شكلت تجربة الرواية النسائية في الإمارات عنوان الدورة الرابعة لملتقى الشارقة للرواية، والذي أقيم الأسبوع الفائت في قصر الثقافة في الشارقة، والعنوان يشير منذ البداية إلى اهتمام بدراسة الخصائص النوعية من موضوعات وتقنيات سرد وجملة التقاطعات مع القضايا الإشكالية للمرأة نفسها، ومع أن مصطلح الرواية النسائية ما زال مصطلحاً إشكالياً، لم يُحقق بعد التوافق عليه من النقاد والباحثين، وذلك لما ينطوي عليه من فصل في الإبداع بين الرجل والمرأة، إلا أنه يحمل

أيضا إغراءات خاصة لجهة القراءة الدلالية، بعدما دخلت الكثير من تلك القراءات للرواية النسائية من بوابات علمي النفس والاجتماع، لتكشف عن فوارق تكاد أن تكون جوهرية خاصة بالسرد النسائي، فضلا عن الحاجة الماسة للإضاءة على مقدرات المرأة المبدعة، التي راحت تكسر احتكار الرجل لعوالم السرد، مقدمة وجهات نظر مختلفة في الحيثيات والتفاصيل لقضايا كان الروائيون قد تناولوها، كما فتحت الباب أمام رؤى جمالية جديدة لا يمكن إنكارها.

أما عن تاريخ الرواية النسائية في الإمارات فقد جاءت كما تذكر ورقة الدكتورة فاطمة خليفة أحمد، مع بداية عقد التسعينيات من القرن الفائت وتحديدا مع صدور رواية شجن بنت القدر الحزين للكاتبة حصة الكعبي عام ،1992 وبذلك فقد تأخرت الرواية النسائية في الظهور عقدين من الزمن عن صدور أول رواية إمارتية شاهندة للكاتب راشد عبد الله عام 1970.

من أهم الملاحظات التي تأتي الدكتورة فاطمة على ذكرها في سياق بحثها عن ملامح تطور الرواية النسائية أن معظم الروائيات هن في الأصل قاصات، وهو أمر يجمعهن مع الروائيين وتقول بهذا الصدد معظم مؤلفي الرواية هم في الأساس كتاب قصة قصيرة، وهم قد اعتمدوا في رواياتهم على تطويع البناء القصصي القصير لخدمة الرواية، وهذا الأمر له دلالته على بكارة النسيج الروائي الإماراتي، حيث لا توجد خلفية تاريخية فنية عميقة يستند عليها في تشكيلته المعاصرة.

إن هذه المسألة بالذات تحتاج إلى الكثير من التأمل، فإذا كان المقصود هو أن على مبدع السرد أن يحدد لمسيرته الفنية جنساً أدبياً محدداً لا يحيد عنه طوال حياته، فهو أمر يحتاج إلى تدقيق تاريخي على المستويين العربي والعالمي، فالكثير من الروائيين بدأوا من القصة القصيرة، ثم اتجهوا إلى الرواية، والأمثلة في هذا المجال أكثر من أن تحصى، أما إذا كان المقصود هو وجود أجيال متعاقبة من الروائيين تمكنوا من ترسيخ أساليب فنية واتجاهات مختلفة كالواقعية أو الغرائبية أو التاريخية فهو أمر يمكن أن يكون أكثر دقة خاصة لجهة الحداثة الزمنية لفن الرواية في الإمارات.

أما عن تطور المنظور الروائي فإن د. فاطمة تجد أن الرواية النسائية تمكنت من الانتقال من المنظور القدري في رواية شجن بنت القدر الحزين إلى المنظور الواقعي النقدي كما في رواية رائحة الزنجبيل للكاتبة صالحة غابش الصادرة في العام الفائت، وذلك من خلال دراستها لعناصر العمل الروائي في العملين مثل السرد، والحوار، والشخصيات، واللغة، والزمان، والمكان.

