محمد حماد
‮«‬يستفتونك‮ ‬قل‮ ‬الله‮ ‬يفتيكم‮ ‬في‮ ‬الكلالة‮ ‬إن‮ ‬امرؤ‮ ‬هلك‮ ‬ليس‮ ‬له‮ ‬ولد‮ ‬وله‮ ‬أخت‮ ‬فلها نصف‮ ‬ما ترك‮ ‬وهو‮ ‬يرثها إن لم‮ ‬يكن‮ ‬لها ولد‮ ‬فإن كانتا‮ ‬اثنتين‮ ‬فلهما‮ ‬الثلثان‮ ‬مما ترك‮ ‬وإن كانوا‮ ‬إخوة ‬رجالاً‮ ‬ونساءً‮ ‬فللذكر‮ ‬مثل‮ ‬حظ‮ ‬الأنثيين‮ ‬يبين‮ ‬الله‮ ‬لكم‮ ‬أن تضلوا‮ ‬والله‮ ‬بكل‮ ‬شيء‮ ‬عليم‮»، (‬النساء: 176).
هذه الآية الكريمة هي آخر آية من القرآن الكريم نزلت على نبينا صلى الله عليه وسلم،‮ ‬كما روى البخاري‮ ‬عن البراء‮: (‬آخر سورة نزلت براءة،‮ ‬وآخر آية نزلت‮ ‬يستفتونك‮)‬،‮ ‬وكان جابر بن عبد الله‮ رضي الله عنه ‬يقول‮: (‬أنزلت هذه الآية في‮: ‬«يستفتونك‮ ‬قل‮ ‬الله‮ ‬يفتيكم‮ ‬في‮ ‬الكلالة‮» ‬الآية،‮ ‬وكان عنده تسع أخوات أو سبع،‮ ‬وقد اشتكى‮ ‬يوماً من مرض ألم به،‮ ‬يقول‮: (‬فدخل علي النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم،‮ ‬فنفخ وجهي،‮ ‬فأفقت وقلت‮: ‬يا رسول الله،‮ ‬ألا أوصي‮ ‬لأخواتي‮ ‬بالثلث؟ قال‮: «‬أحسن‮»‬،‮ ‬قلت‮: ‬الشطر؟ قال‮: «‬أحسن‮». ‬ثم خرج وتركني،‮ ‬ثم رجع إلي فقال‮: ‬«يا جابر‮ ‬إني‮ ‬لا أراك‮ ‬ميتاً‮ ‬من‮ ‬وجعك‮ ‬هذا،‮ ‬وإن‮ ‬الله‮ ‬قد‮ ‬أنزل‮ ‬في‮ ‬الذي‮ ‬لأخواتك‮ ‬فجعل‮ ‬لهن‮ ‬الثلثين»‬،‮ ‬ويروي‮ ‬البخاري‮ ‬عن جابر بن عبد الله قال‮: ‬دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعقل،‮ ‬فتوضأ ثم صب علي،‮ ‬أو قال‮: «‬صبوا عليه‮» ‬فعقلت،‮ ‬فقلت‮: ‬إنه لا‮ ‬يرثني‮ ‬إلا كلالة،‮ ‬فكيف الميراث؟،‮ ‬فنزلت آية الميراث‮: ‬«يستفتونك‮ ‬قل‮ ‬الله‮ ‬يفتيكم‮ ‬في‮ ‬الكلالة‮» الآية‮.‬

أصغر المبايعين

هو من أهل بيعة الرضوان،‮ ‬أسلم صغيراً،‮ ‬وشهد بيعة العقبة الثانية مع السبعين أنصارياً،‮ ‬وكان أصغر المبايعين سناً،‮ ‬أراد الخروج إلى‮ ‬غزوة بدر ثم أحد فأمره أبوه أن‮ ‬يبقى في‮ ‬المدينة ليخلفه على أخواته،‮ ‬وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة‮ ‬غزوة،‮ ‬وروى عنه أخباراً‮ ‬وأحاديث كثيرة،‮ ‬وكان من فقهاء الصحابة،‮ ‬عاش طويلاً،‮ ‬وكف بصره في‮ ‬آخر عمره،‮ ‬وتوفي‮ ‬بالمدينة عن أربع وتسعين سنة،‮ ‬وهو آخر من شهد بيعة العقبة موتاً،‮ ‬وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة‮.‬
أبوه هو عبد الله بن عمرو بن حرام رضي‮ ‬الله عنه،‮ ‬أحد الأنصار السبعين الذين بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم‮ ‬يوم بيعة العقبة الثانية،‮ ‬واختاره النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم نقيباً على قومه بني‮ ‬سلمة،‮ ‬وشهد بدراً وقاتل فيها قتال الأبطال،‮ ‬وفي‮ ‬غزوة أحد استبشر بالشهادة وارتقى مثخناً‮ ‬بالجراح،‮ ‬وذهب جابر‮ ‬يبحث عن أبيه،‮ ‬فوجده بين الشهداء،‮ ‬وقد مثل به المشركون كما فعلوا بغيره من شهداء المسلمين،‮ ‬ووقف جابر وبعض أهله‮ ‬يبكون شهيدهم،‮ ‬فمر‮ ‬بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم،‮ ‬فسمع صوت أخته تبكي،‮ ‬فقال لها‮: (‬تبكيه أو لا تبكيه،‮ ‬ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه‮).‬

