في مساحة مترامية الأطراف، تكفر بالحدود، وتتوزع بين ثلاث دول مغاربية، توجد منطقة تيرس، التي كانت مثابة للعلماء والشعراء والصلحاء والفرسان على مدى قرون، وكانت الجامعات الموريتانية المتنقلة (المحاظر) تجوبها يميناً وشمالاً .

لا يوجد شبر من أرض تيرس، إلا وله ذكر في شعر فصيح أو شعبي، فشعراء المنطقة لم يغادروا متردما فيها إلا ودبجوا القصيد في البكاء على أطلاله .

تمتد تيرس من منطقتي إنال وقلب الظليم على بعد نحو 300 كيلومتر من العاصمة نواكشوط إلى منطقة زمور التي تبعد 750 كلم شمال نواكشوط، فيما تمتد خارج الأراضي الموريتانية حتى حدود الساقية الحمراء ووادي الذهب .

وتعتبر منطقة تيرس من المناطق الأكثر حظوة عند الموريتانيين، والتي يهرعون إليها عندما يكونون بحاجة إلى الاستجمام والنقاهة، حيث يصفون مناخها بالصحي .

وعندما يهطل المطر في تيرس فإن ساكنيها سيمضون سنوات وهم في نعمة ذلك المطر، حيث تعتبر مراعيها من أفضل المراعي الموريتانية بالنسبة للإبل، سفن الصحراء .

محمد ولد الطلبة

هنا في تيرس عاش ومات أكبر شعراء شنقيط في القرن التاسع عشر محمد ولد الطلبة، وهذا الشاعر كان لا ينزل بحي لا يوجد فيه قاموس لسان العرب، وهو الذي عارض قصائد فحول الشعراء من أمثال حميد بن ثور والشماخ بن ضرار والأعشى الكبير، وتمنى يوماً أن يجمعه الله بحميد والشماخ في ناد من أندية الجنة، ويتحاكموا إلى أهل الجنة في أيهم أحسن قريضاً .

وهو الشاعر الذي وصفه العلامة الشيخ محمذن فال ولد متالي، أحد أبرز علماء البلد بمقولته الشهيرة هذا عربي أخره الله، ويعني العلامة بعبارته أنه عربي قح في جميع مناحي حياته، ولا غرابة فقد كان يبري السهام ويصيد الوحش على غرار فحول الشعراء الجاهليين، وهو نموذج من عشرات الشعراء الذين أنجبتهم منطقة تيرس، والذين ارتبطوا بالمنطقة وجدانياً وشعرياً، وارتبطت بهم، كما ارتبط بهم أيضاً المجتمع الموريتاني برمته .

ومن بين الأعلام الموريتانيين الذين أنجبتهم تيرس، العلامة الموسوعي الشيخ محمد المامي، الذي نظر إلى مدرسة فقهية تلامس مشاغل أهل البادية الموريتانية العالمة، من خلال كتابه المعروف كتاب البادية، والذي كتب قصيدة مطولة، على وزن وروي معلقة عمرو بن كلثوم التغلبي، يدعو فيها لإقامة دولة مركزية، في بلاد شنقيط التي سماها المنكب البرزخي السائب .

كما احتضنت منطقة تيرس، إحدى أبرز محاظر موريتانيا (الجامعات البدوية المتنقلة)، وهي محظرة أهل محمد سالم، والتي كانت بمثابة أكاديمية عليا لتخريج دارسي الفقه الإسلامي، وكانت حاضرة في أي سند علمي يحمله أي عالم موريتاني .

شهداء المقاومة

تيرس، تشكيلات جبلية تتواشج معها رمال ذهبية، وتاريخ ينام بين الرمال والجبال، حيث شهدت المنطقة أهم معارك المقاومة الموريتانية ضد الاستعمار الفرنسي أوائل القرن الماضي .

ففي عام 1932 توغل أمير إمارة آدرار الشهيد سيدي أحمد ولد أحمد عيده مع جمع من أتباعه شمالاً نحو سهول مقطير بهدف الالتحاق بالمقاومين، بعدما أيقن أن التخلص من الاستعمار يكمن في المقاومة فقط، فأرسل المستعمر الفرنسي فرقة عسكرية لإعادته إلى بيت الطاعة، غير أن الأمير وزملاءه نجحوا في قتل الضابط الفرنسي الذي يقود الفرقة بخدعة حربية .