وترى أن تطوراً مهماً قد حصل في مجال المنظور انتقل المنظور من مجرد رصد للواقع بسطحية وسذاجة بعيدا عن التوغل في الأحداث أو التعمق في المظاهر الحسية للشخصيات، إلى منظور أكثر تطورا، وهو منظور الواقعيين النقديين الذين يقدمون نقدا للأوضاع الاجتماعية السائدة كذلك الأمر تجد أن غابش تعاملت مع الشخصيات في رائحة الزنجبيل بشكل ناضج من حيث المعالجة الجمالية في بناء الشخصية على المستويات النفسية والحسية والعاطفية، بينما كانت الشخصيات في رواية شجن قد تم بناؤها على نحو فيه الكثير من التجاهل للأبعاد الداخلية للشخصيات والاكتفاء بوصفها من الخارج.

وترى د. فاطمة أن طبيعة الموضوعات هي القاسم المشترك الأكبر بين أغلب الروايات النسائية في الإمارات، ويلاحظ أن الكاتبات الروائيات يختزِن دائما في تجاربهن الأولى موضوعات نسوية إنسانية تفيض منها انفعالات صادقة ومؤلمة، تثير فينا إحساساً بالتعاطف والحنان والمواساة، وتبدو التجربة إما ذاتية بحتة، أو أن الكاتبة مطلعة عن قرب على الشخصية المصورة في الرواية، ودليلنا في ذلك النبرة والإيقاع المتأثران بوقع الأحداث في الرواية، وتأتي أغلب الشخصيات المحورية في أعمالهن من الإناث الواقعات تحت ظروف اجتماعية غير عادلة.

وحول العلاقة الملتبسة بين الرواية كجنس أدبي وبين السيرة الذاتية قدم الدكتور معجب العدواني (السعودية) ورقة تحت عنوان الكتابة بضمير الجمع في الرواية النسائية الإماراتية وهو بداية يعتبر أن وسم أي عمل إبداعي بوصفه سيرة ذاتية هو أمر غاية في الصعوبة، وليس من السهل إطلاق حكم قيمة بهذا المستوى عليه، وذلك لوجود اختلاف نوعي كبير بين الرواية وبين الرواية السيرذاتية، ويقول بهذا الصدد ليس من السهل التجرؤ على وسم عمل إبداعي بأنه من جنس السيرة الذاتية، فالعقد الموضوع على غلاف الأعمال المطروحة جسدا للبحث يؤكد على كونها رواية، أما تعريف السيرة الذاتية فليس مهمة سهلة حيث أنه يعد في معظم النظريات السيرذاتية حقلاً واسعاً، عادة ما يقع بين الأدب والحياة والتاريخ من جانب، أو الخيال والواقع من جانب آخر، فالمشكلة إذا تتبلور من السؤال المنهجي التالي وهو :كيف يمكن استخلاق الخيال من الواقع؟.

ويعتبر د. العدواني أن اللجوء إلى قناع الرواية في الخليج العربي عامة ومن ضمنه الإمارات له ما يبرره في غلبة الأنا الجماعية على الأنا الفردية، وذلك حسب رأيه نتيجة لمعاناة تجربة الكتابة الإبداعية حتى على النطاق العربي من إشكالية أسئلة الهوية والوضعية المهمشة للمرأة في الثقافة فيقول: إن هذا الوضع يكون أكثر وضوحا مع تجربة الكتابة النسائية الخليجية عامة والإماراتية على وجه الخصوص، تلك الكتابات التي ارتهنت إلى الجنس الروائي بوصفه ملاذاً آمناً، إذ يسمح للكاتبة بممارسة آلية التواري خلف جنس الرواية والتقنع العام عوضا عن الخاص، لكن الولوج إلى مقاربة تلك الأعمال سيكون عبر بوابة تفعيل الخاص وطرح قضاياه بصفة جمعية، واستلهام ذلك في إطارات عدة منها : القومي والوطني والأسري.

ولقد اختار د. العدواني مجموعة من الروايات للتدليل على وجهة نظره النقدية ومنها ريحانة للشاعرة والتشكيلية ميسون صقر، والجسد الراحل للكاتبة أسماء الزرعوني وتثاؤب الأنامل للكاتبة رحاب الكيلاني، ورائحة الزنجبيل للكاتبة صالحة غابش، وطروس إلى مولاي السلطان للكاتبة سارة الجروان.

