قال تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم . قلنا اهبطوا منها جميعاً . . (البقرة 37-38) .

السؤال بمَ يوحي التعبير بالتلقي في قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات؟

- الجواب: فيه إيحاء بأن آدم عليه السلام كان في ذلك الوقت في مقام البُعد، لأن التلقي استقبال من جاء من بعيد .

السؤال ما المراد من تلقي الكلمات؟

- الجواب: المراد استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها والحرص عليها، وهذه استعارة تصريحية، حيث شبه أخذ الكلمات وقبولها بتلقي الأحباب بعد طول غياب، وحذف المشبه وذكر المشبه به عن طريق الاستعارة التصريحية .

السؤال ما دلالة الفاء في قوله تعالى: فتلقى آدم كلمات؟

- الجواب: تدل على مبادرته للأخذ بتلك الكلمات والعمل بها فور تلقيها من الله تعالى وتعليمه إياها .

السؤال ما دلالة التنكير في قوله كلمات؟

- الجواب: تفخيم تلك الكلمات وتعظيمها .

السؤال ما سر ذكر وصف الربوبية وإضافتها إلى آدم عليه السلام في قوله تعالى: فتلقى آدم كلمات من ربه؟

- الجواب: هذا ملائم أشد الملاءمة للمقام؟ لأن من معاني الربوبية التوجيه والإصلاح، فلقد وُجّه آدم عليه السلام للدعاء بما فيه صلاحه وتوبته، لذا فإن ذكر الربوبية هنا واقع أحسن موقع، لأن هذا الاجتباء وقبول التوبة إصلاح وتربية ورعاية لآدم وذريته .

والإضافة إلى ضمير آدم عليه السلام إضافة تشريف وتكريم .

السؤال ماذا أفادت الفاء في قوله تعالى: فتاب عليه؟

- الجواب: السببية، لما في معنى التلقي من التوبة، لذا كانت توبة الله تعالى على آدم مسببة عن توبته .

عتاب وتحذير

السؤال ما سِرُّ ورود النص على توبة آدم عليه السلام في سورة البقرة كما يدل عليه صراحة قوله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه؟

وما السر في عدم التعرض لقبول توبة آدم في الأعراف كما يدل عليه قوله تعالى: قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (الأعراف 23)؟

- الجواب: لاختلاف المقام في الموضعين، فمقام القصة في البقرة مقام تكريم لآدم عليه السلام، وبيان لفضله واستخلافه، والمعصية لا تناسب ذلك، ولذا لم يصرح بوسوسة الشيطان لآدم تفصيلاً، ولم يصرح بمعصيته واكتفى في ذلك بالإجمال في قوله تعالى فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه، كما لم يذكر في البقرة معاتبة الله تعالى لآدم وزوجه على معصيتهما مراعاة لمقام التكريم، واستدعى المقام في البقرة بيان توبة آدم وقبولها لصلاحيته للخلافة .

وفي البقرة تلقى آدم كلمات من ربه فتاعب عليه، وفي الأعراف طلب آدم من ربه المغفرة والرحمة ولم يذكر أنه تاب عليه، لأن المقام مقام عتاب، اقرأ قوله تعالى وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين (الأعراف 22) .

وفي الأعراف إقرار من آدم وزجه وتصريح بالمعصية قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) وهذا مناسب لمقام العتاب، كما أن المقصود الأعلى في سورة الأعراف الإنذار والتحذير من عداوة إبليس عليه اللعنة ووسوسته، لذلك قال سبحانه بعد انتهاء القصة فيها يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة (الأعراف27) ومقام التحذير والإنذار والتخويف من عداوة إبليس وسوء عاقبة من اتبعه غير مناسب للحديث صراحة عن قبول التوبة، حيث قد يغري الحديث في هذا المقام بالتجرؤ على المعاصي . والله أعلم بمراده .

