ديك الجن الحمصي، هو الآخر، يقترب في سيرته من الخرافة، وكذلك، فيرجيل وهوميروس والمتنبي وغيرهم من مئات الشعراء إذا اقتربت من الجانب الشخصي الحياتي، عندهم بمعنى معاينة سيرهم الذاتية، والمحن التي مروا بها والعقوبات الاجتماعية والسياسية التي تم تطبيقها عليهم فإنك قد تتبنى فكرة إلحاق مفهوم الخرافة وربما الاسطورة بهؤلاء الشعراء وَمَنْ هم من سلالتهم عبر التاريخ، وكأن الشعر مولود كامل التكوين من رحم الاسطورة، أو، كأن، ما من شاعر كبير وحقيقي في تربيته وثقافته وأخلاقه ولغته إلا وله حبل سرّي يربطه بالخرافة وبالأسطورة، وهما، في الحالين ليستا فوق الواقع أو تحته أو نقيضه، فما من اسطورة أو خرافة أسطورية إلا ولها قرينها الموصول بالواقع وبالحياة وبالوجود، وبكلمة ثانية، من شأن الشعر العظيم في تراثيات وحضارات البشرية أن يرفع كاتبه إلى درجة تقترب من طبيعة الخيال، بل والاقتراب مما يمكن اعتباره خارقاً للعادة ومتجاوزاً، وتوقعياً، وحدسياً، وحتى أثيرياً وهي مفردات من الممكن مقاربتها من الأسطوري ومن الخرافي .
هل يصنع الشاعر الأسطورة؟ وهل هو المدوّن الأول لها؟ . . ومن هنا، فهو أعجوبة وهو مختلف وهو أيضاً كائن جاذب ينطوي على سحرية غامضة تجعل من يقرأه دائخاً ومفتوناً باللغة ومريضاً بالشعر . . الخ من تساؤلات طالعة أو نافرة كالسهام من صدر الشعر؟؟
هل يفعل الشاعر كل ذلك، وهو مجرد إنسان عادي، قد يكون في بنيته الجسدية ربع كتلة لحمية يتمتع بها جنرال أو طاغية أو ديكتاتور في هذه الأرض . .؟ . . من المكن الإجابة عن هذا التساؤل بالكلمة الصغيرة القطعية نعم إذا عدنا مرة ثانية إلى مقاربة الشاعر من الاسطوري الذي يعيش في الزمن منذ آلاف السنوات من دون أن يأكل جسده الدود بالمعنى الرمزي بالطبع، فها هي شاعرة قام أهلها بحرق قصائدها وربما حرقها هي أيضاً كانت قد عاشت في القرن الثالث عشر، ولكننا نستطيع أن نقرأ لها لافتة خضراء في درب هذه الحياة . . تقول بعد هذه السنوات:
. . أسير وحيدة وأجلس وحيدة
أترنم بالقصائد، أرفع كأسي وحيدة
وأهجع حتى وحيدة
دون حراك أنتصب، تتفجّع روحي
دون وسيلة دفاع ضد صقيع الربيع المقلق .
. .امرؤ القيس، أيضاً، هو الآخر، في الكثير من سيرته الذاتية شاعر قريب تماماً من الأسطورة، فقد أسطر حياته بالشعر، أما حربه في الشعر فقد كانت هي الرابحة حتى الآن، وحتى الآن يقيم الملك الضليل في الزمن أو بالأحرى أنه يجري في الزمن على الأقل في هذه الصورة الشعرية التي يتقابل فيها الضوء مع الظلام في تكوين تشكيلي بالغ الدقة وبالغ السحرية الشعرية أيضاً عندما يقول:
تُضيءُ الظلامَ بالعِشَاءِ كأنها
مَنارةُ مُمْسى راهبٍ مُتَبَتلِ
إلى مثلها يرنو الحليم صَبابةً
إذا ما اسبكرّت بين درع ومِجْوَلِ
المتنبي، أيضاً، مقيم في الزمن هو الذي قتله قاطع طريق في عودته من بلاد الفرس إلى بغداد، حين قال:
وإني لنجمٌ تهتدي بِيَ صحبتي
إذا حالَ من دون النجوم، سَحَابُ
غني عن الأوطان لا يستفزني
إلى بلدٍ سافرت عنه إيابُ
شاعر جاهلي مات على الأرجح كما يشرح أودنيس في ديوان الشعر العربي في العام 650 ميلادية ينام كما ينام الذئب بعين واحدة:
إذا ما غدا يوماً رأيتُ غَيابةً
من الطير ينظرن الذي هو صانِعُ
يهم بأمرٍ ثم يُزْمِعُ غيره
وإن ضاقَ أمرٌ مرة فهو واسعُ
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي
بأخرى المنايا فهو يقظان هاجعُ
. . الجواهري، أحمد شوقي، أبو ريشة، الأخطلان الصغير والكبير، عبدالله البردوني، مصطفى وهبي التل، غازي القصيبي، سلطان العويس، أحمد مدني، عبدالرحيم محمود، إبراهيم طوقان ومن أول هذه السلسلة الرئيسية الراسخة في الذاكرة الشعرية العربية وحتى آخر قوام شعري عربي من هذه القارة الإبداعية المترامية الأطراف كما يقولون كان الشعر دائماً يجري في الزمن ولا يتوقف أبداً، وإن توقف بعض الوقت، فإنما، لكي ينفض عن كينتوته الساحرة غبار التعب ليواصل طريقه من جديد .
