كان تصنيع الجبن في العصور القديمة يتم بحسب تواجد الحيوانات الحلوب في البيئة التي يعيش فيها الإنسان، وقد اكتشف تصنيع الجبن سابقا عن طريق الصدفة بحيث إن الحليب إذا وضع بدون غليه فإن إنزيم الرينين المتواجد طبيعيا في الحليب يعمل على تجميع بروتينات الحليب من الكازيئين وتخثيره وفصله عن مكونات الحليب الباقية والتي لا تتخثر بفعل هذا الإنزيم، وإن وجود الجراثيم الطبيعية في الحليب تعمل على إضافة نكهة مميزة للجبن المتكون عن طريق تخميره .

اليوم، تتم بسترة الحليب قبل تصنيعه، ومن ثم يجاز بإضافة بادئ لتخفيض الحموضة ومزرعة جرثومية تسمى المنفحة (مستخلصة من منفحة العجل وهي المعدة التي تهضم الحليب، أو منفحة الماعز أو الأغنام)،وتقوم تلك المزرعة الجرثومية بتخثير الحليب وتحويله إلى كتلة من الكازيئين الملتصق ببعضه بعضاً، ومن ثم يصار إلى وضع ذلك الجبن في قوالب ويتم تحويله إلى مختلف الأنواع المعروفة اليوم من الاجبان .

وتختلف نكهة الأجبان عن بعضها بحسب المزرعة الجرثومية (المنفحة أو نوع الجراثيم) المستخدمة لعملية التجبن وطريقة طهيه، إضافة إلى نوع الحيوان الحلوب إن كان من الأبقار أو الأغنام أو الماعز، وطبعا تبعا لفصول السنة بشكل عام .

وقد ارتبطت تربية الماعز تاريخياً بحياة الإنسان لقدرته على تحمل الظروف البيئية الصعبة الباردة والحارة، فنجده منتشراً في جميع أنحاء العالم ولدى جميع الحضارات، وبات يشكل الأيقونة الرئيسة لنكهة وطعم منتجات الحليب والأجبان في بعض الدول اليوم كقبرص واليونان وإيطاليا وسويسرا وبعض الدول الأوروبية الأخرى، ولكن في الشرق الأوسط والبلاد العربية تحديدا تراجعت تربيته بينما كان يشكل في السابق تراثاً لبعض الحضارات العربية .

صناعة جبنة الحلوم

تتميز جبنة الحلوم المصنعة من حليب الماعز بنكهة مثيرة تأتي من كونها تصنع من الحليب الخام غير المغلي، وأيضا من طهيها بالشرش أو المصل المتبقي بعد تصنيعها . وتعد الجبنة التقليدية والأكثر انتشاراً في قبرص وفي شمال سوريا، وبات يقال في قبرص إنه إن لم تكن الجبنة الحلوم منشأها قبرص فهي ليست حلوماً وذلك لأن القبارصة يصنعونها حسب التقليد السائد إلى الآن من حليب الماعز .

ويصنع جبن الحلوم عموما من حليب الماعز أو الأغنام والابقار أيضاً، أو من مزيج بينهما، ولكنه يصنع تقليديا تصنع من حليب الماعز الصرف الذي يعطيها طعما ورائحة آتية من المكونات الفريدة في حليب الماعز . ومن الممكن صناعة جبن الحلوم من الحليب المبستر، ولكن تختلف النكهة هنا قليلا، وتكون نسبة الجبنة في الحليب قليلة .

تصنيع جبن الحلوم منزلياً

يتميز التصنيع المنزلي للمنتجات الغذائية بالتصنيع حسب متطلبات العائلة الغذائية من تواجد الملح أو السكر أو الملونات أو المضافات، أي أن التصنيع المنزلي يتمتع بشيء من الخصوصية مقارنة مع التصنيع المعملي الذي يكون عمومياً .

الوصفة

نحتاج لصناعة جبن الحلوم، المنفحة أو المستنبت الجرثومي المميز وهو الذي سيعطي النكهة بالاجتماع مع الجراثيم المفيدة الطبيعية المتواجدة في الحليب غير الخام، ومن الممكن شراء المنفحة من أحد معامل الألبان المتواجدة في مكان إقامتك، أو عن طريق طلبها من الإنترنت، وهي إما أن تكون على شكل بودرة أو حبوب، وعلى كل عبوة يتم وضع نسبة المنفحة التي يجب إضافتها إلى كمية معينة من الحليب .

