اللبن والتمر واللحم كان هذا الثلاثي عنوان الحياة الرمضانية قديما في موريتانيا ولا يزال كذلك عنوانها في الوقت الحاضر. لا يعترف الموريتانيون مطلقا بوجبة إفطار خالية من هذا الثلاثي، وعندما تزور بيوت الأغنياء والفقراء على حد السواء في موريتانيا خلال شهر رمضان تجد الثلاثي إياه سيد المائدة الموريتانية، وإن كانت الحريرة والحلويات والوجبات القادمة من خلف الحدود قد وجدت مكانا لها في خوان الإفطار، إلا أنها مكانة على أي حال ليست على حساب التمر واللبن واللحم.

لا يختلف الموريتانيون مع أشقائهم العرب في تقدير هذا الثلاثي، فقديما كان أغلب معيشة العرب في صحراء شبه الجزيرة العربية على هذا الثلاثي، ورغم أنه في رمضان يمضي الشخص أكثر من نصف وقته صائما إلا أن استهلاك الأسرة الموريتانية فيه يزيد على استهلاكها في الأشهر الأخرى بالضعفين على الأقل لأن الوجبات تكون أكثر رغم قلة فترة السماح بتناولها.

العالم التاه ولد يحيى يقول رمضان يجعلنا نعيش الإسلام في أبهى صوره، كيف لا والمسلم قد كرمه الله بأن أنزل القرآن في هذا الشهر الفضيل.

ويضيف: رمضان معجزة روحية وعلمية.. وهو يصحح الخلل الغذائي الذي يحصل في أحد عشر شهراً من السنة.

مريم ربة أسرة في نواكشوط ترى أن رمضان شهر خاص ومميز ويختلف مطلقا عن شهور العام.. الحياة فيه حياة إخاء وتزاور وتواد وتمثل لقيم الإسلام السمحة التي تدعو المسلمين إلى تقديم العون لإخوتهم والعيش لمدة شهر في معركة مع النفس ويرى الشاعر الشاب محمد ولد إدوم رمضان معارج للقداسات ومدرسة تطبيق لتعاليم الإسلام العظيمة يكون فيه الإنسان قريبا من ربه بعيدا عن الشيطان والهوى، ويقول إنه كتب قصائد عدة من وحي رمضان.

وعند وقت صلاة التراويح تزدحم المساجد خاصة المسجد الجامع في نواكشوط بالمصلين وبعيد صلاة التراويح تبدأ الأسر الموريتانية في التزاور وصلة الأرحام وهي عادة تعتبر جزءاً من تكوين الموريتاني الذي لم تفقده المدنية الغازية قيمه الاجتماعية المتمثلة في روح الأسرة الكبيرة والبيت المفتوح على مصراعيه للجميع دون استثناء.

عادة البيت الموريتاني المفتوح ترجع إلى أن الموريتاني ابن الصحراء المفتوحة ما زال يحمل معه قيم الخيمة المفتوحة هي الأخرى، ولا تتذمر الأسر الموريتانية مما يسببه البيت المفتوح من مشاكل وتكاليف خاصة في رمضان، بل إن الأسر تتفاخر بعدد الصائمين الذي يفطرون على مائدتها.

مباريات في الموائد

في نهار رمضان الشارع الموريتاني شارع صائم تماما، حتى المفطرون من ذوي العاهات والأمراض التي تبيح لصاحبها الفطر يخفون فطرهم احتراما للذوق العام، وكثيرا ما شجعت الأسر الموريتانية أبناءها الصغار على محاولة الصوم لينشأوا صلاب الأعواد صبورين على مصاعب الحياة، ويرصد بعض الآباء جوائز لأبنائهم الذين نجحوا في امتحان الرجولة، ويبدأ الطفل في صوم ساعات ثم يتدرج ليكمل اليوم، وذلك يتيح له شرف الجلوس على مائدة إفطار الكبار. بدل مائدة إفطار الصغار الذين لهم أيضا مائدتهم الخاصة عند ما يرتفع أذان المغرب.

ويتبارى الموريتانيون في إعداد موائد الإفطار وفي دعوة أكبر كم من الأصدقاء والمعارف وأبناء السبيل، ورغم أن الموريتاني كريم بطبعه في الأغلب إلا أنه في رمضان يحاول الموريتانيون أن يتشبهوا ما أمكن بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي كان أجود من الريح المرسلة وكان أجود ما يكون في رمضان.

في رمضان يحلق الموريتانيون شعر رؤوسهم لكي يأخذوا شعر رمضان الذي ينبت بين القيام والصيام، ربما يدخل الأمر في إطار عملية تجمل للضيف الكبير. ويسمون ذلك زغبة رمضان أو نبتة رمضان، وعلى الجميع أن يستفيد من بركة هذه النبتة، ويعتقد أحد الباحثين الاجتماعيين أن حلق الموريتانيين لشعور رؤوسهم في رمضان ربما كان حنيناً لا شعورياً إلى أداء فريضة الإسلام الخامسة الحج، والذي يكون التحلل فيه بحلق الشعر، خصوصا أن الموريتانيين الأوائل كانوا يلاقون عنتاً شديداً في سبيل أداء فريضة الحج. وهذه العادة، عادة زغبة رمضان لا ينجو منها حتى الوزراء والمسؤولون والوجهاء الذين يحرصون على زغبة رمضان.