ليست طريق الشعر هي طريق سيزيف، وما من شاعر سيزيفي حمل صخرته إلى أعلى الجبل ثم عادت إلى الأسفل ليحملها من جديد إلى أعلى الجبل إلاّ وكانت حياته صورة تراجيدية مرهقة على مستوى الحياة نفسها، إنما في الكتابة . . في كتابة الشعر على وجه الخصوص فإن الشاعر الذي يرضع حليب الأسطورة . . يحمل صخرته، أي لغته وبناءه الإبداعي كله ليصل به إلى رأس الجبل وهناك يموت وحيداً مثل النسر بلا أي قبول لأي موت في القاع .
الزمن . . نهر الشعراء . .
وإذا تعب شاعر كبير من الصعود إلى الجبل يلف وصيته في صرّة قد تكون قطعة من قلبه .
في الزمن ذاته الذي هو نهر الشعراء تولّى الصعود إلى الجبل، وبتلك القوة التي يضعها الشعر في قلب كاتبه شعراء رأوا في الزمن ذاته خيطاً أشبه بخيط الملح أو خيط الكلس، ولكي لا يتجمد هذا النهر ولكي لا يفسد وُلِد شعراء من قلب الاسطورة هذه المرة ومن عقلها الذي يعطي الحياة معنى استمرارية النهر . .
من هؤلاء بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبدالوهاب البياتي . . رادة قصيدة التفعيلة ورافعو صوتها الذي بدأ خافتاً في أول الأمر، ولكنه كان صوتاً جريئاً، ثم، أن أية اسطورة لابد لها من جرأة ومن شجاعة .
. . التحول، والتجديد، يرتبطان دوماً بالمغامرة، وفي الشعر تحديداً، لم تحدث مغامرة تجديد إلاّ وكانت منصوبة على قاعدة الجرأة والشجاعة، اللتين تخلقان معاً مفهوم الأسطورة .
وفق هذه القاعدة جرى السياب في الزمن حتى الآن، وهو الشاعر السيزيفي بمعنى محنته الشخصية المحددة، والتي حوّلها من محنة ذاتية إلى إبداع كبير حيّ في الزمن وقابل، دوماً، للحياة في الزمن إلى مئات وآلاف السنوات كتلك المرأة التي احترق شعرها، ولكن، لم تحترق صورتها حتى الآن .
في الزمن أيضاً يجري نهر أدونيس الذي بنى مؤسسة شعرية فكرية نقدية وحوارية بمفرده كي يؤسطر بذلك فكرة الشاعر والشعر، ويجعل من اللغة وطناً للحرية .
شعراء النهر أو زمن النهر، إن جازت العبارة، في النصف الثاني من القرن العشرين جعلوا الشعر وطناً حقيقياً للحرية، أي انهم صنعوا أرضاً مستقلة في الكتابة، هي في الواقع، أرض مستقلة في الحياة .
. .سعدي يوسف، خليل حاوي، محمود درويش، محمد القيسي، عز الدين المناصرة، صلاح عبدالصبور، أمل دنقل، محمد الثبيتي، حبيب الصايغ، وغيرهم العشرات من شعراء النهر أكملوا في الحياة الشعرية تكريس صورة الشاعر الاسطورة . وفي هذا الدرب الطويل كله الشعر يولد من الشعر، والشعراء يولدون من الشعراء .
هكذا ولدت القصيدة الشقيقة والأكثر استخداماً للثياب الخفيفة والبلاغة الخفيفة أيضاً، وهي قصيدة النثر، ولكن هذه المرة، وبعد بكاء امرئ القيس على الاطلال ولدت من دون حاجة إلى ذلك الرهق والتعب في شخصية سيزيف، الذي هو هنا في قصيدة النثر يدحرج الصخرة من أعلى إلى أسفل ويظل يركض وراءها وهو يضحك من هذه التراجيديا المعكوسة .
هبط شاعر قصيدة النثر من أعلى الجبل إلى الحياة اليومية العادية، وأخذ يصف الأشياء والكائنات بلا أي استعمال مفرط في اللغة، وأخذ هذا الشاعر الذي يوصف دائماً، أي شاعر قصيدة النثر، بأنه يكتب الصمت وأحياناً ينتهي إلى بياض القصيدة وخفتها الموزونة على بحر الإشارة والتأمل والسكوت والخوف . . أخذ يعتمد على نفسه وتغذية ثقافته من مصدرين لا ثالث لهما: - الحياة والفلسفة (أو الفكر والفلسفة)، لكنه لم يتخل أبداً عن الجريان في الزمن شأنه في ذلك شأن رفيقيه القديمين - الشاعر العمودي والشاعر التفعيلي.
فعل ذلك أنسي الحاج، وسركون بولص، ومحمود البريكان، وعبدالمنعم رمضان، ومحمد الماغوط، وقاسم حداد، وعباس بيضون، ومحمد بنيّس، ونوري الجراح . وآخرون، وآخرون . . جروا في النهر ذاته الذي أخذهم في النهاية إلى سحر الخرافة والأسطورة .
***
الشعر هو الاسطورة . .
والشعر هو الخرافة المنسوبة دائماً إلى أشخاص قد تحترق قصائدهم وثيابهم وأوطانهم لكنهم في النهاية يظهرون في الحياة وفي الموت بكل أريحية وهم يقولون للحب وللحرية: صباح الخير ايتها الكتابة .
***
الشعر، أيضاً، متنقّل، ورحّال، ومسافر، وإذا فرضت عليه اقامة جبرية في أي زمن وفي أي مكان يطلق النار على نفسه، ولكنه، لا يموت .
***
من الممكن أن تموت الأشكال والقوالب والحوامل التي تنقل الشعر وتحضنه وترضعه كالأمهات الرؤوم، ولكن الشعر نفسه لا يموت .
***
تموت القصائد ويبقى الشعر.