وعموما يسخن الحليب لدرجة حرارة 40 مئوية أو بحرارة قريبة لحرارة جسم الإنسان، بحيث يمكن تغطيس الإصبع النظيف في الحليب لاستشعار الحرارة . ويكون التسخين بطريقة الحمام المائي (أي وعاء كبير فيه ماء وبداخله وعاء صغير فيه حليب) لتجنب التصاق مكونات الحليب الجافة بقعر وأطراف الوعاء، مع التحريك المستمر لتفتيت حبيبات الدهن . وبعدها تذوب كمية من المنفحة وتخلط بماء فاتر تشابه حرارته حرارة الحليب والخلط يكون لمدة خمس دقائق، وبعدها يترك الحليب في حاضنة صغيرة لحفظ الحرارة (إما غطاء سميك أو في فرن المطبخ حيث يحمى الفرن قليلا ويطفأ)، ويترك في الحاضنة الحرارية المصطنعة لمدة ساعة، ونقوم بعد ذلك بفحص عملية التجبن التي حصلنا عليها بوضع السكين على الخثرة المتشكلة ومحاولة سحبها بشكل خفيف للخلف فإذا كان القطع في الخثرة حاداً غير متشرذم تكون عملية التجبن قد اكتملت، وإلا أوجب الانتظار لدقائق أخرى لتكتمل عملية التجبن .

والآن، وبعد إتمام عملية التجبن يتم قطع خثرة الجبن المتكونة نتيجة التخمر البكتيري إلى مربعات، والانتظار بعد التقطيع لمدة ربع ساعة حتى يتم انفصال الخثرات المتشكلة تماما عن الشرش أو مصل اللبن، وبعدها يتم تصفية الجبن بالمصفاة (او الشاش) ووضعه بقوالب حسب الرغبة وتوضع فوقه أحد الأثقال المتوفرة في المنزل لثلاث ساعات،وفي مكان مبرد قليلا لتصفيته وتقليل نسبة الرطوبة فيه ورص الجبن،ومن ثم يصار إلى تسخين الشرش لدرجة الغليان وتغطس فيه قطع الجبن لتعقيمها، وتحرك ببطء شديد إلى أن تطفو . وبعد طفو قطع جبن الحلوم ترفع من القدر وتوضع جانبا على سطح نظيف لتبرد قليلا، وهنا سيصبح قوامها مطاطياً صلباً، ويتم وضع الملح حسب الرغبة ووضع بعض الأعشاب كالنعنع أو الزعتر، ثم تطوى قطعة الجبن وتكون هنا جاهزة لتغلف وتوضع في الثلاجة وجاهزة بعد تبريدها للتقديم ويمكن تخزينها بالماء والملح .

ميزات جبن الحلوم

من الممكن صناعة جبن الحلوم من أنواع الحليب الأخرى كحليب الأغنام والأبقار ولكن هنا تكون النكهة مختلفة ولكن القوام يكون تقريبا متشابه،ومن الممكن خلط نوعين أو ثلاثة أنواع من الحليب في نفس الجبن المصنع، وإذا لم تجد ربة المنزل حليب الماعز الطازج بإمكانها خلط كمية من حليب الماعز مع حليب الابقار للحصول على جبن حلومي يمتلك نكهة حليب الماعز وتستخدم جبنة الحلوم في الكثير من الأطعمة والسلطات وتقليديا تؤكل مع البطيخ أو التين أو أية فاكهة موسمية، ويمكن شيها أو قليها دون أن تذوب وهي الجبنة الوحيدة في العالم التي يمكن تناولها بكل الطرق (مسلوقة، مشوية، مقلية، محمرة بالفرن أو نيئة)، وكل طريقة تعطيها مذاقاً مختلفاً ورائعاً ويمكن استخدامها في الفطائر والمعجنات أو طهيها مع الدجاج والاسماك، وبرشها مع المعكرونة .

الدكتور محمد الحموي

استشاري صناعات غذائية