي الجميع، وهذا ما جعلني أجتاز مرحلة مراهقة أبنائي بسلام، حيث كان كل منهم يعرف مسؤولياته وحقوقه ولا يغالي في مطالبه أو ينظر إلينا نظرة عدائية أو متنمرة داخل المنزل .

تفهم وحب

يقول خبير التدريب التربوي حسن محمد الصرد: هناك خطوات لتفهم نفسية المراهق من أجل التعامل معه بأسلوب سليم، أولها الاقتراب، والاستيعاب الجيد لنفسيته، وثانياً تقديم كل معاني الحب الأبوي، من خلال المشاركة، ولا يعني ذلك الموافقة على اخطائه ولكن التفهم لرغباته، بمعنى تقديم معاني الحب الكاملة للابن، ومن ثم التفكير بطريقة تفكيره نفسها، كي نرى الأمور من وجهة نظره، كخطوة أولى إلى اقناعه بما نراه من واقع خبرتنا، ويأتي بعد ذلك محاولة إيجاد الرفقة التي تلائم تفكيره، وتقديم نماذج حية من البشر منتجة وحيوية في المجتمع، ناضجة في التعامل، وهي نقطة مهمة جداً للأخذ بيد المراهق نحو عالم النضح بيسر وسهولة، وتأتي الخطة التالية في سبيل تطويع المراهق والأخذ بيده وهي الصداقة فيفترض في الأب أن يكون صديقاً حميماً لابنه، والأم صديقة لابنتها، بكل ما تحمله الكلمة من تعايش لمتطلبات المرحلة وأسلوب تعاطيها مع متغيرات العصر، فضلاً عن احتياجاته وميوله بما يشبه خريطة طريق نحو مستقبله المضيء .

وفي ما يتعلق بالتعامل مع تمرد المراهق يتابع: مرحلة التمرد يمر بها أ ي فرد في المجتمع وهي مؤقتة وستزول، ومن ثم التعامل معها بطريقة مثالية، وهنا ينبغي البحث أولاً عن أسباب هذا التمرد، وما إذا كانت سلوكيات اكتسبها سابقاً أم لا، والأهم دائماً البحث عن أسباب هذه السلوكيات، ومن ثم العمل على انتزاع فتائل هذا التمرد، من خلال التحاور فقد يكون الآباء مثلاً في غاية التحضر مع الابن ولكنه يكتسب السلوك من رفيقه أو من الخادمة مثلاً، وبعد الوقوف على السبب، ينبغي البحث عن البدائل الإيجابية، فالوعظ لا يجدي، بل يجب امتصاص غضب الشباب الذي عادة يخرج على هيئة مشاكسة وعناد وتمرد على سلطة الآباء .

د . أمل بهلول:

مرحلة صعبة يجب تحملها

تتحدث الدكتورة أمل بهلول، المختصة النفسية بجامعة الشارقة، عن سمات مرحلة المراهقة مشيرة إلى أنها تتميز بأكبر قدر من صعوبة التواصل مع المحيطين، بسبب العديد من الأمور وتقول: يميز فترة المراهقة وجود صعوبة في التواصل مع المحيطين، بسبب أمور عدة منها الخجل في الحصول على بعض المعلومات لجرأتها العلمية، وهنا يأتي دور التوعية المجتمعية من خلال وسائل الإعلام وما يقدمه من برامج تثقيفية وتوعوية، فضلاً عن ضرورة اعتماد خطة وقائية من جانب الأسرة والمجتمع عبر المحاضرات والدورات التدريبية للأسرة والأبناء، لتعلم كيفية التواصل بين الطرفين بسهولة .

وتتابع: ومن أهم صعوبات التواصل التي يمكن التعليق عليها أيضاً هي وجود تصورات خاطئة بسبب تعميمات ذاتية سلبية، ويتم علاج ذلك من خلال تقديم الارشاد التربوي والنفسي لتعديل مفهوم الذات المدركة، والاجتماعية السلبية، وبالتالي الوصول لمفهوم الذات المثالية الناجحة والايجابية .

وتضيف: من صعوبات التواصل أيضاً رفض المراهق الحصول على المعلومة من خلال مظهرين أساسيين، أولها التجاهل كمن يدفن رأسه في الرمال، ويتمثل علاجها من جانب الآباء، بتكرار طرح المعلومة بكل الوسائل المرئية والمسموعة، كما يتميز المراهق في هذه المرحلة أيضاً برفض الاعتراف بالمستويات الاجتماعية وتجاهل أية معلومة قادمة من الآباء، ويتمثل علاج ذلك من خلال الجلسات الارشادية .

وتشير الدكتورة بلهول إلى مقولة سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه لاعبهم سبعاً، وأدبهم سبعاً، وصادقهم سبعاً ثم اترك لهم الأمر على الغارب . وتوضح، لابد من اجراءات وقاية للمراهق قبل دخول هذا المنعطف من عمره من خلال محو أميته في ما يتعلق بهذه المرحلة لإزالة الشعور بالحرج والارتباك وذلك بتنمية الاعتزاز به في مرحلة البلوغ، وبالتالي تقبل أداء الواجبات المترتبة على ذلك بدنياً ودينياً، ومن ثم العمل على تنمية المهارات الحركية للمراهق بهدف التغلب على مرحلة سن الارتباك والتي يحدث فيها حالات من الاصطدام بالأثاث وسقوط الأشياء من اليد، من خلال تشجيع ممارسة الرياضة، والتغذية والنوم والاسترخاء فضلاً عن تشجيع النمو الاجتماعي لدى المراهق عبر تفعيل المسؤولية الاجتماعية والاشتراك في المؤسسات الاجتماعية وشغل وقت الفراغ بإشباع الميول والاهتمامات الثقافية والعلمية .