ويرى د. العدواني أن الذات الكاتبة تتجلى بشكل واضح من خلال السياق الاجتماعي الذي تدور في إطاره الأحداث فيقول: تبدو هموم الأنثى وانكساراتها هاجسا مباشرا تتم مراجعته في الرواية النسائية الإماراتية، إذ يُلاحظ أن كل رواية تقدم غالبا شخصيات نسائية يمثلن بطلات فاعلات، إذ لا تقدم تلك الروايات نموذجا واحدا للأنثى، بل تميل إلى توظيف نماذج عدة يرضخ كل نموذج منها لتجربته المختلفة، لكن تلك النماذج تتفق في كونها تعاني، وغالبا ما يكون الرجل هو مصدر المعاناة .

ويخلص الباحث في ورقته أن تقنع الكاتبة المرأة خلف الجنس الروائي هو إحدى الوسائل للوصول إلى المجتمع والتفاعل معه تهدف الكتابة إلى نقل قضايا الكاتبة بوصفها أنثى من المنظور الخاص إلى المنظور العام عبر الذات، وكأن استلهام ذلك عبر الجنس الروائي قد نقل قضايا المرأة ومشكلاتها إلى شرائح المتلقين.

أما ورقة الروائي والناقد الدكتور نبيل سليمان التي جاءت تحت عنوان المساهمة النسائية الإماراتية في الرواية فقد قامت في جزء كبير منها على المنهج التحليلي التاريخاني وهو ما يتوضح من عنوان الورقة نفسه، إذ آثر الدكتور سليمان أن يضع الرواية الإماراتية في سياق أعم وأشمل هو سياق الإنتاج الروائي النسائي العربي، وذلك كمدخل أساسي لدراسة خصائصه فيما بعد، وهو يقول موضحا نظرته إلى دلالات العمر القصير نسبيا للرواية الإماراتية عموما والرواية النسائية منها على وجه الخصوص: لا يزال العهد بالرواية في الإمارات طريا، إذ بالكاد يبلغ ما كتب الكاتب منها ثلاثة عقود، وبالكاد يبلغ ما كتبت الكاتبة عقدين، وإلى ذلك يأتي صغر المدونة المعنية، ما يدفع بعضهم إلى أن يرى أن الوقت ما زال مبكرا للسؤال عن تطور روائي في هذا الفضاء، وبخاصة ما يتعلق بالمرأة، غير أنني أميل إلى العكس، مستذكرا في هذا السياق قولة للشاعر والناقد المغربي محمد بنيس، خاطب بها الشاعر الفرنسي رامبو: علينا أن نقطع في أربعين سنة ما قطعتموه في أربعة قرون. وهكذا هو شأن الرواية في الخليج عامة، وليس في الإمارات وحدها، إذ عليها أن تقطع في عقود محدودة ما قطعته الرواية العربية في قرن ونصف.

إلا أن الملاحظة الأكثر لفتا للنظر في رؤية د. سليمان هو تحديده خصائص الرواية الإماراتية ليس على المستويات البنائية السردية والجمالية، وإنما في الوقوف على الطبيعة النفسية لمجمل الإنتاج الروائي الإماراتي وهو ما يضعه أيضاً جنباً إلى جنب مع الكثير من النتاج النسائي العربي للرواية يبدو أن في كتابة المرأة للرواية رداً شهرزادياً بامتياز على الشهريارية العربية التاريخية والمعاصرة.كما يبدو أن هذه الكتابة تعبر عن اطراد واضطرام نمو الفردانية التي كثيرا ما تلفعت بالرسولية والثأرية والتبشيرية.

في سياق تحليله التأريخاني يتناول الدكتور سليمان مجموعة من الروايات ليدلل على مقولته المتعلقة بالرد الشهرزادي، فهو في معرض تحليله لرواية طروس إلى مولاي السلطان للكاتبة سارة الجروان يرى أن وصف الروائية لعملها بالمروية يحيله إلى التراث، كما أن الكثير من العبارات تؤكد برأيه الارتباط العضوي بينه وبين المدونات السردية التراثية فيقول: تسم الساردة عملها بالمروية، وفي هذا تنسيب للتراث السردي، جاءت علامته الكبرى في عبارات شهرزادية. فالساردة تفتتح الطروس بمخاطبة السلطان مولاي وسيدي- مولاي- سيدي ثم تولي السرد للسلطانة بعبارة قالت السلطانة.

