قال تعالى: ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين، وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين، حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل، قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين، قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم، (سورة الأعراف الآيات 103 - 109).
تتضمن سورة الأعراف قصة موسى عليه السلام مع فرعون وملئه حين واجههم بربوبية الله إلى أن أغرقهم الله أجمعين، وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة، وغلبة الحق على الباطل، وإيمان السحرة برب العالمين، رب موسى وهارون، وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. ورسوخ الحق في نفوسهم أمام هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة، ثم ما تلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل، وأخذ الله فرعون وملئه بالسنين ونقص الثمرات ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه، وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات، حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه - وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك - ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة.
انتصار الحق
جاء موسى إلى فرعون ببينة من رب العالمين تدل على صدقه فطلب فرعون من موسى أن يظهر هذه البينة، فألقى عصاه فإذا هي حية تسعى تريد أن تلتهم كل شيء، حتى إذا قبضها موسى عادت عصا.
ماذا كان من فرعون وملئه: قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم. يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون واستقر رأيهم على أمر: أن يرجىء فرعون موسى إلى موعد وأن يرسل في أنحاء البلاد من يجمع له كبار السحرة، ليواجهوا سحر موسى - بزعمهم - بسحر مثله.
وكانت أرض مصر تموج بالكهنة في شتى المعابد، وكان الكهنة هم الذين يزاولون أعمال السحر، ففي الوثنيات كلها تقريبا يقترن الدين بالسحر، ويزاول السحر كهنة الديانات وسدنة الآلهة.
إنهم محترفون للسحر كما يحترفون الكهانة، وقد احتاج فرعون إلى هؤلاء المحترفين، وكافأهم على الاحتراف، وتبادل معهم الصفقة: هم يقرون سلطانه باسم الدين، وهو يعطيهم المال ويجعلهم من المقربين.
ولقد أكد لهم فرعون أنهم مأجورون على حرفتهم، ووعدهم مع الأجر القربى منه، زيادة في الإغراء. واستعد السحرة للحلبة وها هم يخيرون موسى: إما أن تلقى وإما أن نكون نحن الملقين، قال ألقوا.. ويبدو التحدي واضحا في تخييرهم لموسى، وتبدو كذلك ثقتهم بسحرهم وقدرتهم على الغلبة. وفي الجانب الآخر تتجلى ثقة موسى عليه السلام واستهانته بالتحدي: قال ألقوا.. ولكن السياق يفاجئنا بما فوجىء به موسى عليه السلام: فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم ولكن مفاجأة أخرى تطالع فرعون وملأه، وتطالع السحرة الكهنة، وتطالع جماهير الناس في الساحة الكبرى التي شهدت ذلك السحر العظيم: وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون، فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين.
غلب الباطل والمبطلون، وذلوا وصغروا وانكمشوا بعد الزهو الذي كان يبهر العيون. ولكن المفاجأة لم تختم بعد، والمشهد لا يزال يحمل مفاجأة أخرى.. مفاجأة كبرى: وألقي السحرة ساجدين، قالوا آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون.
زواحف خطيرة
والثعابين جمع ثعبان وهو من الزواحف الخطيرة، يزحف على بطنه كما قال المولى عز وجل والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير، (النور: 45).
عن أبي قتادة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قعد على فراش مغيبة (هي التي غاب عنها زوجها، أراد من قام بارتكاب الزنا مع زوجة غيره) قيض الله له يوم القيامة ثعبانا.
وعن عبد الله بن مسعود قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار، إذ نزلت عليه والمرسلات فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها، إذ وثبت علينا حية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقتلوها. قال: فابتدرناها فذهبت، فقال: وُقيت شركم كما وُقيتم شرها. رواه البخاري ومسلم.
وجاء في الفقه على المذاهب الأربعة كتاب الحظر والإباحة يحرم أكل حشرات الأرض (صغار دوابها) كعقرب وثعبان، وفأرة، وضفدع، ونمل، ونحو ذلك.
والثعابين منها السامة القاتلة (كالكوبرا) ومنها غير السامة، منها ذات الأحجام الصغيرة، وأغلبها سامة، ومنها ذات الأحجام الكبيرة التي تستطيع أن تبتلع خروفا، وتعتمد على الالتفاف حول جسم الفريسة وعصرها حتى تصفي دمها، ثم تبدأ في ابتلاعها.
ومنها ثعابين الغابة العملاقة التي تعيش على الأشجار، ومنها الثعابين الصحراوية التي تختفي في الرمال، ومنها ثعابين الماء وهذه منها السام، ومنها غير السام الذي يمكن للإنسان أكله، ومن أشهر أنواع الثعابين الطويلة: البوا حيث يبلغ طولها في المتوسط عشرين قدما، وهناك حية الصخر الهندية، وحية الصخر الإفريقية والثعبان يرقص على صوت الموسيقا، وللثعبان عينان خطيرتان ينظر بهما إلى الفريسة، فيشل حركتها قبل افتراسها، وللثعابين أسماء متعددة، منها: (الأصلة) ذات الأجراس، والله هدد من يمتنع عن أداء الزكاة والإنفاق في سبيل الله بثعبان ضخم ينتظره عند دخول القبر، ثم يهشمه.
والثعابين أقدر الحيوانات على بث الفزع في قلوب الناس، لأنها تحمل سموما فتاكة، والثعابين السامة تعرف بضخامة الرأس، ووجود غدد السم خلف العينين، ولا يملك الإنسان لها دفعا إلا إذا تناول المصل الواقي وإلا مات بعد قليل من مهاجمتها له.