لم تكن الحياة القصيرة التي عاشها الفنان الفرنسي تولوز لوتريك (1864- 1901)، لتمر مرور الكرام دون أن يشعل الحماسة لفنه والرغبة في محاكاة تجربته، ليكون من أبرز الوجوه الفنية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ونموذجاً فريداً للاستقلال والأصالة، بين أساليب التصوير الحديث.
ولد تولوز في مدينة ألبي من أسرة عريقة، تنحدر من حكام مدينة تولوز، وكان ضعيف البنية منذ الطفولة، وقد ورث هذا الضعف من التنافر بين أبويه من ناحية الدم، وقبل أن يبلغ الرابعة عشرة من عمره، تعرض لحادثتي سقوط، جعلتاه شبه مقعد، ثم أورثتاه ضعفاً في نمو الرجلين، فأصبح قزماً، ولكن هذه العاهة لعبت دورها الحاسم في مصيره الحياتي والفني، بداية بسعيه نحو البحث والعمل الفني الدؤوب، ومن ثم اتجاه نحو حياة الليل الباريسية الصاخبة حيث قضى معظم أوقاته، وشكلت الحانات والمقاهي والناس فيها موضوعات أعماله الفنية.
لقد وضع لوتريك عبر مسيرته أسلوباً خاصاً، تواشجت فيه رؤيته الحداثية للفن مع التجارب الفنية السابقة له والتي تركت أثرها فيه فعمد إلى نقلها داخل لوحاته وتطويرها بما بناسب رؤيته الفنية.
وقد تأثر في بداياته ب «مانيه» و«ديغا» فكانت رسومه الأولى تصويراً جميلاً للأشياء العادية، وتجلت فيها الألوان المشرقة والخطوط الرشيقة، وكان اطلاعه على تجربة «فان غوخ» نقطة تحول في فنه، حيث بدأ برصد التأثيرات الحياتية ونقل التجارب والأحاسيس البشرية لشخصياته المرسومة، ويقول لوتريك معبرا عن هذا الأمر: «هناك حقيقة تكمن وراء الألوان والأشكال، هي الإحساس البشري، إننا نرسم من أجل المتعة الفنية، ولكننا لا نستطيع أن نجد هذه المتعة، ونبعثها في نفوس الآخرين، إلا إذا استطعنا أن نوحي إليهم بصورة عفوية، ولكنها جريئة، أن في اللوحة حشداً لا نهاية له من مشاعر الإنسان العميقة، وفي طليعتها الأحزان التي تظلل جميع تساؤلاتنا، عن مصير الحياة التي نحياها.. ما من أحد يشك بأنها حياة جميلة، ولكنها تفسح المجال للتأمل الصامت، الذي يبدو لنا ينبوعاً للجدة والانفعال الجدي العميق».
وفي عام 1889 عرض أولى لوحاته في معرض المستقلين، فكانت لوحاته تعبيراً عن الواقع، بكل ما يحمله من ازدحام في المشاعر الإنسانية، حتى إنّ أحد النقاد كتب عنه يقول: إننا لا نعرف هل يريد السيد لوتريك أن يصور لنا تفاهة الحياة أم روعتها؟
كان لوتريك معجباً بفن ديغا وخاصة لوحاته عن رقصات الباليه، وكان يرى أن ديغا يتمتع بنظرة ثاقبة عن الحياة، وله موهبة لونية فائقة، تتجلى بالتعبير عن الحركة المثيرة، ونلحظ تأثير ديغا في فن لوتريك عبر حركة شخصيته الرشيقة والمثيرة للانتباه، إلا أن لوتريك رصد في هذه الحركة الكثير من المشاعر والمعاني العميقة، فكانت الحركة تعبيراً عن جوهر الشخصية.
قدم لوتريك عدداً كبيراً من الأعمال المشهورة والتي نقلت في الغالب حياته في تلك المقاهي والملاهي الباريسية، ومن أهمها «الرقص في المولان روج»، و«راقصة»، وقد عرف لوتريك بأنه يرسم نساء ذلك العالم المظلم كشخصيات إنسانية، دون اتهامات، أو مواعظ، أو أية دعوة إلى المثالية. إنه يسجل كل هذه الأحاسيس في دقة وصراحة، على نحو مجرد من العاطفة أو الرثاء أو العطف الزائف، كما هو الحال في لوحته «ركن في الملهى» التي رسمها عام 1892، ففيها يعالج صور النساء، معالجة جادة، وينفذ إلى أعماقهن، لتعكس قسمات وجوههن الانفعالات الداخلية.
وبين أشهر أعماله نجد 39 لوحة عن حياة السيرك، ومن أجملها لوحة «المهرج»، الذي ركع يستعطف زميلته الراقصة، التي أعرضت عنه، وقد استطاع أن ينقل بدقة وفهم عميق حياة السيرك عبر تعبير إبداعي متميز قل نظيره.
