يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (الأنفال: 27) .

نقض يهود بني قريظة عهودهم ومواثيقهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعانوا قريشاً على حربه، وتحزبوا معهم في غزوة الخندق، ولما تفرق المشركون عن الخندق خافت بنو قريظة خوفاً شديداً، وقالوا: محمد يزحف إلينا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأمر بقتالهم حتى جاءه جبريل يأمره به .

وكان المسلمون وقد عضهم الحصار، قد رجعوا مجهودين، فوضعوا السلاح، ووضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بيت عائشة ودعا بماء فأخذ يغسل رأسه، قالت عائشة: فسلم علينا رجل ونحن في البيت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعاً فوثب وثبة شديدة، فخرج إليه، وقمت في أثره أنظر من خلل الباب، فإذا هو دحية الكلبي فيما كنت أرى وهو ينفض الغبار عن وجهه .

قالت عائشة: فرجعت، فلما دخل، قلت: يا رسول الله من ذاك الرجل الذي كنت تكلمه؟ قال: (ورأيته)؟ قلت: نعم، قال: لمن تشبهت؟ قلت: بدحية بن خليفة الكلبي، قال: ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى بني قريظة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي: يا خيل الله اركبي وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأذن في الناس: من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة .

حصار بني قريظة

وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة فنزل قريباً من حصنهم، وقدم الرماة وعبأ أصحابه فأحاطوا بحصون يهود ورموهم بالنبل والحجارة، وهم يرمون من حصونهم حتى أمسوا، فباتوا حول الحصون، وجعل المسلمون يعقب بعضهم بعضا، فما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم يراميهم حتى أيقنوا بالهلكة، وتركوا رمي المسلمين وقالوا: دعونا نكلمكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (نعم) فأنزلوا نباش بن قيس، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ننزل على ما نزلت عليه بنو النضير من الأموال والحلقة وتحقن دماءنا، ونخرج من بلادك بالنساء والذراري، ولنا ما حملت الإبل إلا الحلقة، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن ينزلوا إلى حكمه، وعاد نباش إليهم بذلك .

فلما عاد نباش إلى قومه، وأخبرهم الخبر، قال كعب بن أسد: يا معشر بني قريظة، والله قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا ما شئتم منها، قالوا: وما هي؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم فتأمنون به على دمائكم وأموالكم ونسائكم، فتعالوا فلنتابعه ونصدقه، فقالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره، قال: فإذا أبيتم على هذه، فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف ولم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك، ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري نجدن النساء والأبناء، قالوا: أنقتل هؤلاء المساكين؟ فما خير العيش بعدهم؟

إنه الذبح

ولما اشتد عليهم الحصار أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبدالمنذر، فنستشيره في أمرنا، فأرسله إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قام إليه الرجال، وجاء اليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرق لهم، فقال كعب بن أسد: يا أبا لبابة، إنا قد اخترناك على غيرك، إن محمدا قد أبى إلا أن ننزل على حكمه، أفترى أن ننزل على حكمه؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، أي أنه الذبح .

قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماي عن مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، فندمت واسترجعت فنزلت وإن لحيتي لمبتلة من الدموع، والناس ينتظرون رجوعي إليهم، حتى أخذت من وراء الحصن طريقاً أخرى، حتى جئت إلى المسجد، ولم آت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتبطت وكان ارتباطي على الأسطوانة المخلقة التي يقال لها اسطوانة التوبة، وقلت: لا أبرح من مكاني حتى أموت أو يتوب الله عليّ مما صنعت، وعاهدت الله تعالى بألا أطأ أرض بني قريظة أبداً، ولا أرى في بلد خنت الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فيه أبداً، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهابي وما صنعت، فقال: دعوه حتى يحدث الله تعالى فيه ما شاء، لو كان جاءني استغفرت له، فإذا لم يأتني وذهب، فدعوه، وأنزل الله تعالى: ياأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون (الأنفال: 27) .

وتروي أم سلمة رضي الله عنها تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم من السحر وهو يضحك، فقلت: يا رسول الله مم تضحك أضحك الله سنك؟ قال: تيب على أبي لبابة، قالت: فقلت أفلا أبشره يا رسول الله؟ قال: بلى إن شئت، فقامت على باب حجرتها، فقالت: يا أبا لبابة أبشر، فقد تاب الله عليك، فسار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه، ونزلت الآيتان الكريمتان: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم . خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم، قال أبو لبابة: يا رسول الله إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، قال: يجزئك الثلث يا أبا لبابة، ونزل بنو قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

إنك لا تهدي من أحببت

إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (القصص: 56) .

أجمع المسلمون أنها نزلت في أبي طالب، ويقول ابن كثير في تفسيره: وقد ثبت في الصحيحين: أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد كان يحوطه وينصره، ويقوم في صفه ويحبه حباً شديداً طبعياً لا شرعياً، فلما حضرته الوفاة، وحان أجله، دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان والدخول في الإسلام، فسبق القدر فيه، واختطف من يده، فاستمر على ما كان عليه من الكفر، ولله الحكمة التامة .

وذكر المفسرون وكتاب السيرة ما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة: أن أبا طالب لما اشتكى وبلغ قريش ثقله قال بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا، فمشوا إلى أبي طالب فكلموه، وهم أشراف قومه، عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، في رجال من أشرافهم، فقالوا: يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى، وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه وخذ له منا، وخذ منه ليكف عنا، ونكف عنه، وليدعنا وديننا، وندعه ودينه .

فبعث أبو طالب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجاء فدخل البيت، ووجدهم وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، فخشي أبو جهل إن جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي طالب أن يكون أرق عليه، فوثب أبو جهل فجلس في ذلك المجلس، فلم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا قرب عمه، فجلس عند الباب .

فقال أبو طالب: يا ابن أخي هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليعطوك وليأخذوا منك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم كلمة واحدة يعطونيها يملكون بها العرب، وتدين لهم بها العجم، وفي رواية: تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة؟!، قال: نعم، فقال أبو جهل: نعم وأبيك عشر كلمات، قال: تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه، فصفقوا بأيديهم ثم قالوا: يا محمد تريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا، إن أمرك لعجب، ثم قال بعضهم لبعض: ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون فانطلقوا وامضوا على دينكم حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا، فأنزل الله فيهم أول سورة (ص): ص والقرآن ذي الذكر . بل الذين كفروا في عزة وشقاق . كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص . وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب . أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب . وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد . ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق .

أهون أهل النار عذاباً

ولما انطلقوا قال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والله يا ابن أخي ما رأيتك سألتهم شحطا، فلما قالها طمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، فجعل يقول: أي عم فأنت فقلها، أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة، فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك قال: لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا من الموت، لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها .

وروى الشيخان عن المسيب بن حزن رضي الله عنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبدالله بن المغيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد، (وفي لفظ: أحاج)، لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبدالله بن أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبدالمطلب؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه، ويعودان لتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم به: أنا على ملة عبدالمطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله عز وجل: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم، وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم، وأنزل في أبي طالب: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (القصص: 56) .