كأنهما ماتا بالأمس

‮ورأى النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم جابراً‮ ‬مهموماً‮ ‬فقال‮: ‬يا جابر،‮ ‬مالي‮ ‬أراك منكراً مهتماً؟‮ ‬فيجيب‮: ‬يا رسول الله،‮ ‬استشهد أبي،‮ ‬وترك عيالاً‮ ‬وعليه دين،‮ ‬فقال صلى الله عليه وسلم‮: ‬ألا أخبرك أن الله كلم أباك كفاحاً،‮ ‬فقال‮: ‬يا عبدي‮ ‬سلني‮ ‬أعطك،‮ ‬فقال‮: ‬أسألك أن تردني‮ ‬إلى الدنيا فأقتل فيك ثانياً،‮ ‬فقال الله له‮: ‬إنه قد سبق مني‮ ‬أنهم إليها لا‮ ‬يرجعون،‮ ‬فقال عبد الله‮: ‬يا رب،‮ ‬أبلغ‮ ‬من ورائي،‮ ‬فأنزل الله تعالى‮: «ولا تحسبن الذين قتلوا في‮ ‬سبيل الله أمواتاً‮ ‬بل أحياء عند ربهم‮ ‬يرزقون،‮ ‬فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم‮ ‬يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم‮ ‬يحزنون‮».‬
وبعد مرور ست وأربعين سنة على دفنه،‮ ‬نزل سيل شديد‮ ‬غطى أرض القبور،‮ ‬فسارع المسلمون إلى نقل جثث الشهداء،‮ ‬وكان جابر لا‮ ‬يزال حياً،‮ ‬فذهب مع أهله لينقل رفات أبيه عبد الله بن عمرو ورفات زوج عمته عمرو بن الجموح رضي الله عنهما،‮ ‬فوجدهما في‮ ‬قبرهما نائمين كأنهما ماتا بالأمس لم‮ ‬يتغيرا‮.‬
وقد أحسن جابر رضي الله عنه تنفيذ وصية أبيه رضي‮ ‬الله عنهما،‮ ‬فكان أول ما فعله بعد دفن أبيه،‮ ‬أن جاء إلى النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم فقال‮: ‬يا رسول الله إن أبي‮ ‬ترك ديناً‮ ‬عليه،‮ ‬وليس عندي‮ ‬ما أفيه به إلا ما‮ ‬يخرجه ثمر نخيله، ولو عمدت إلى وفاء دينه من ذلك لما أديته في‮ ‬سنين،‮ ‬ولا مال لأخواتي‮ ‬أنفق عليهن منه‮ ‬غير هذا،‮ ‬يقول جابر‮: ‬فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومضى معي‮ ‬إلى بيدر تمرنا وقال لي‮: ‬ادع‮ ‬غرماء أبيك فدعوتهم،‮ ‬فما زال‮ ‬يكيل لهم منه حتى أدى الله عن أبي‮ ‬دينه كله من تمر تلك السنة،‮ ‬ثم نظرت إلى البيدر فوجدته كما هو،‮ ‬كأنه لم تنقص منه تمرة واحدة‮.‬

