عزا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه أثرا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول فيه: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية، ما يعني أهمية إلمام كل مسلم بما كان عليه أهل الجاهلية لكي يتعرف على الجهد الذي بذله النبي صلى الله عليه وسلم في هداية الناس، ويعرف الشدة والمشقة اللتين لاقاهما صلى الله عليه وسلم في معركته الكبرى، معركة إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وكيف انتشل طاقات العرب المعطلة بالجاهلية التي كانوا يرزحون في أغلالها لتسعد الدنيا بمن آمن منهم، وتتغير لهم، بعد أن بدلوا ظلام جاهليتهم بنور الإسلام.
ظل قوم إسماعيل وأبناؤه على دين إبراهيم، قرونا كثيرة، حتى صارت فيهم الأوثان التي كانت في قوم نوح، وهي أسماء قوم صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا وسوس الشيطان إلى قومهم أن ينصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسونها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنوسخ العلم عبدت.
تراكمت الوثنية عبر القرون والأجيال، ودفنت تحتها تعاليم الأنبياء والمرسلين، وبلغت الوثنية في قرن البعثة أوجها، حتى كان في جوف الكعبة وفي فنائها ثلاثمائة وستون صنما، وقد روى الإمام أحمد عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه أنه قال: والله لقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم على أشد حال بعث عليها نبي من الأنبياء في فترة وجاهلية، ما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان، فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل.
ولن نجد أصدق ولا أبلغ من قول جعفر بن أبي طالب في جاهلية قومه، وهو يحدث نجاشي الحبشة في مواجهة رسولي قريش وقد جاءا إلى النجاشي ليسلمهما المهاجرين من المسلمين عنده، يقول جعفر: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبدالأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله وحده، لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد، نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والأوثان.
تلك كانت أحوالهم، وتلك كانت عباداتهم، وفي الحديث الصحيح أن عمرو بن لحي أول من حمل العرب على عبادة الأصنام، وكان قد خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره فرأى قوما يعبدون الأصنام، فسألهم عنها، قالوا: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنما، فأسير به إلى أرض العرب، فيعبدونه، فأعطوه صنما يقال له هبل، فقدم به مكة، فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه.
عبادة الأصنام
وكما تفرق العرب قبائل، تفرقوا عقائد، وعبدوا الأصنام، فكان لكل قبيلة أو ناحية أو مدينة، صنم خاص، فكان ود لكلب وهو بدومة الجندل، وسواع لهذيل، ويغوث ويعوق لمذحج ولقبائل من اليمن، ونسر لذي الكلاع بأرض حمير، ويعوق لهمدان، واللات لثقيف بالطائف، والعزى لقريش وبني كنانة، وكانت خزاعة وقريش تعبدان إسافا ونائلة، وكانا بين الصفا والمروة، وكانت مناة على ساحل البحر، تعظمها العرب كافة، والأوس والخزرج خاصة، وهبل أعظم أصنامهم وكان على ظهر الكعبة.
وإلى جانب هذه الأصنام الرئيسية يوجد عدد لا يحصى من الأصنام الصغيرة، وكان لأهل كل دار من مكة صنم في دارهم يعبدونه، فإذا أراد أحدهم السفر، كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من سفره كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضا، وكان الرجل إذا نزل منزلا في سفره، أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها، فاتخذه ربا، وجعل ثلاث أثافي لقدره، وإذا ارتحل تركه.
وتدرجوا من عبادة الأصنام والأوثان إلى عبادة جنس الحجارة قال أبو رجاء العطاردي: (كنا نعبدالحجر، فإذا وجدنا حجرا آخر هو أخير منه، ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرا جمعنا جثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة فحلبناه عليه، ثم طفنا به)، وكانت إحدى القبائل تصنع من التمر صنما وتعبده، ولما جاعت أكلته، فقيل: أكلت ود ربها.
وكان للعرب شأن كل أمة مشركة في كل زمان ومكان آلهة شتى، فعبدوا الشمس والقمر، والملائكة والجن، والكواكب، وكانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله فيتخذونهم شفعاء لهم عند الله، ويعبدونهم، ويتوسلون بهم عند الله.
ولم تعدم العرب من كان منهم يميل إلى اليهودية، أو إلى النصرانية، والصابئة، أما البقية الباقية من دين إبراهيم عليه السلام فقد أصابها التحريف، والتغيير والتبديل، فصار الحج موسما للمفاخرة والمنافرة، والمباهاة وانحرفت بقايا المعتقدات الحنيفية عن حقيقتها وألصق بها من الخرافات والأساطير الشيء الكثير.
وأد البنات
كان العرب يتظالمون فيما بينهم، وكان أفحش ظلمهم لأنفسهم ظلمهم لبناتهم، وكانوا يعيرون بالبنات، فالبنت لا تخرج في الغزو، ولا تحمي البيضة من المعتدين عليها، ولا تعمل فتأتي بالمال شأن الرجال، وإذا ما سبيت اتخذت للوطء تتداولها الأيدي لذلك، بل ربما أكرهت على احتراف البغاء، ليضم سيدها ما يصير إليها من المال بالبغاء إلى ماله، وقد كانت العرب تبيح ذلك، وكان هذا يورث الهم والحزن والخجل للأب عندما تولد له بنت، وقد حدثنا القرآن الكريم عن حالة من تولد له بنت فقال تعالى: وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (النحل: 58 59)، وكثيرا ما كانوا يختارون دسها في التراب، ووأدها حية، وكان الوأد مستعملاً في قبائل العرب قاطبة، فكان يستعمله واحد ويتركه عشرة، ومنهم من كان يقتل أولاده خوف الفقر، ومنهم من كان يئد البنات مخافة العار، ومنهم من كان يئد من البنات من كانت زرقاء أو شيماء (سوداء) أو برشاء (برصاء) أو كسحاء (عرجاء) تشاؤما منهن بهذه الصفات، وكانوا يقتلون البنات ويئدونهن بقسوة نادرة في بعض الأحيان، وكانوا يئدون البنات أحياناً وهن يعقلن، وفي بعض الأحيان كانوا يلقونهن من شاهق.
