يعد جامع القرويين من أهم المعالم الإسلامية في المغرب العربي، ويقع في مدينة فاس، المغربية التي تقع تحديداً في أقصى شمال شرق المغرب وتم الشروع في بناء الجامع في الأول من رمضان 245 ه الموافق (30 نوفمبر 859م) بأمر العاهل الإدريسي يحيى الأول. يذكر أن فاطمة الفهرية المعروفة بأم البنين والتي تعود أصولها إلى ذرية عقبة بن نافع الفهري القرشي فاتح تونس ومؤسس مدينة القيروان تطوعت لإعادة بناء جامع القرويين، ووهبت كل ما ورثته من مال عن أبيها لتشييده بعد أن لاحظت أنه ضاق بالمصلين فأحبت وأختها مريم أن تخلدا ذكر والدهما بهذا العمل لما درج عليه المسلمون من اتخاذ المساجد سلماً للمجد. ضاعفت فاطمة الفهرية حجمه بشراء الحقل المحيط به من رجل من هوارة، وضمته إلى المسجد، وبذلت مالاً طائلاً برغبة صادقة حتى اكتمل بناؤه في صورة بهية وحلية رصينة، وبقيت صائمة صيام تطوع إلى حين الانتهاء من بناء هذا الصرح العظيم.
أصل التسمية
أطلق على الجامع اسم جامع القرويين وجامعة القرويين نسبة إلى المهاجرين من القيروان بتونس، الذين سكنوا أحد أكبر أحياء فاس في أول عهدِها وهو عدوة القرويين. وكان من بين هؤلاء المهاجرين فاطمة بنت محمد الفهرية التي قدِمتْ من تونس إلى عاصمة الدولة الإدريسية مع والدها الفقيه القيرواني محمد بن عبد الله الفهري وأختِها مريم في أيام الأمير يحيى بن محمد بن إدريس.
ويُعرف الجامع بجمال زخرفته، حيث استعمل المهندسون المعماريون فناً مميزاً في صناعة القباب والأقواس، والنقش عليها بالعديد من الآيات القرانية والأدعية. وعند الدخول لساحة المسجد فإنك تجد 17 باباً للجامع وجناحين يلتقيان في طرفي الصحن الذي يتوسط هذه المنارة الإسلامية التاريخية، ويضم كل جناح مكاناً مخصصاً للوضوء مبنياً من المرمر.
من جامع إلى جامعة
منذ تشييد المسجد سارع العلماء إلى تنظيم حلقات العلم فيه لتصبح بذلك فاس قبلة لطالبي العلم والمعرفة من إفريقيا ومختلف أرجاء العالم الإسلامي الرحب. وكان يجتمع فيه العديد من طلاب العلم، وبفضل الاهتمام الفائق بالجامع من قبل حكام المدينة المختلفين تحولت فاس إلى مركز علمي وثقافي ينافس المراكز العلمية ذائعة الصيت في مدينة قرطبة وفي مدينة بغداد.
ويعتقد أن جامع القرويين انتقل من مرحلة الجامع إلى مرحلة البداية الجامعية في العهد المرابطي، حيث قام العديد من العلماء باتخاذ المسجد مقراً لدروسهم. وحسب النصوص المتوفرة فإن جامع القرويين دخل مرحلة الجامعة الحقيقية في العصر المريني حيث بنيت العديد من المدارس حوله وعزز الجامع بالكراسي العلمية والخزانات.
وتصنف جامعة القرويين على أنها أقدمُ جامعة في العالم، فهي تسبق جامعات أوروبا بحوالي قرنيْن من الزمن. وتدل القوائم الطويلة للفقهاء، والشعراء، وعلماء الفلك والرياضيات، ممن جاؤوا من بلدان مختلفة لطلب العلم في جامعة القرويين على الصيت الذي كانت تتمتع به الجامعة. ومن بين هؤلاء؛ المؤرخ عبد الرحمن بن خلدون المولود بتونس، ومؤسسُ عِلم الاجتماع الحديث، وأبو الوليد بن رشد الطبيب والفيلسوف المعروف، والطبيب الأندلسي موسى بن ميمون، والإدريسي أشهر الجغرافيين العرب والمسلمين، وعالم الرياضيات والفلك الشهير ابن البنَّاء المراكشي، وابن غازي المكناسي عالِم القراءات والرياضيات، وبابا الفاتيكان سيلفستر الذي تُنسب إليه عملية نقل الأرقام العربية إلى أوروبا، وغيرهم كثير.