السؤال ما السر في ورود الحديث عن توبة آدم في سورة (طه)، وعدم ورود الحديث عنها وقبولها في سور (الحجر) و(الإسراء) و(الكهف) و(ص)؟

- الجواب: ذكرت توبة آدم في سورة طه في قوله تعالى وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (طه 12) والسر في ذلك والله أعلم أنه صرح فيها بالمعصية، وإن كانت على وجه النسيان، فاقتضى التصريح بها بيان التوبة منها وإزالة آثارها بالنسبة للجزاء الأخروي، وإن ترتبت على هذه المخالفة في الظاهر آثار في الدنيا بالخروج من الجنة، والاستمرار في الدنيا، وهذا مبدأ عظيم من مبادئ التربية الإسلامية، ففي الوقت الذي يحث الإسلام فيه على الصفح عن المسيء، ينبغي ألا يترك مطلقاً من دون إشعار بتحمل تبعة مخالفته كأن يعفى من العقوبة المترتبة عن المخالفة، ولكن يطالب المذنب بإزالة آثار هذه المعصية حتى لا يغري الصفح المطلق بالمخالفة، فمن أتلف شيئاً فعليه إصلاحه، ولهذه الحكمة وغيرها عمارة الأرض لم يعد آدم عليه السلام إلى الجنة مرة أخرى بعد توبته والتصريح بها . أما عن عدم ورود الحديث عن التوبة وقبولها في سور (الحجر) و(الإسراء) و(الكهف) و(ص) التي وردت فيها قصة آدم عليه السلام فلعدم ورود الحديث عن سكنى الجنة ومخالفة آدم لما أمره ربه فيها، بخلاف الحال في كل من (الأعراف) و(طه) و(البقرة) . والله أعلم بمراده .

ستر حواء

السؤال لماذا قال سبحانه فتاب عليه ولم يقل عليهما؟ فحواء كانت مشاركة لآدم في الذنب، وقد قال سبحانه ولا تقربا هذه الشجرة (البقرة 35) وقال قالا ربنا ظلمنا أنفسنا (الأعراف 22) .

- الجواب: لأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله الستر لها، ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله تعالى وعصى آدم ربه فغوى (طه 121) . ولأن المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر، ولأن آدم عليه السلام لما خوطب في أول القصة بقوله اسكن خصه بذكره وحده . وقيل: إنه دلّ بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها؟ إذ أمرهما سواء . والله أعلم بمراده .

السؤال ما الحكمة من توسيط الحديث عن توبة آدم عليه السلام بين أمري الإهباط في قوله تعالى وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو وقوله تعالى قلنا اهبطوا منها جميعاً؟

- الجواب: لكمال العناية بشأن آدم عليه السلام، وللإشارة إلى وجوب المبادرة بالتوبة بعد المعصية، وإبراز الرغبة في صلاح حاله عليه السلام، وفراغ باله بعد حيرته .

السؤال ما سبب إخراج آدم عليه السلام من الجنة؟

- الجواب: السبب المباشر مخالفة أمر الله تعالى بالأكل من الشجرة المنهي عنها، لكن له سبباً آخر، وهو ما تقرر في علم الله تعالى من عمارة هذا الكون بالخلافة المدعو بها . فتوبة آدم وإن كانت تمحو المؤاخذة على هذه المخالفة، وترفع قدره عند الله تعالى، وتمهد لاصطفائه مع بقية الأنبياء، لأنه سبحانه سبقت رحمته غضبه، فيرحم عبده في عين غضبه، كما أنه تعالى جعل هبوط آدم سبب ارتفاعه بالاصطفاء، وبُعْده سبب قربه بالنبوة . إن التوبة وإن كانت يترتب عليها كل ذلك لكنها لا تزيل أمر الهبوط، لأنه مرتبط بحكمة أخرى فوق المخالفة وهي عمارة الكون . والله أعلم بمراده .

السؤال جاءت الصياغة في قوله سبحانه إنه هو التواب الرحيم لتفتح باب الأمل في قبول التوبة لعباده المذنبين . وضح ذلك؟

- الجواب: يتضح ذلك من خلال الجملة الاسمية المؤكدة بإنّ وضمير الفصل وتعريف المسند الخبر والإتيان به من صيغ المبالغة للإشارة إلى أنه سبحانه كثير قبول التوبة لكثرة التائبين . والجمع بين صفتي التوبة والرحمة للإشارة إلى مزيد الفضل . والله أعلم .

السؤال لمَ قدم (التواب) على (الرحيم)؟

- الجواب: لمناسبته لما قبله وهو قوله تعالى فتاب عليه .