رسول الرحمة

وتزوج جابر امرأة ثيباً‮ ‬لتكون أماً‮ ‬لأخواته البنات،‮ ‬ويروي‮ ‬عن ذلك فيقول‮: ‬كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في‮ ‬غزاة،‮ ‬فلما أقبلنا تعجلت على بعير لي‮ ‬قطوف،‮ ‬فلحقني‮ ‬راكب خلفي‮ ‬فنخس بعيري‮ ‬بعنزة كانت معه فانطلق بعيري‮ ‬كأجود ما أنت راء من الإبل،‮ ‬فالتفتُ‮ ‬فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‮: ‬ما‮ ‬يعجلك‮ ‬يا جابر؟،‮ ‬قلت‮: ‬يا رسول الله إني‮ ‬حديث عهد بعرس،‮ ‬فقال‮: ‬أبكراً‮ ‬تزوجتها أم ثيباً، قلت‮: ‬بل ثيباً،‮ ‬قال‮: ‬هلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟‮ ‬قلت‮: ‬إن لي‮ ‬أخوات فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن‮. ‬
قال‮: ‬فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل فقال صلى الله عليه وسلم‮: ‬أمهلوا حتى ندخل ليلاً‮ ‬ أي‮ ‬عشاء كي‮ ‬تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة،‮ ‬وقال‮: ‬إذا قدمت فالكيس الكيس‮.‬
ولما رأى النبي‮ ‬صلى الله عليه وسلم تثاقل جمله،‮ ‬وربما حاجته إلى المال قال لجابر‮: ‬أتبيع جملك؟ ‬فوافق على الفور،‮ ‬يقول‮: ‬فاشتراه مني‮ ‬بأوقية،‮ ‬ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدمت بالغداة،‮ ‬فجئت المسجد فوجدته على باب المسجد،‮ ‬فقال‮: ‬الآن حين قدمت؟ ‬قلت‮: ‬نعم،‮ ‬قال‮: ‬فدع جملك وادخل فصل ركعتين،‮ ‬فدخلت فصليت ثم رجعت فأمر بلالاً أن‮ ‬يزن لي‮ ‬أوقية فوزن لي‮ ‬بلال فأرجح في‮ ‬الميزان،‮ ‬فانطلقت فلما وليت قال‮: ‬ادع لي‮ ‬جابراً،‮ ‬فدعيت فقلت‮: ‬الآن‮ ‬يرد علي الجمل،‮ ‬ولم‮ ‬يكن شيء أبغض إلي منه،‮ ‬فقال‮: ‬خذ جملك ولك ثمنه‮.‬

مفتي المدينة

وكان رضي‮ ‬الله عنه من فقهاء الصحابة،‮ ‬وكانت له حلقة في‮ ‬المسجد النبوي‮ ‬يؤخذ عنه العلم فيها،‮ ‬عاش بعد عبد الله بن عمر أعواماً‮ ‬وتفرد بالإفتاء بالمدينة المنورة،‮ ‬وكان‮ ‬يقول لمن حوله‮: (‬تعلموا العلم،‮ ‬ثم تعلموا الحلم،‮ ‬ثم تعلموا العلم،‮ ‬ثم تعلموا العمل بالعلم،‮ ‬ثم أبشروا‮).‬
وكان من شدة تعلقه برواية الحديث‮ ‬يرحل إلى مكة وإلى كل مكان‮ ‬يسمع فيه ممن سمع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،‮ ‬ومرة رحل إلى الشام ليسمع من صحابي‮ ‬حديث القصاص‮ ‬يقول‮: ‬بلغني‮ ‬عن رجل‮ ‬حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم،‮ ‬فاشتريت بعيراً،‮ ‬ثم شددت عليه رحلي،‮ ‬فسرت إليه شهراً،‮ ‬حتى قدمت عليه الشام،‮ ‬فإذا عبد الله بن أنيس،‮ ‬فقلت للبواب‮: ‬قل له‮: ‬جابر على الباب،‮ ‬فقال‮: ‬ابن عبد الله؟،‮ ‬قلت‮: ‬نعم،‮ ‬فخرج‮ ‬يطأ ثوبه،‮ ‬فاعتنقني‮ ‬واعتنقته،‮ ‬فقلت‮: ‬حديثاً‮ ‬بلغني‮ ‬عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في‮ ‬القصاص،‮ ‬فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه،‮ ‬قال‮: ‬سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‮ ‬يقول‮: (‬يحشر الناس‮ ‬يوم القيامة أو قال العباد عراة‮ ‬غرلاً‮ ‬بهماً،‮ ‬قال‮: ‬قلنا‮: ‬وما بهماً؟‮ ‬قال‮: ‬ليس معهم شيء،‮ ‬ثم‮ ‬يناديهم بصوت‮ ‬يسمعه من بعد أحسبه قال كما‮ ‬يسمعه من قرب‮: ‬أنا الملك،‮ ‬أنا الديان،‮ ‬ولا‮ ‬ينبغي‮ ‬لأحد من أهل النار أن‮ ‬يدخل النار،‮ ‬وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه حتى اللطمة،‮ ‬قال‮: ‬قلنا‮: ‬كيف وإنما نأتي‮ ‬الله عز وجل عراة‮ ‬غرلاً‮ ‬بهماً؟، ‬قال‮: (‬بالحسنات والسيئات‮).‬