وفي مستهل قول السلطانة يلوح لسان شهرزاد بلغني في بعض الطروس، ومن أرومته حكي أن أو وقع تحت علمي أن أو تناهى إلينا أنه، وفي العبارة الأخيرة تمضي التلويحة إلى المؤرخ، وفي التلويحة لشهرزاد وللمؤرخ، وخارجها فيما ندر، يكون الرهان دوماً على الحكاية، فتتقد مرة كما في حكاية البيدار خميس أو حكايات زيجات جمعة، وولادات أبنائه وبناته ووفياتهم، أو تأتي الحكاية من خارج الرواية كما في الليلة الثامنة والستين من ألف ليلة وليلة.

وفي ختام ورقته يقسم د. سليمان المنجز النسائي الإماراتي للرواية إلى روائيات تتقاطع أعمالهن مع المنجز العربي النسائي في بداياته ومنهن باسمة يونس وآمنة المنصوري وأسماء الزرعوني، وتنادي كتاباتهن بما نادت به روائيات عربيات أمثال أليس بطرس البستاني ولبيبة هاشم كن قد ظهرن في فجر الرواية العربية، وروائيات مثل فاطمة السويدي وميسون صقر وأمنيات سالم تتوفر أعمالهن على المنجز الروائي الذي حققته الكاتبة العربية، وإلى روائيات تتأرجح أعمالهن بين المستويين السابقين مثل صالحة غابش وسارة الجروان.

الروائية سلوى بكر مصر تناولت الرواية النسائية الإماراتية ابتداء من اللحظة الراهنة على المستوى العالمي، وتجد في الفن الروائي فضاء لامتزاج أزمنة عدة، وقدرته على ربط أسئلة الماضي بالحاضر، ولقد أتت ورقتها تحت عنوان الرواية وذاكرة الوطن وهي عبارة عن قراءة في روايتي ريحانة لميسون صقر وطروس لمولاي السلطان لسارة الجروان وتقول في مستهل ورقتها: تطرح المتغيرات العالمية المتلاحقة على الأدب الروائي مهمات جديدة بين حين وآخر، فرغم ثورة الاتصالات والتطور الإعلامي الهائل، ظلت الحقيقة الإنسانية ملتبسة يصعب التوصل إليها، ومن هنا بات على الرواية أن تبحث عن هذه الحقيقة وتؤرخ لها تأريخا قد لا يستطيعه التأريخ العادي بمعناه التقليدي، فالأحداث والعلاقات الإنسانية المعقدة المولدة لهذه الحقيقة قد لا يطالها التاريخ مثلما تدركها الرواية، فعبر المتخيل وملء الفراغات، تنتج الرواية نصاً تاريخياً مغايراً.

وتدرس بكر المقومات والعناصر المشكلة للروايتين فتجد أنهما اعتمدتا على سرد الذاكرة الجماعية بما فيها من جوانب شفاهية كما أنهما احتوتا على تأريخ بعض الجوانب البيئية، فالروائية بكر تجد في عمل الجروان امتزاج جملة من المكونات المرتبطة بجغرافية الوطن فتقول: تمتزج في رواية سارة الجروان الحكايات الخرافية والمعتقدات المتعلقة بالجن والسحر والأهازيج الشعبية مع البناء والعمارة التقليدية، والملابس والأطعمة، والكاتبة ساردة ضمن قاموسها اللغوي الخاص المستمد من اللغة الدارجة المرتبطة بجغرافية الوطن وما أنتجته تلك الجغرافية من أنشطة انسانية متباينة وهو ما ينطبق حسب بكر على الكثير من تفاصيل رواية ريحانة إذ تقول عنها تحفظ رواية ريحانة للذاكرة جملة من صور الحياة القديمة وجملة من محاولات التشبث بها..ورغم الصراع بين القديم والجديد فإن الجديد لا يستطيع أن ينفض عن الذاكرة كل ما ترسخ فيها من قديم، فالرواية تتناول تواريخ الزمن القديم حيث كانت حرفة صيد اللؤلؤ هي المشكلة لعوالم الوطن وشخوصه، وتستعيد الرواية جانبا من تلك الذاكرة القديمة في صور شتى عبر صفحاتها، فالأفراح والأتراح بمعناها القديم مازالت راسخة في الوجدان وفي الذاكرة.