السؤال ما علة إرداف (التوّاب) ب (الرحيم) في الآية؟

- الجواب: لأن الرحيم جار مجرى العلة للتواب، إذ قبوله سبحانه التوبة عن عباده ضرب من الرحمة بهم، وإلا لكانت التوبة لا تقتضي إلا نفع التائب نفسه بعدم العود إلى الذنب حتى تترتب عليه الآثام، وأما الإثم المترتب فكان من العدل أن يتحقق عقابه لكن الرحمة سبقت العدل هنا بوعد من الله) . والله أعلم .

السؤال هل يجوز أن يطلق على الله تعالى وصف (تائب)؟

- الجواب: لا يجوز، وإن صح معناه في حقه سبحانه وصح إسناد فعله إليه كما في قوله فتاب عليه، وعلة المنع أن أسماءه تعالى وصفاته توقيفية .

السؤال لماذا جاء قوله تعالى قلنا اهبطوا منها جميعاً (البقرة38) مفصولاً عما قبله؟

- الجواب: لكمال الاتصال .

السؤال لماذا كرر الأمر بالهبوط؟

- الجواب: لتأكيد الهبوط، واستمراره حتى بعد التوبة، ولذلك ورد التكليف بعد الأمر الثاني بالهبوط، لأنه لا تتحقق الخلافة من دون هذا التكليف .

السؤال كيف خالف آدم عليه السلام النهي الإلهي عن الأكل من الشجرة، مما كان سبباً في إخراجه من الجنة، وهو نبي معصوم؟

- الجواب: يجاب عن هذا السؤال بوجوه منها:

أنه اعتقد أن النهي للتنزيه لا للتحريم . ومنها: أنه نسي بدليل قوله تعالى: فنسي ولم نجد له عزما (طه 115) . ومنها أن تلك المخالفة كانت قبل أن تُعْهَد إليه النبوة . ومنها أنه اعتقد نسخه بسبب مقاسمة إبليس له أنه له لمن الناصحين، فاعتقد أنه لا يحلف أحد بالله كاذباً، والله أعلى وأعلم .

صيغة الهبوط

السؤال ورد الأمر الإلهي لآدم وزوجه بالخروج من الجنة والهبوط إلى الأرض، فما صيغة الهبوط التي وجهت إلى كل من آدم وزوجه ولإبليس؟ وما دلالتها؟

- الجواب: هناك فرق كبير في المقام، حيث إن الأمر بالهبوط عندما يتوجه إلى آدم عليه السلام وزوجه يكون بصيغة الهبوط، ولكن إذا ما أفرد إبليس بالأمر يكون التعبير بالخروج أو هبوطاً مقترناً بالخروج، كما في قوله تعالى فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (الأعراف 13) وقوله تعالى اخرج منها مذءوماً مدحوراً (الأعراف 18)، وقوله فاخرج منها فإنك رجيم (الحجر34) وقوله فاخرج منها فإنك رجيم (ص 77) .

وبذلك اختص إبليس بلفظ الخروج وحده أو مصاحباً للهبوط، ولم يرد هذا اللفظ في حق آدم، وهذا فيه لإبليس من الهوان والصغار والتقريع والإهانة والتوبيخ ما فيه . وأما بالنسبة لآدم وزوجه فكان الأمر بالهبوط من دون الخروج وهو أقل وطأة وأهدأ نبرة، وأخفّ حدة في التأنيب من لفظ الخروج، فكان أمر كل منهما على قدر مخالفته لأمر الله تعالى، ولذلك جمع لإبليس بين الأمر بالخروج صراحة وما صحبه من الذلة والهوان والدحر لتكبره على أمر الله تعالى .

أما بالنسبة لآدم وزوجه، فالهبوط يعني الانتقال من النعيم الهائل إلى مشاق الدنيا ومتاعبها، وهو وإن كان فيه نوع من العقوبة، فإن هناك بوناً شاسعاً بين العقوبتين لكل منهما، كما أن هبوط آدم وزوجه كان كذلك لحكمة سامية وهي الخلافة في الأرض وتعميرها، وكان هبوطه هذا تمهيداً لارتفاعه بعد ذلك بالعودة إلى الجنة مرة أخرى بالتوبة بخلاف إبليس الذي قضى عليه باللعن الأبدي لكفره وتكبره . والله أعلم بمراده .

[email protected]