جامع محمد علي.. تحفة مصرية على تلال القلعة

مشكاواته تعزف الألحان كلما داعبها النسيم
02:19 صباحا
قراءة 3 دقائق
القاهرة: «الخليج»

يحظى مسجد محمد علي الكائن في قلعة صلاح الدين بالقاهرة، بشهرة واسعة، ليس فقط بسبب عظمة بنيانه الذي يتسق إلى حد كبير مع بنيان القلعة، وإنما لعمارته الفريدة التي جمعت كل فنون العمارة الإسلامية، لتحول المسجد العتيق الذي يطل على القاهرة من براح القلعة إلى واحد من أهم مساجد القاهرة الفاطمية وأكثرها شهرة.
ويطلق المصريون على المسجد اسم «جامع المرمر»، وهي التسمية التي ترجع للنوع النادر من الرخام الذي كسي به الجامع، الذي صمم على يد المعماري الفرنسي الشهير باسكال كوست في العام 1820 ميلادية، بطلب من محمد علي باشا، لكن المشروع لم ينفذ إلا بعد عشر سنوات على تصميمه، ووفقا لتصميم مهندس تركي يدعى «يوسف بوشناق»، الذي وضع تصميم المسجد على غرار «جامع السلطان أحمد» بالأستانة مع بعض تغييرات طفيفة.

استغرق بناء المسجد أكثر من عشرين عاما، وقد بني على أنقاض «قصر الأبلق والإيوان»، وهو القصر الذي كان قد بناه الناصر محمد بن قلاوون، والقاعة الأشرفية التي تنسب إلى الأشرف خليل بن قلاوون، ولما تولى عباس باشا الأول الحكم بعد وفاة محمد علي، في العام 1848ميلادية، أمر بإتمام أعمال النقش والتذهيب وبعض أعمال الرخام بالجامع الذي خصص به مدفنا لوالي مصر الكبير، كما أمر بتعيين القراء ورصد الخيرات على الجامع، وعندما تولى محمد سعيد باشا الحكم قرر أن يكون الجامع الكبير مكاناً رسمياً للاحتفالات الدينية في مصر، حيث كانت تتم في خمس ليال كل عام، بدءاً من ليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، حتى ثلاث ليال من شهر رمضان المعظم، وهي الليالي التي تصادف ذكرى وفاة محمد علي باشا، وليلة دفنه بمدفنه بالجامع ثم ليلة القدر.

يتكون مسجد محمد علي من مساحة مستطيلة تنقسم إلى قسمين، الأول وهو المكان المعد للصلاة ويقع في ناحية الشرق، والغربي يوجد فيه صحن المسجد وتتوسطه فسقية للوضوء، ويتكون القسم الشرقي للجامع من مساحة مربعة الشكل، يصل طول كل ضلع من أضلاعها إلى 41 متراً، تتوسطها قبة يصل ارتفاعها إلى 52 مترا من مستوى أرضية الجامع، محمولة على أربعة عقود كبيرة محمولة على أربعة أكتاف مربعة، يحيط بها أربعة أنصاف قباب، بالإضافة إلى نصف قبة في مستوى أقل، تغطي المحراب، بالإضافة إلى أربع قباب صغيرة بأركان الجامع، الذي كسيت جدرانه الداخلية والخارجية، وكذلك الأكتاف الأربعة الداخلية الحاملة للقبة بالرخام الألبستر المجلوب من محاجر بني سويف.

ويعلو مدخل الباب الغربي المؤدي إلى صحن جامع محمد علي دكة للمؤذنين، مقامة على ثمانية أعمدة من الرخام فوقها عقود، وبدائر الجامع من أسفل الشبابيك كتب على أعتابها أبيات من قصيدة البردة للبوصيري، أما المحراب فمن الرخام الألبستر، يجاوره منبر رخامي من الرخام المطعم بالرخام الأحمر، يرجع تاريخه إلى عصر الملك فاروق الأول، أما المنبر الأصلي للجامع فيجاور المنبر الرخامي، وهو من الخشب، ويرجع تاريخه إلى عصر محمد علي باشا، وهو من أكبر المنابر الموجودة بمصر، وقد زخرف بزخارف مذهبة، وقد وقع الصانع على بابه، حيث كتب: «عملت بيد أحمد حسين جمال الدين في سنة 1360هجرية».
وترجع زخارف الجامع إلى طراز الزخارف التي سادت تركيا في القرن الثامن عشر، والتي عرفت باسم طراز الباروك والروكوكو، وهي تتمثل في وجود أواني الزهور الملونة، وبعض الفواكه وعناقيد العنب، وقد حليت زوايا القباب بلفظ الجلالة الله، ومحمد رسول الله، وأسماء الخلفاء الراشدين بخط الفنان التركي «أمين أزمرلي»، ويمتاز جامع محمد علي باشا بعدة مميزات معمارية وفنية تجعله متفرداً عن غيره من المساجد المصرية الأخرى، فمئذنتاه شاهقتان إذ يبلغ ارتفاعهما نحو 84 مترا، فإذا أضيف إليهما ارتفاع القلعة المشيد عليها الجامع، يبلغ ارتفاعهما نحو 80 مترا، وبذلك يصل ارتفاع المئذنتين إلى نحو 164 مترا عند مستوى البحر.
ويصل عدد المشكاوات في جامع محمد علي 365 مشكاة، بعدد أيام السنة، وقد لوحظ أنها تعزف ألحانا موسيقية في حالة الهدوء عندما يمر النسيم إلى داخل المسجد عبر نوافذه المزخرفة، وكان الجامع يتميز بظاهرة «صدى الصوت الظاهر» عند ارتفاع الأصوات داخل بيت الصلاة، لأنه كان يضم عدداً كبيراً من «الزلع» - الأواني الفخارية- الموضوعة على فوهاتها، وقد رفعت هذه الأواني في أثناء عمليات التجديد التي تمت في عصر الملك فؤاد.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"