وحول الرواية كمكون مسهم في تكوين وعي الإنسان وثقافته جاءت ورقة الناقد عزت عمر سوريا تحت عنوان الوعي الجديد وجدل الماضي والراهن وينطلق عمر في بحثه من اعتباره أن الرواية فن تخييلي إلا أنه يتضمن بين ثناياه الواقع طارحاً جملة من القيم على الإنسان لتكون محط نظره وتفكيره، ويقول عمر بهذا الصدد نعتقد في البدء ان الرواية هي بناء تخييلي، يسعى الروائيون والروائيات لخلقه إبداعياً بموازاة الواقع، وقد يتقاطع معه أو يتجاوزه أو يفترق عنه إلى حد ما، ولكن الواقع في كل الحالات يفرض حضوره من خلال العلاقات بين الشخصيات وأطروحاتهم الفكرية والأخلاقية، بالإضافة إلى سلوكياتهم اليومية التي يسعى الروائيون والروائيات لتبيانها وفق منظورهم الفكري أو القيمي.

وتأتي مقدمة عمر كنقطة استناد من أجل الدخول في جدلية الصراع بين القديم والجديد من أفكار وأنماط حياة وسلوكيات وغيرها، على اعتبار أن الفن الروائي قادر على طرح تلك الجدلية من خلال السرد ومواقف الشخوص داخل الرواية والصراع القائم بينهم، وما ترمز إليه كل شخصية في سياق الأحداث فيقول بصدد حديثه عن إحدى الإشكاليات التي تمثل ذاك الجدل في مجتمعاتنا وتناول الروائيات الإماراتيات لها، وهي مشكلة المرأة: إن علاقة المرأة مازالت شائكة، وقد سعت الكاتبات بكل جرأة للتعبير عما تعانيه المرأة، ووجدت في الرواية مجالا للتعبير عن مشكلاتها وقضاياها، سواء تحددت بحق الحياة والتعبير، أو في التعليم والزواج ممن تحب، أو في انخراطها في الحياة العامة.

ويرى عمر من خلال دراسته لنماذج روائية نسائية إماراتية مختلفة أن بعض الروايات أبرزت أثر الحداثة في زعزعة القيم التقليدية كما في روايات طروس لمولاي السلطان لسارة الجروان وعيناك يا حمدة لفاطمة المنصوري، كما أظهرت روايات أخرى نوعا من الرومانسية هربا من تعقيدات الحياة الجديدة كروايتي حلم كزرقة البحر لأمنيات سالم ورائحة الزنجبيل لصالحة غابش، بينما شكلت روايات أخرى نقدا لظواهر بعينها كظاهرة العنف وآثاره المدمرة على الذات الأنثوية كما في روايتي تثاؤب الأمل لرحاب الكيلاني، وشجن بنت القدر الحزين لحصة الكعبي.

كما يذكر عمر أن عدد الروايات التي كتبتها المرأة في الإمارات بلغ حتى اليوم 13 رواية لكاتبات جاء بعضهن من حقل القصة القصيرة أمثال باسمة يونس وأسماء الزرعوني، وسارة الجروان، وفاطمة السويدي، وجاء بعضهن الآخر من عالم الشعر أمثال صالحة غابش وميسون صقر، بينما دخلت كاتبات أمثال أمنيات سالم وآمنة المنصوري ورحاب الكيلاني الرواية منذ البداية.

أما الدكتور الناقد مدحت الجيار مصر فدرس في ورقته المرأة وقضايا الوطن علاقة المرأة الإماراتية بالقضايا العامة من خلال مجموعة من النماذج الروائية النسائية الإماراتية، راصداً جملة التطورات التي حصلت في المجتمع الإماراتي وما قابلها من تعبيرات داخل السرد، وتعدد القضايا المطروحة داخل الروايات ما عكس التطورات السريعة والمتلاحقة التي مر بها المجتمع في الإمارات.