وهنا في تيرس أيضاً دارت رحى معركة ميجك ضد المستعر الفرنسي، وهي المعركة التي قادها الشهيد علي ولد ميارة ولد أحمد بابا عام ،1934 واستشهد فيها .

كما أن حركة الشيخ ماء العينين المقاومة قادت عدة معارك في تيرس ضد الاحتلالين الفرنسي والإسباني للمنطقة، التي وزعتها اتفاقية برلين بين البلدين، وسقط في هذه المعارك الكثير من الشهداء .

مدينة المناجم

وإذا كانت تيرس منطقة مشهورة بطبيعتها الجغرافية الفاتنة، وبمراعيها الخصبة، وثرية بكنوزها البشرية الثقافية والعلمية والجهادية، التي أبانت عبر القرون عن معادن الرجال، فهي أيضاً ثرية بالمعادن التي تدر على الموريتانيين مليارات الدولارات .

وتيرس من أهم محافظات موريتانيا وعاصمتها مدينة أزويرات التي تحتضن مناجم الحديد، التي تعتبر مواردها المالية ثاني أكبر دخل للخزينة الموريتانية، وبفضلها أصبحت موريتانيا ثامن مصدر للحديد في العالم .

وفي مدينة المناجم أزويرات، تستقبلك أوراش استخراج المعادن على جنبات الطريق المسفلت القصير الرابط بينها ومدينة أفديرك التي كانت يوماً من الأيام عاصمة للمنطقة وتنغرس الآليات الضخمة على سفوح وقمم الجبال، التي تعتبر النقطة الوسطى في سلسلة جبال الموريتانيد، وأحد أبرز مواقع إفريقيا حينما يتعلق الأمر بخامات الحديد عالية الجودة .

قبل 37 سنة كانت مدينة المناجم في تيرس دولة داخل الدولة، وكانت شركة ميفرما الاحتكارية المتعددة الجنسيات تمتص عرق وثروات الشعب الموريتاني، قبل تأميمها، على يد الرئيس المؤسس المختار ولد داداه عام ،1974 الذي أنشأ على أنقاضها شركة الحديد والمناجم الموريتانية، ومن يومها بدأ تاريخ جديد لمنطقة تيرس .

وفي ظل وضع العديد من الشركات الاستثمارية العالمية منطقة تيرس على خرائطها الاستثمارية، مع إعداد الحكومة الموريتانية لاستثمارات نوعية من خلالها سيقفز إنتاج الحديد من 12 مليون طن سنوياً إلى 50 مليون طن سنويا في غضون عقدين من الزمن .

صيف وشتاء فقط

ودرجة الحرارة في تيرس مرتفعة جداً صيفاً وتزيد في أحيان كثيرة على الخمسين درجة مئوية، وفي الشتاء تقترب من الصفر، وأحياناً تكون درجة الحرارة تحت الصفر، والمنطقة تعيش فصلين فقط خلال السنة ما بين صيف شديد الحرارة وشتاء قارس اتخذت منه المنطقة اسمها، الذي اشتق من العبارة الصنهاجية تارس وتعني القارس، أو المجمد، حيث كان السكان الأوائل للمنطقة في فصل الشتاء عندما يستيقظون في الصباح يجدون مياه القرب مثلجة من شدة البرد، فأطلقوا على المنطقة تيرس أي القارسة أو المجمدة، ويقول سكان المنطقة إنه عندما تتساقط أمطار قليلة عليها، فإن الأمر يكفي لتزدهر المراعي من شدة خصوبة الأرض، التي تعتاش عليها الإبل، وهي الحيوانات المفضلة عند سكان المنطقة في ظل ندرة المياه هناك .

ويقول السكان إن إبل تيرس تختلف عن إبل بقية المناطق الموريتانية .

وللموريتانيين أقوال عديدة في تثمين لحوم وألبان إبل تيرس والتي تتميز بجودتها ومنافعها لصحة الإنسان، بل إن بعض سكان المنطقة يقولون إن من لم يأكل لحم إبل تيرس ولم يشرب ألبانها فهو محروم من نعمة اللحم واللبن، ولهذا كانت تيرس منذ قرون وإلى اليوم قبلة المستجمين والمرضى الذين يستفيدون مما توفره مواشي المنطقة من لحوم وألبان مشهود لها بالجودة .

وكان الأطباء التقليديون الموريتانيون ينصحون الناس بإمضاء فترة في تيرس لتقوية أجسامهم، وعندما يشاهد البعض شخصا ضعيف البنية يقول هذا بحاجة إلى تيرس .