إلا أن أهمية تولوز لوتريك لا تقف عند أعماله التصويرية فقط، بل بوصفه أبرز مصممي الملصق في الفن الحديث أيضا، وأحد أبرز المجددين في هذا الفن حيث وظف إمكاناته المتعددة في اختزال فن التصوير الواقعي إلى مجموعة من الخطوط والألوان والكلمات، قدم بها مفهوم الملصق الحديث من حيث الفكرة والموضوع والبنائية عبر تقنية الليثوغراف (الطباعة الحجرية)، فرسم شخصيات العديد من المغنين والراقصين والراقصات في باريس أمثال فيتي جولبرت، ومي بيلفورت، وجين أيفريل والشاعر أرستايد برونت، وقد استخدم الورق الياباني في إخراج المطبوعات آنذاك، وتعلم بسرعة كيفية الحصول على تأثيرات ليثوغرافية شبيهة بالتصوير.
في بحثهما المعنون «هنري تولوز لوتريك وأثره في صناعة الملصق» يقدم علي محمود صالح حموري ود.عبد الكريم فرج، دراسة في أعمال تولوز الملصقة، ومن أهمها ملصق «المولان روج»، قياس العمل 184x 12.5 سم، حيث استخدم الأصفر والأحمر والأسود وأضيفت النصوص الكتابية باللونين الأحمر القرمزي والأسود. وهو أول عمل ملصق لتولوز، وصنف بأنه رمز لحياة باريس الصاخبة في أواخر القرن التاسع عشر، ويعد الملصق أول نقلة في تبسيط الأشكال والاستخدام المتميز للفراغات والتكوينات.
أما ملصق (الأريكة اليابانية)، قياس العمل 76x 57.5 سم، فاستخدم فيه الأحمر والأسود والأصفر والأخضر الزيتوني، حيث يعرض لوتريك الراقصة الشهيرة جين أيفريل والناقد إدوارد دوجاردن وهما يشاهدان عرضاً للمغنية المشهورة جيلبيرت، التي عرفت في باريس عند عشاقها بقفازيها السوداوين، فظهرت أيفريل بشكل جميل جذاب، وبلباس أنيق، وكان ذوقها واهتمامها بالفن والأدب محط اهتمام الناقد دوجاردن مما جعلها مقربة منه وهذا ما آثر لوتريك تبيانه في ملصقه، وأظهر تولوز شخص دوجاردن في حالة تأمل ملحوظ، وهو يلامس خيزرانته إلى ذقنه وينظر إلى أيفريل وقد بدت بصورة ظلية سوداء في معظم ملابسها.
وفي ملصق «بابل الألمانية»، استخدم الأخضر والأصفر والأحمر والأسود وأضيفت النصوص الكتابية باللون الأزرق الداكن، وعُدّ هذا الملصق الدعائي عملاً تهكمياً ساخراً، وقد حاول تولوز توظيف عدد من الرسومات التي قام بها للتعبير عن حكومة ألمانيا في حقبة العام 1800 وما كان بها من فساد وترهل وما عرف عنها من غطرسة، فقد أثارت هذه الرسومات والملصقات جدلاً خلافياً واعتراضاً ألمانياً وحماسة عالمية عند إطلاقها وظهورها في شوارع باريس، وحاول تولوز نقل المتلقي إلى مشهد الشارع الذي ملأه عرض حي للجنود الألمان الذين صورهم وقد بدت عليهم مظاهر الأبهة والفخفخة والمباهاة والغطرسة.
ومن أشهر ملصقاته «ماي ميلتون»، قياس العمل: 77x59.1 سم، استخدم تولوز الأزرق والأصفر والأسود للنصوص الكتابية، وطبعت على الورق الياباني، ويعد هذا الملصق من أقوى الملصقات الدعائية، فقد اختطف أسلوبه الغريب باستخدام الخطوط الملتوية أحاسيس الفنانين وانتباههم للتلقائية والعفوية والجرأة التي يمكن قراءتها في الملصق، طبع هذا الملصق على يد الطباع أنكورت، في باريس وهو للراقصة ميلتون في رحلتها داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وقد عُد من أكثر ملصقات تولوز جرأة في التكوين واستخدام اللون، واستخدم لوتريك الكربون الملون، في تكوين جسم ميلتون التي أظهرها بوجهها الشاحب ذي المعالم والتعابير الجادة، وذقنها النافر، وهي ترتدي ثوباً أبيض فضفاضاً بأكمامه القصيرة المنفوخة.
في عام 1899 بدأ المرض يلح عليه ويمنعه من التنقل والعمل، فلجأ إلى المستشفى للمعالجة، وفي صيف عام 1901 أصيب بأولى نوبات الشلل واستمرت حتى أوائل الخريف، ومات في العام نفسه ولم يتجاوز السابعة والثلاثين، تاركاً بصمة فنية لا تمحى كان لها ثقلها في المشهد الفني العالمي.