أنواع النكاح
ومن يطلع على النكاح في الجاهلية يجد صورة من أحط صور البهيمية والنظرة المتدنية لعلاقة الرجل بالمرأة، وكانت المرأة في المجتمع الجاهلي عرضة للغبن والحيف، تؤكل حقوقها، وتبتز أموالها، وتحرم من إرثها،
وتعضل بعد الطلاق أو وفاة الزوج من أن تنكح زوجا ترضاه، وتورث كما يورث المتاع أو الدابة عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا مات أبوه أو حموه، فهو أحق بامرأته إن شاء أمسكها أو يحبسها حتى تفتدى بصداقها، أو تموت فيذهب بمالها.
وقد تعارف العرب على أنواع النكاح، لا يعيب بعضهم على بعض إتيانها، وذكرت لنا السيدة عائشة رضي الله عنها تلك الأنواع فقالت: إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء، فنكاح منها نكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو بنته، فيصدقها، ثم ينكحها، والنكاح الآخر: كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها:
أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه، ويعتزلها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها، من ذلك الرجل، الذي تستبضع منه، فإذا تبين حملها، أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد، فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع، ونكاح آخر: يجتمع الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة، كلهم يصيبها، فإذا حملت ووضعت، ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها، أرسلت إليهم، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع، حتى يجتمعوا عندها، تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت فهو ابنك يا فلان، تسمي من أحبت منهم باسمه، فيلحق به ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع منه الرجل، والنكاح الرابع: يجتمع من الناس الكثير، فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا، كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما، فمن أرادهن دخل عليهن، فإذا حملت إحداهن، ووضعت حملها، جمعوا لها، ودعوا لهم القافلة، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فالتاطه، ودعي ابنه، لا يمتنع من ذلك.
وذكر بعض العلماء أنواعا أخرى كنكاح الخدن، كانوا يقولون: ما استتر فلا بأس به، وما ظهر فهو لوم، وهو إلى الزنى أقرب منه إلى النكاح، ونكاح البدل: كان الرجل في الجاهلية يقول للرجل: انزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي وأزيدك، ومنها نكاح الشغار، وهو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ليس بينهما صداق.
تعدد الزوجات
وكانوا يحلون الجمع بين الأختين في النكاح، وكانوا يبيحون للرجل أن يجمع في عصمته من الزوجات ما شاء دون التقيد بعدد، وكان الذين جمعوا بين أكثر من أربع زوجات أكثر من أن ينالهم العد، وجاء الإسلام ومنهم من له العشرة من النساء والأكثر، والأقل، فقصر ذلك على أربع بشرط العدل بينهن، فإن خاف عدم العدل فليكتف بواحدة، وما كانوا في الجاهلية يلتزمون العدل بين الزوجات، وكانوا يسيئون عشرتهن، ويهضمون حقوقهن حتى جاء الإسلام فأنصفهن، وأوصى بالإحسان إليهن في العشرة، وقرر لهن حقوقاً ما كن يحلمن بها.
كل هذا لا ينفي أن بعض القبائل كانت تحترم المرأة وتأخذ رأيها في الزواج، وكانت المرأة العربية الحرة تأنف أن تفترش لغير زوجها، وكانت تتسم بالشجاعة وتتبع المحاربين وتشجعهم، وقد تشارك في القتال إذا دعت الضرورة، وكانت المرأة البدوية العربية تشارك زوجها في رعي الماشية، وسقيها، وتغزل الوبر والصوف وتنسج الثياب، والبرود، والأكسية، مع التصون والتعفف. وكانت بعض القبائل لا تئد البنات، كما كان فيهم من يستقبحون هذه الفعلة الشنعاء.
حروب عبثية
كانت حياة العرب في الجاهلية فارغة من اهتمامات كبيرة، تجمع كلمتهم، وتدعوهم للتعاون فيما بنهم، ففشا بينهم التفاخر بالأنساب، والثارات القبلية، وكانت الحروب تقوم بينهم لأتفه الأسباب، وتهون فيها إراقة الدماء، حتى كانت تثيرها حادثة ليست بذات خطر، وقد روى لنا التاريخ سلسلة من أيام العرب في الجاهلية مثل ما جرى في حرب البسوس التي قامت بين بكر وتغلب ابني وائل، وأريقت فيها دماء غزيرة، بسبب ناقة، وقد استمرت هذه الحرب لمدة أربعين سنة.
وكذلك حرب داحس والغبراء بسبب سباق خيل وقد قامت بين قبيلتي عبس وذبيان، وتلا ذلك قتل ثم أخذ بالثأر، وأسر، ونزوح للقبائل، وقتل في ذلك ألوف من الناس.
وكذلك الحروب التي قامت بين الأوس والخزرج في الجاهلية وهم أبناء عم، وكان
كثير من حروب الأوس والخزرج يذكيها اليهود حتى يضعفوا القبيلتين فتكون لهم السيادة الدائمة.