ثلاثة فواصل زمنية

من طرائف العادات عند الموريتانيين أنهم يوزعون شهر رمضان إلى ثلاثة فواصل زمنية لكل منها اسم معين، فالعشر الأوائل يطلقون عليها عشراية الخيل، لأنها كما يقولون تمضي سريعا والصائم لا يزال قويا، أما العشر الأواسط فيطلقون عليها عشراية الجمال لأن تسير بشكل أبطأ، أما العشر الأواخر فيطلقون عليها عشراية الحمير لأن الصائم يكون فيها قد أنهك وتسير الأيام ببطء في ذهن الصائم، كما يقوم العديد من الموريتانيين بالزواج في شهر رمضان تبركا بهذا الشهر العظيم وطلبا للذرية الصالحة.

وابتداء من ساعات الظهيرة يبدأ إعداد الوجبات في المطابخ الموريتانية، فبالإضافة إلى وجبة الحساء التقليدية والمسماة محلياً النشاء، هنالك وجبة الشوربة المكونة من حساء ونشويات وبعض الخضار، والتي دخلت حديثا قاموس المطبخ الموريتاني، وهنالك وجبات أخرى من قبيل المشوي، اللحم الأحمر المشوي على الطريقة التقليدية والذي يعتبر جزءاً لا يتجزأ من ترحاب البيت الموريتاني بزواره. وإلى جانب المشوي سيد المائدة الموريتانية هنالك وجبات الكاتو المعد بالبيض واللحم والقمح والسكريات والذي يرد للصائم بعض نفسه ريثما تجهز الوجبة الرئيسية.

المشروبات الأكثر حظوة في وجبة الإفطار هي اللبن والعصائر المثلجة التي تطفي لهب العطش في أيام ليست باردة بالضرورة نظرا للجو العام لموريتانيا.

رمضان هذه السنة يأتي في فترة ترتفع فيها درجات الحرارة في عموم التراب الموريتاني، وبالأخص في الأقاليم الداخلية البعيدة عن الشاطئ، ما يجعل الإقبال فيه على المثلجات شديدا. ويهاجر كثير من الأسر الموريتانية من الريف إلى المدن الشاطئية نواكشوط وانواذيبو للهرب من حر الداخل الشديد، بل إن بعض الميسورين يحزم حقائبه ليصوم رمضان في البلدان المغاربية المجاورة التي تنعم بمناخ البحر الأبيض المتوسط المعتدل.

ولا يمكن أن ينتهي الحديث عن وجبات رمضان من دون الوقوف على الشاي صديق الموريتانيين منذ الأزل ذلك المشروب الأحمر الذي يتربع على المائدة الموريتانية بغرور، والذي يتبع الموريتانيون في إعداده طقوسا يحترمها الجميع.

مباشرة مع أذان المغرب وبعد التهام بضع تمرات وبعض الزريق (المذق)، وهو شراب معد باللبن والسكر والماء، تكون كؤوس الشاي على موعد مع الصائمين الذين حرموا منه منذ ساعات. ويشرب الصائمون الموريتانيون الشاي منذ أذان المغرب وحتى وقت الإمساك.

ويتفاوت الموريتانيون في توقيت وجبات الإفطار والعشاء، فإذا كان الجميع يفطر بالتمر والماء وبعد صلاة المغرب، يشرب الشاي وينتظر حتى الانتهاء من صلاة التراويح لتناول وجبة الإفطار الرئيسية المسماة الأطاجين والمكونة غالبا من المشوي، أو اللحم الميدوم بالخضروات وخاصة البطاطس والبصل ومع الخبز.

بينما يتناول بعضهم وجبة الإفطار كاملة بما فيها من مشروبات وأكل مباشرة بعد صلاة المغرب.

وتكون وجبة العشاء غالبا من الكسكس، وهناك من يعد وجبة العشاء من الأرز واللحم أو الأرز والسمك، أو الماكرون واللحم. أما السحور فغالبا ما يكون وجبة خفيفة مع الشراب والشاي، ويتسحر الموريتانيون التماسا للبركة التي قال الرسول صلى الله عليه وسلم إنها في السحور.

المسحراتي

قوموا تسحروا يا عباد الله.. تلك هي العبارة المشهورة التي يبدأ عشرات الموريتانيين كبارا وصغارا ترديدها قبل ساعة ونصف الساعة من موعد الإمساك، وهم يجوبون الشوارع والأزقة لإيقاظ النائمين حتى لا تفوتهم فرصة السحور، كما يقوم بعض الفتية بالطرق على أبواب البيوت، ويستخدم بعضهم الآخر الطرق على العلب الفارغة لإيقاظ النائمين، ولوحظ السنوات الأخيرة ظهور جيل جديد من المسحراتي، حيث يعتمد بعض الصائمين على منبه هاتفه النقال لإيقاظه في الوقت المناسب للسحور، كما لوحظ قيام متطوعين مجهولين بالاتصال عبر هواتفهم النقالة بعشرات الأرقام العشوائية ليعلنوا لأصحابها أن وقت السحور قد حان.

ويزخر رمضان في موريتانيا بمنظومة ضخمة من العادات والتقاليد التي تواكب هذا الشهر العظيم.

كما بدأ الموريتانيون يستوردون من أشقائهم المسلمين في كل مكان ما أصبح بإمكاننا أن نطلق عليه عولمة رمضان. إلا أن مرتنة رمضان لا تزال تقاوم في شموخ.