وقال الجيار: تتفق النصوص المدروسة في هذا البحث في وجوه فنية ولغوية واجتماعية وسياسية عدة، وجاء الاتفاق من طبيعة المصادر الثقافية التي غذت الكاتبات من الثقافة العربية والغربية، فهن بنات حقبة الإمارات العربية المتحدة، وبنات الازدهار الاجتماعي حيث تعلمت المرأة وسافرت ورأت حيوات أخرى، وساعدها التعليم والتثقف في زيادة المعرفة، ومن ثم زيادة الوعي الاجتماعي والسياسي.

ويحدد د. الجيار جملة من الملامح المشتركة في الكتابات النسائية الروائية في الإمارت بنقاط عدة منها الحنين إلى الوطن في الغربة، وتذكره والحديث عن تفاصيل من ماضي المجتمع العربي الخليجي والإماراتي، مثل ذكر وسائل الحياة قبل تكوين الدولة وازدهارها، كذلك ذكر المهن، والعلاقات الاجتماعية الثابتة المرتبطة بضيق العيش، وقلة وسائل الترفيه.

كما يشير د. الجيار إلى أن الطفولة تبدو منبعاً مشتركاً لمعظم الروايات، ما جعل الكثير منها أقرب إلى السيرة الذاتية وهو ما ذكره باحثون آخرون في أوراقهم، أما عن الملامح الفنية فيرى أن السرد والحكي المتدفق وحضور مفردات الحياة اليومية شكلت أهم مكونات البناء الفني وما يتصل به من جماليات، كما أشار إلى أن معظم الكاتبات يضعن عتبات للنص، وإهداءات دالة، للوطن أو من يحببن، بالإضافة إلى التناص مع الشعر والغناء، والوقوع في بعض الأحيان في مطب الوعظ والخطاب المباشر.

الزمن الجميل

تقول مريم الغافلي

بعد الزواج شجعني زوجي على الكتابة، وخاصة عندما كان يقرأ تعليقاتي على القضايا والمواضيع المختلفة، كثيراً ما كتبت مقالات عن البيئة والمشاكل الاجتماعية، واقتراحات مختلفة، كنت أحوّل كل ما ألتقطه في محيطي الى مقالة أحتفظ بها الى ان أتت اللحظة الحاسمة عندما تشجعت ونشرت قصة قصيرة كتبتها سابقاً أسميتها الجمل الحزين، ونشرتها في مجلة تراث الامارات في العام ،2003 وفي تلك الفترة بدأت بالعمل على رواية طوي بخيته لم أكن أعرف ما اكتب، تخيلت أنها فقط قصة قصيرة او مجموعة أوراق ليس إلا لكن ما لبثت ان تزايد عدد الصفحات، وبدأت اعيش مع شخصياتها حتى خرجت طوي بخيتة من بين يدي ليتلقفها زوجي، الذي كانت بالنسبة له عملاً غير عادي، وقد كان رأيه مهماً لي.

فلسفة ضمنية

تقول سارة الجروان

الأدب مفردة لامست شغاف قلبي بدءاً بأولى الحروف التي تعلمت تهجئتها وانتهاء بكيفية غربلتها لأصوغها فلسفة ضمنية تحوز على شرف التخلق بين يدي المتلقي حرفاً متقداً يتعاطى ادعاء الحكمة في حال رمتها، أم تزعمتها أكذوبة تملق للذات.. أنا مخلوق يحتبس ضمن حدود خريطته المتبستنة بالطفولة، ذاكرته البعيدة ذاكرة موغلة في استطرادات التخلق الأول بكل تفاصيلها الدقيقة جداً.

أذكر أنني عندما تعلمت تهجئة الحروف وددت لو أنني استقرئ كل الكتب، بل كل الحروف التي تقع عليها عيناي الصغيرتان، كان الكتاب يمثل لي كنزاً علي فك طلاسمه، وطريقاً غامضاً علي اجتياز وعورته، وكنت كلما قرأت كتاباً تفاقمت لدي حالة الشغف بالمقروء رغبة في المطالعة.